إسنادٌ عملياتيٌّ ضمن جهدٍ خليجيٍّ جامع: قراءةٌ في الإسهام البريطاني ضمن منظومة الدفاع الخليجية المتعددة الجنسيات

العميد الركن المتقاعد يعرب صخر

تتسارع وتيرة الانخراط البريطاني في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي والبحري في منطقة الخليج، في توقيتٍ يشهد فيه الإقليم تصعيداً متواصلاً وضغطاً متزايداً على بنيته التحتية الحيوية وممراته الملاحية. وتقود دول الخليج جهداً دفاعياً جماعياً تُدمج فيه القدرات الوطنية والإقليمية ضمن منظوماتها الخاصة، فيما يأتي الإسهام البريطاني عنصراً مسانداً ضمن إطارٍ متعدد الجنسيات لا بوصفه قيادةً أو وصايةً عليه. وتكشف سلسلة الانتشارات والعمليات التي نفّذتها لندن منذ مطلع العام الجاري عن مقاربةٍ عملياتية تقوم على الإسناد المباشر لأولويات الشركاء الخليجيين، وعلى توفير قدراتٍ دفاعية تبقى دون عتبة التدخل الهجومي.

التايفون فوق سماء قطر: درعٌ جوية متقدمة

شكّلت طائرات «يوروفايتر تايفون» الذراع الأبرز للإسهام البريطاني في الدفاع الجوي الخليجي. فقد فعّلت قطر مطلع عام 2026 السرب المشترك الذي يجمع بين طياريها وطياري سلاح الجو الملكي البريطاني، ضمن اتفاقية الضمان الدفاعي بين البلدين، بما يتيح للدوحة دمج هذه القدرات في منظومتها الدفاعية الوطنية والإفادة من خبرة التشغيل المشترك. ويعكس هذا الترتيب علاقةً دفاعيةً راسخة تقودها أولويات قطر الأمنية.

وأثبتت هذه الطائرات فاعليتها العملياتية في الميدان. ففي الأول من آذار/مارس 2026، أسقطت طائرة تايفون تابعة للسرب المشترك مسيّرة إيرانية كانت تتجه نحو الأراضي القطرية قبل أن تخترق أجواءها، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع البريطانية عبر حسابها الرسمي. ويبرز هذا الاعتراض تنامي تهديد المسيّرات في عموم الخليج.

وعزّزت لندن وجودها الجوي لاحقاً. فقد وصلت طائرات تايفون إضافية إلى قطر في آذار/مارس 2026. وأوضح سلاح الجو الملكي أنّ هذه الطائرات كُلّفت بإسناد جهود الدفاع الجوي البحريني والإماراتي، بما يصبّ في مسعى إقليمي مشترك لردع التصعيد وصون الأمن. وتتركّز مهامها على الدوريات الجوية ومراقبة الأجواء واعتراض التهديدات بالتنسيق مع الشركاء الخليجيين.

منظومات دفاع جوي موزّعة عبر دول الخليج

لم يقتصر الإسهام البريطاني على القدرات الجوية، بل امتدّ إلى منظومات دفاع جوي أرضية انتشرت في عددٍ من دول الخليج لتُدمج ضمن منظوماتها الوطنية. وأعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي في 31 آذار/مارس 2026، خلال جولةٍ إقليمية، حزمةً من القدرات المخصّصة لإسناد أولويات الشركاء الخليجيين.

ووفق إعلان وزارة الدفاع البريطانية، تقرّر نشر منظومة «سكاي سيبر» (Sky Sabre) في المملكة العربية السعودية على أن تُدمج ضمن منظومات الدفاع الجوي السعودية والإقليمية الأوسع، بما يعزّز قدرة الرياض على التصدي للتهديدات الجوية والصاروخية ضمن أولوياتها الدفاعية الخاصة.

وفي الكويت، استقبلت القوات المحلية منظومات بريطانية مضادة للمسيّرات، أُدمجت في جهود الدفاع الكويتية. وجاء هذا الانتشار، وفق الرواية البريطانية، عقب هجومٍ بمسيّرة استهدف منشأةً نفطية كويتية، ليتيح للكويت رصد التهديدات الجوية والتعامل معها مبكراً. أما في البحرين، فجرى تفعيل قدرة بريطانية مضادة للمسيّرات بالتعاون مع القوات البحرينية ودمجها في منظوماتها الدفاعية.

وبلغ مجموع الأفراد البريطانيين المنخرطين في الدفاع عن الخليج نحو ألف عنصر، فيما تجاوزت ساعات الطيران التي سجّلها الطيارون البريطانيون 1,280 ساعة لحماية الرعايا والقواعد والشركاء الإقليميين، بحسب ما نقلته صحيفة «ذا ناشيونال».

«إتش إم إس دراغون»: مظلّة بحرية لتأمين الملاحة

على الصعيد البحري، أعادت البحرية الملكية البريطانية نشر المدمّرة «إتش إم إس دراغون» (HMS Dragon) من شرق المتوسط نحو الشرق الأوسط، استعداداً للإسهام في مهمةٍ بحرية متعددة الجنسيات لتأمين الملاحة عبر مضيق هرمز. والمدمّرة من فئة «دارينغ» (Type 45) متخصّصة في الدفاع الجوي عن المناطق.

وتحمل «دراغون» منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على رصد التهديدات الجوية والصاروخية والمسيّرة والتصدي لها. وتوفّر هذه المنظومة، بحسب البحرية الملكية، مظلّة حماية فوق الحركة البحرية العسكرية والتجارية على حدٍّ سواء، بما يخدم تأمين الممرات الحيوية التي تعوّل عليها دول المنطقة.

وأكّد قائد المدمّرة، الكابتن إيان غيفين، أنّ السفينة تؤدي دوراً بارزاً ضمن قوةٍ متعددة الجنسيات تسعى إلى ضمان حرية الملاحة وإعادة فتح طرق التجارة الحيوية. وتكتسب هذه المهمة أهميتها من كون مضيق هرمز يمرّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية في الظروف الطبيعية، ما يجعله أحد أهم نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية في العالم.

وتأتي «دراغون» ضمن حزمة قوة بريطانية تشمل أنظمة كنس ألغام ذاتية التشغيل ومركبات سطحية غير مأهولة من طراز «كراكن»، بدعم تمويلي بلغ 115 مليون جنيه إسترليني، بما يمنح المهمة طابعاً دفاعياً يقوم على إبقاء الممر مفتوحاً من دون الانزلاق نحو عملٍ هجومي ضد إيران.

قراءةٌ تحليلية: حدود نموذج الإسناد واستدامته

تكشف قراءة هذه الانتشارات مجتمعةً عن خيطٍ ناظم واضح: إسهامٌ بريطاني موزّع في الدفاع الجوي والصاروخي والبحري الخليجي، مُعايَر بعنايةٍ ليبقى دون عتبة التدخل الهجومي، ومندرجٌ ضمن جهدٍ خليجيٍّ قائد وإطارٍ متعدد الجنسيات أوسع. غير أنّ التحدّي الأبرز الذي يواجه هذا النموذج يبقى مسألة الاستدامة؛ إذ يشير محلّلون إلى محدودية المخزونات وقدرات الإنتاج العالمية للصواريخ الاعتراضية في مواجهة معدلات الاستهلاك الكثيفة التي يفرضها أي تصعيدٍ واسع، ما يطرح أسئلةً مشروعة حول قدرة هذا النموذج الدفاعي على الصمود على المدى الطويل.

وتلتقي هذه القدرات مع الهواجس المركزية لدول المنطقة، المتمحورة حول صون السيادة، وتعزيز المرونة (Resilience) أمام تهديد المسيّرات والصواريخ، وحماية البنية التحتية الحيوية والممرات الملاحية، وهي أولويات تقودها دول المنطقة وتُكيّف الإسهامات الخارجية وفق مقتضياتها.

ويبقى الرهان على الإسهام البريطاني المباشر من ضمن التحالف الدولي قيد التشكل لفتح هرمز، وهي ركن اساسي فيه، والتعاون مع القوات الأميركية البحرية المنتشرة، في نشر كاسحات الألغام والوسائل والروبوتات الخاصة في عملية فتح الممر البحري الآمن في المضيق، على قاعدة خبرتها التي لا تضاهى، والتي اكتسبتها منذ الحرب العالمية الثانية، في عملية نزع الألغام الطافية والغاطسة والعميقة في مضيق هرمز وفتح وتوسعة المسالك الأمنة لمرورالسفن والناقلات.