رصدت وحدة الجرائم الرقمية لمايكروسوفت (Microsoft Digital Crimes Unit)، بالتعاون مع شركة “ريسيكيوريتي” (Resecurity) المتخصصة في الأمن السيبراني، شبكةً إجرامية تشغّل نموذجاً تجارياً من نوع جديد: خدمة توقيع البرمجيات الخبيثة بالاشتراك (Malware-Signing-as-a-Service)، وهي المجموعة ذاتها التي باتت تُعرف في أوساط التحليل السيبراني باسم “فوكس تمبست” (Fox Tempest).
في التاسع عشر من مايو/ أيار 2026، رُفعت السرية أمام المحكمة الفيدرالية الأمريكية للمنطقة الجنوبية من نيويورك عن دعوى قضائية تستهدف هذه المجموعة، التي وُثِّق انتهاكها لمنظومة توقيع مايكروسوفت للمنتجات الرقمية (Microsoft Artifact Signing)، بهدف انتزاع شهادات توقيع رمز (Code-Signing Certificates) مزورة. أتاح ذلك لعملاء “فوكس تمبست” إخفاء برمجياتهم الضارة في هيئة تطبيقات موقَّعة رقمياً وموثوقة، مما رفع من احتمالات تخطي منظومات الحماية الأمنية وتنفيذ تلك البرمجيات على أجهزة الضحايا.
عملية تفكيك متعددة الأوجه
لم تقتصر مايكروسوفت على الملاحقة القضائية، بل نفّذت في الوقت ذاته إجراءات تقنية حاسمة: استولت على الموقع الإلكتروني (signspace[.]cloud)، وأوقفت مئات الآلات الافتراضية المستخدمة في تشغيل العمليات، وقطعت الوصول إلى البنية التحتية الحاضنة للرمز البرمجي، وألغت ما يزيد على ألف شهادة توقيع رمز صادرة باسم “فوكس تمبست”.
دور محوري في منظومة برامج الفدية
اتخذت “فوكس تمبست” لنفسها موقعاً استراتيجياً في المجرى الأعلى من سلسلة الجريمة السيبرانية؛ فبدلاً من استهداف الضحايا مباشرةً، أسّست نموذجاً لتأجير قدرات التوقيع الرقمي لجماعات إجرامية أخرى، مما مكّنها من تعزيز فاعلية حملاتها الهجومية وإضفاء مصداقية زائفة على ملفاتها الخبيثة. وربطت مايكروسوفت أنشطة المجموعة بعمليات برامج فدية وبرمجيات ضارة متعددة، من أبرزها: “فانيلا تمبست” (Vanilla Tempest)، و”ريسيدا” (Rhysida)، و”أكيرا” (Akira)، و”كويلين” (Qilin)، و”آي إن سي” (INC)، فضلاً عن أدوات سرقة المعلومات “لوما ستيلر” (Lumma Stealer) و”فيدار” (Vidar) وسواها.
تنسيق دولي وتعاون استخباراتي
أسهمت “ريسيكيوريتي” في تزويد وحدة الجرائم الرقمية بمعلومات تحليلية حول آليات عمل “فوكس تمبست” وبنيتها التشغيلية. وأشارت مايكروسوفت كذلك إلى تنسيق موسَّع مع المركز الأوروبي لمكافحة جرائم الإنترنت التابع لليوروبول (EC3) ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، مما يُجسّد نموذجاً راسخاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مواجهة التهديدات السيبرانية العابرة للحدود.
دلالة استراتيجية
يكشف هذا الملف عن تحوّل هيكلي في منظومة الجريمة السيبرانية المنظمة؛ إذ باتت المجموعات الإجرامية تعتمد على نماذج خدمية مُجزَّأة وقابلة للاستئجار تُخفّض الحواجز التقنية وتُيسّر تنفيذ الهجمات. ومن خلال تحويل توقيع الرمز البرمجي إلى سلاح تجاري، منحت “فوكس تمبست” البرمجياتِ الخبيثة غطاءً من المصداقية الرقمية، مما قلّص الشكوك لدى المستخدمين وضاعف احتمالات نجاح الاختراق. ويرى خبراء الأمن السيبراني أن استهداف هذه الخدمات الدعم في مراحل مبكرة من سلسلة الهجوم هو الأجدى؛ إذ يُفقد مشغّلي برامج الفدية قدرةً تقنية محورية، ويُعيق توسّع عملياتهم، ويفسح للمدافعين مساحةً أوسع لاعتراض التهديدات قبل بلوغها الضحايا.






