خاص – Defense Arabia
تعيد الابتكارات الدفاعية الحديثة رسم حدود القدرات العملياتية للمروحيات، وتتصدر مروحية “بلاك هوك” (Black Hawk) العريقة مشهد هذا التحول الجذري. فمن خلال دمج نظام “مصفوفة القيادة الذاتية” (Matrix Autonomy)، أطلقت شركة “سيكورسكي” العنان لقدرات غير مسبوقة، مُعلنةً عن ميلاد طائرة “يو-هوك” (U-Hawk)؛ وهي منصة شحن ضخمة غير مأهولة تجمع بين الموثوقية التاريخية وتكنولوجيا المستقبل.
ويُمثل هذا التطور فرصة استراتيجية للشركاء الدوليين المشغلين لأساطيل ضخمة من “بلاك هوك”، حيث يتيح لهم تمديد العمر التشغيلي لهذه الأصول وتحقيق كفاءة ميدانية لم تكن متاحة من قبل.
وقد تم الكشف عن هذه التكنولوجيا الثورية، التي تبشر بتغيير مفاهيم العمليات الجوية اللوجستية والقتالية، خلال إحاطة صحفية خاصة في جناح شركة “لوكهيد مارتن”.
وأكد ممثلو الشركة خلال الإحاطة أن دمج هذه الأنظمة لا يهدف إلى استبدال الطيارين كلياً، بل إلى توسيع نطاق المهام وتخفيف الأعباء عن العنصر البشري.
1. “ماتريكس”: حينما يتحول الجندي إلى “مدير للمهمة”
يُحدِث نظام (Matrix Autonomy) نقلة نوعية بفضل واجهته التي تركز على “إنجاز المهمة” بدلاً من الانشغال بتعقيدات القيادة. يمنح النظام المروحية مرونة تشغيلية استثنائية عبر 3 مستويات:
- القيادة المأهولة التقليدية.
- العمل كـ”مساعد طيار” رقمي لتعزيز كفاءة طيار واحد.
- الاستقلالية التامة (Autonomous) دون أي تدخل بشري.
وتتميز المنظومة ببساطة مذهلة؛ إذ تتطلب تدريباً لا يتجاوز 30 دقيقة على جهاز لوحي (Tablet) لتمكين الجندي من تخطيط وتنفيذ مهام معقدة، سواء أكانت للاستطلاع، أو للدعم اللوجستي، أو لنقل الحمولات الخارجية. وقد أثبتت التجارب العملية أن التعامل مع النظام متاح للجميع، بدءاً من الجنود المستجدين وصولاً إلى القادة الكبار، حيث يمكن لأي شخص توجيه الطائرة بعد دقائق معدودة من التوجيه.
قال رامسي بنتلي، مدير الشؤون الاستراتيجية في شركة “سيكورسكي” التابعة لـ “لوكهيد مارتن”، للصحافيين إن نظام “ماتريكس” يتسم بكونه بنية مفتوحة ومرنة، حيث تم دمج تقنيات متقدمة مثل (RAIN) التي تستخدم مستشعرات الطائرة لتحديد ومكافحة حرائق الغابات ذاتياً، مع مراعاة عوامل الرياح والتضاريس، وحتى العمل ليلاً بكفاءة عالية باستخدام مستشعرات (FLIR).

2. ولادة “يو-هوك” (U-Hawk): تحول سريع وكفاءة اقتصادية
يُجسد تحويل مروحية “UH-60 Lima” إلى نموذج (U-Hawk) قمة السرعة في الابتكار، حيث استغرقت الرحلة من المفهوم إلى النموذج الأولي 10 أشهر فقط. وتعتمد عملية التحويل على إزالة قمرة القيادة ومحطات الطاقم بالكامل واستبدالها بأبواب صدفية ومنحدر تحميل خلفي، مما يوفر مزايا فورية:
- زيادة السعة والحمولة: توسيع مساحة الشحن الداخلية بنسبة تزيد عن 20%، مما يتيح استغلال الوزن الموفر لرفع حمولات أثقل (تصل إلى 4.5 طن).
- استدامة اللوجستيات: تحافظ (U-Hawk) على توافق بنسبة 95% مع قطع غيار وصيانة أسطول “بلاك هوك” الحالي، مما يقلل من العبء المالي واللوجستي.
- إحياء الأصول المتقادمة: يوفر هذا التحويل حلاً اقتصادياً لإطالة عمر الطائرات القديمة (مثل طرازات “ألفا” و”ليما”)، حيث يمكن إنجاز التحويل في غضون أشهر قليلة محلياً في الدول الشريكة.
وبحسب بنتلي: “نقوم بتجهيز طائرة العميل الحالية باستخدام حزمة الاستقلالية Matrix، وبرمجيات التحكم الرقمي بالطيران (Fly-by-Wire)، ثم نزيل مجموعة من المكوّنات، مثل قمرة القيادة”.
3. عمليات مستمرة تتجاوز القدرة البشرية
تمنح (U-Hawk) القادة الميدانيين ميزة حاسمة في مناطق النزاع من خلال كسر حاجز “إجهاد الطاقم”. فبينما يتقيد الطيارون بساعات طيران محددة يومياً، تخضع (U-Hawk) فقط لجدول الصيانة الفني، مما يتيح “دورة عمل حقيقية على مدار 24 ساعة”. يمكن للطائرة العمل بطاقم بشري لمدة 8 ساعات، ثم التحول لمهام الإمداد الذاتي لـ 8 ساعات أخرى.
يفتح هذا الاستقلال التشغيلي الباب لمهام عالية الخطورة، مثل:
- البحث والإنقاذ القتالي (CSAR): إرسال الطائرة لإنقاذ الطيارين في بيئات معادية دون تعريض طواقم إضافية للخطر.
- اللوجستيات في المناطق المتنازع عليها: تنفيذ عمليات إمداد وإسقاط حمولات في النقاط الساخنة والمغادرة ذاتياً.

4. التكامل المستقبلي: فريق الجو والأرض (MUM-T)
تُعد (U-Hawk) ركيزة أساسية في مفهوم “العمل الجماعي بين الأنظمة المأهولة وغير المأهولة” (MUM-T). فهي قادرة على العمل كـ “عقدة قيادة أمامية”، حيث تقوم بإنزال المركبات الأرضية غير المأهولة (UGVs) وإطلاق الطائرات المسيرة الصغيرة (UAS) لتأمين مناطق الإنزال وتوفير وعي ظرفي كامل للقوات البشرية قبل وصولها.
تتكامل هذه المنظومة مع مجموعة طائرات “نوماد” (Nomad) العمودية المسيرة، التي تعمل أيضاً بنظام “ماتريكس”. وتختص طائرات “نوماد” (بنسختيها الكهربائية والهجينة) بمهام الاستطلاع والضربات الخفيفة، ويمكن التحكم بجميع هذه الأصول (U-Hawk، بلاك هوك، ونوماد) عبر واجهة تحكم موحدة، مما يخلق منظومة قتالية متجانسة.
5. خارطة الطريق نحو 2026
وبحسب بيث بارسيلا، نائبة رئيس شركة “سيكورسكي” للشؤون الاستراتيجية وتطوير الأعمال، فمن المقرر أن تبدأ اختبارات الطيران الموسعة لـ (U-Hawk) في منتصف عام 2026، لتشمل جميع سيناريوهات المهام الجديدة، مع توقعات ببدء الإنتاج الفعلي في نهاية العام نفسه. وتؤكد “سيكورسكي” على أن تقنية “ماتريكس” قد أثبتت نضجها عبر اختبارها على أكثر من عشر منصات جوية مختلفة.
يضع هذا الابتكار القادة العسكريين أمام نقطة تحول استراتيجية؛ حيث لم يعد التحدي يكمن في “كيفية قيادة الطائرة”، بل في “كيفية إدارة المعركة” باستخدام أصول ذاتية القيادة تعمل على مدار الساعة لتعزيز المناورة اللوجستية والقتالية بكفاءة غير مسبوقة.






