مقاتلات ‘سو-34إي’ الجزائرية تُحلّق فوق موسكو: التسليم يقترب

رصدت كاميرات المراقبة ومصادر الاستخبارات مفتوحة المصدر قاذفتين مقاتلتين من طراز “سو-34 إي” (Su-34E)، تحملان الرقمين 703 و704، خلال تنفيذهما طلعات تدريبية مكثفة فوق مطار جوكوفسكي بضواحي العاصمة الروسية موسكو، والذي يُعد المقر الرئيسي لمعهد أبحاث الطيران “غروموف” (LII). وبدت المقاتلتان المُعدّتان للتصدير وفق المواصفات الجزائرية مطليتين بألوان التمويه الصحراوي بدرجات البني والأصفر، ما يكشف عن قرب تسليم أول طائرة قتالية روسية من هذا النوع إلى الجزائر.

مطار جوكوفسكي: مركز أبحاث استراتيجي لا مجرد مطار

لا يُعد مطار جوكوفسكي مجرد منشأة للطيران المدني؛ بل يمثل المنصة الروسية الأبرز لاختبار الطائرات، وتأهيل الطيارين الأجانب، وتقييم الأجهزة الإلكترونية. ويشير محللون دفاعيون إقليميون وتقييمات الاستخبارات مفتوحة المصدر، إلى أن الطلعات الجوية الحالية تندرج ضمن برنامج منظّم يسبق عملية التسليم، ويهدف إلى تمكين الطيارين الجزائريين من إتقان التعامل مع المنظومة، وإعدادهم للتشغيل الفعلي فور نقل الطائرات رسمياً إلى الجزائر.

“سو-34 إي”: النسخة التصديرية من القاذفة الروسية المتقدمة

تمثل طائرة “سو-34 إي”، والمعروفة أيضاً باسم “سو-34 إم إي”، النسخة التصديرية من المقاتلة القاذفة الروسية “سو-34 فولباك” (Su-34 Fullback) التي تتميز بمقعدين متجاورين. وصُمم هذا الهيكل الهندسي خصيصاً لتعزيز التنسيق بين أفراد الطاقم خلال مهام القصف بعيدة المدى.

وتحتفظ “سو-34 إي” بالخصائص القتالية الجوهرية للنسخة الروسية الأصلية، لا سيما قدرتها على العمل في ظل الظروف الجوية القاسية بفضل تزويدها بأجهزة استشعار ومنظومات إلكترونيات طيران (أفيونيكس) متطورة. وتتميز القاذفة بامتلاكها رادارات لتتبع التضاريس والمسح الجانبي لتنفيذ العمليات على ارتفاعات منخفضة، فضلاً عن توافقها الواسع مع تشكيلة متنوعة من الذخائر الموجهة وغير الموجهة، بما يشمل صواريخ “جو-أرض” دقيقة التوجيه، والأسلحة المضادة للسفن، والقنابل الشراعية الموجهة، وذخائر الاختراق الثقيلة.

تعديلات تقنية مخصصة للمتطلبات التشغيلية الجزائرية

تشير المعطيات المتاحة إلى أن الطائرات المخصصة للجزائر تتضمن جملة من التحسينات مقارنة بالنسخة الروسية، أبرزها دمج منظومة حرب إلكترونية معززة، وتجهيزات استشعار مخصصة لتلبية المتطلبات التشغيلية للقوات الجوية الجزائرية. وجرت تهيئة هذه المقاتلات للعمل بكفاءة في البيئات الصحراوية القاسية، مع الحفاظ على قدرات القصف بعيد المدى، والأداء فوق الصوتي، والحمولة التسليحية الثقيلة التي تميز المنصة الأصلية.

مسار التعاقد: من عام 2016 حتى اليوم

أصبحت الجزائر أول عميل دولي مؤكد للنسخة التصديرية من طائرة “سو-34″، عقب إبرامها عقداً في عام 2019 لاقتناء 14 طائرة من طراز “سو-34 إي”، وفقاً لما أوردته تقارير دفاعية. وجاء هذا العقد ضمن حزمة تسليح دفاعية أشمل، تضمنت أيضاً مقاتلات متقدمة من طرازي “سو-57 إي” و”سو-35 إي”.

وتمتد جذور هذا التعاقد إلى ما قبل ذلك؛ إذ تعود المباحثات الأولية إلى عام 2016، حين درست الجزائر تقديم طلبية أصغر تضم نحو 12 طائرة بهدف استبدال منظومات القصف السوفيتية المتقادمة في خطوطها الأمامية. وأُنجز إنتاج هذه الطائرات في مصنع “نوفوسيبيرسك” للطائرات، وشهدت النسخ المُعدّة للتصدير طلعات اختبارية رُصدت خلال عام 2025، قبيل الانتقال إلى المرحلة التشغيلية الراهنة.

القاذفة الجديدة: خليفة “سو-24” وشريكة “سو-30”

يُتوقع أن تحل قاذفات “سو-34 إي” تدريجياً، فور تسلمها، محل مقاتلات القصف التكتيكي “سو-24 إم” التي خدمت في القوات الجوية الجزائرية لعقود طويلة باعتبارها العمود الفقري لقدرات القصف والاعتراض. وستكمل هذه المنظومة الجديدة أسراب الطيران روسي الصنع في الجزائر، والتي تضم مقاتلات “سو-30 إم كي إيه” متعددة المهام، وطائرات “ميغ-29” بفئاتها المختلفة، وطائرات التدريب المتقدم “ياك-130”.

ويعكس هذا الاستحواذ عمق الشراكة الدفاعية الراسخة بين الجزائر وروسيا، ويندرج ضمن إطار مساعي التحديث العسكري الشامل للقوات الجزائرية بهدف تعزيز قدرات الضرب بعيد المدى، والطيران متعدد المهام، والاشتباك الدقيق.

167 رحلة شحن: جسر جوي عسكري صامت

تزامن التقدم المحرز في برنامج “سو-34 إي” مع تصاعد ملحوظ في وتيرة الحركة اللوجستية بين روسيا والجزائر. وأفادت بيانات تتبع مستقلة برصد ما لا يقل عن 167 رحلة شحن عسكري بين المطارات العسكرية الروسية التابعة لشركة الطائرات المتحدة (UAC) والقواعد الجوية العسكرية الجزائرية، وذلك خلال فترة 14 شهراً انتهت في يونيو/ حزيران 2026. ويُرجح أن هذه الرحلات تضمنت نقل مكونات تقنية، ومعدات دعم، وأنظمة صيانة، وقطع غيار، إضافة إلى بنية تحتية دفاعية مرتبطة بترسانة المنصات الروسية المتنامية في الجزائر.

ولم تصدر أي جهة رسمية حتى الآن تصريحاً يحدد الجدول الزمني الدقيق لتسليم قاذفات “سو-34 إي”، أو يؤكد ما إذا كانت الجزائر تعتزم توسيع مشترياتها لتتجاوز العقد المبرم في عام 2019. إلا أن استمرار التدريبات في مطار جوكوفسكي يثبت أن هذه الطائرات تمضي بخطى ثابتة نحو الانتقال التشغيلي، تمهيداً لدمجها الوشيك في صفوف القوات الجوية الجزائرية.