من بيروت إلى الخليج: كيف يتحول صاروخ ساحلي واحد إلى كابوس للأساطيل الغربية؟

علي الهاشم – باحث ومختص كويتي بمجال الدفاع والطيران والأنظمة الدفاعية

يعيش الخليج العربي تحت وطأة كابوس طالما حذّر منه العالم أجمع؛ إغلاق مضيق هرمز، وهو التهديد الذي لوّحت به إيران منذ الحرب العراقية الإيرانية عام 1980. ومنذ انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في نهاية فبراير/ شباط الماضي، تعطلت حركة الملاحة البحرية ولم تعد كسابق عهدها، فيما تكبّد العالم خسائر فادحة نتيجة تعثر تدفق النفط من دول الخليج إلى بقية دول العالم، وعلى رأسها أوروبا وشرق آسيا اللتان تعتمدان بشكل كبير على منابع نفط المنطقة العابرة عبر المضيق.

وقد استحضرت هذا الموضوع الحساس، الذي سبق أن تناولته في مقال مخصص لجريدة “الغد” الكويتية الرقمية، لا سيما في ضوء تصريح مستشار القيادة العسكرية الإيرانية الجنرال مرتضى قرباني عام 2019، والذي أكد فيه أنه في حال استخدمت الولايات المتحدة قطعها البحرية ضد إيران، فبإمكان طهران التعامل معها، وأنه حتى إن تعذّر الوصول المباشر إليها، فإن إطلاق صواريخ جوّالة مضادة للسفن تجاه أي هدف، حتى لو كان مدنيًا، كفيل بتعطيل ومنع المرور عبر المضيق، بل وإرسال تلك القطع إلى قاع البحر.

ولو عدنا بالتاريخ إلى الوراء، وتحديدًا إلى يوليو/ تموز 2006، حين شنّت إسرائيل حربها الخاطفة على لبنان وحزب الله، لوجدنا أن الأخير تمكّن حينها من إعطاب الزورق الحربي الإسرائيلي الحديث المعروف باسم «ساعر 5»، عبر إصابته بصاروخ مضاد للسفن أُطلق من عربة برية متخفية بين المباني السكنية في من الساحل اللبناني، وسط دهشة شديدة وإحراج بالغ للبحرية الإسرائيلية، ما أسفر عن مقتل أربعة من البحّارة الإسرائيليين وانسحاب الزورق من موقع الاشتباك. والمفارقة أن مقاتلي حزب الله رصدوا الهدف بصريًا ثم أطلقوا الصاروخ وهم على بُعد خمسة عشر كيلومترًا من الزورق الحربي، إذ رجّحت دوائر استخباراتية لاحقًا أن الصاروخ المستخدم هو النسخة الصينية «سي-802»، المطوّرة أصلًا من الصاروخ الفرنسي الشهير «إكسوسيت»، والتي أُعيد تطويرها في إيران لتصبح صاروخًا جوّالًا يحمل اسم «منظومة نور»، زُوّد به عناصر حزب الله. ونظرًا لطبيعة طيرانه المنخفض للغاية، لم يتمكن الزورق «ساعر 5» من رصده في الوقت المناسب، فوقع ما وقع.

ألقصة الكاملة لصاروخ C-802 ووصولهُ لأيدي الأيرانيين

يعيدنا كل ما سبق إلى الوضع الراهن في الخليج، حيث يسود الترقب والمتابعة الحثيثة للتطورات. ويطرح ذلك أيضًا تساؤلًا مشروعًا حول شكل المواجهة المحتملة، بالمقارنة مع ما لحق بالزورق الحربي الإسرائيلي من أضرار بالغة خلال حرب 2006 مع حزب الله في لبنان، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن إيران تمتلك مساحة ساحلية تبلغ 3180 كيلومترًا، معظمها مطل على الخليج العربي بامتداد يقارب 2000 كيلومتر، وهي مساحة شاسعة يصعب الدفاع عنها بالكامل. وقد استثمرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشكل مكثف في شراء وإعادة نسخ الصواريخ بمختلف أنواعها، ومن ضمنها الصواريخ المضادة للقطع البحرية، وهو ما يفسّر نجاح تجربتها السابقة عبر وكيلها في لبنان. لذلك، يُعدّ الدفاع الساحلي مفهوم ردع منخفض الكلفة نسبيًا، وقد يتحوّل إلى حصن الفرصة الأخيرة، خصوصًا أن طبيعة الخليج العربي الجغرافية تصب في مصلحة الجانب الإيراني، ذلك أن مفهوم الدفاع الساحلي يرتكز أساسًا على الردع الصاروخي المنطلق من منصات برية بدلًا من الاعتماد على القطع البحرية.

ويُعدّ استهداف القطع البحرية بين دولتين في حالة حرب أمرًا متوقعًا لا يفضي بالضرورة إلى تصعيد شامل، والدليل على ذلك ضرب الفرقاطة الأمريكية «ستارك» في الخليج من قبل سلاح الجو العراقي عن طريق الخطأ، دون أن يؤدي ذلك إلى مواجهة مباشرة بين واشنطن وبغداد، إذ اكتفى الجانب المتضرر باعتذار الطرف المهاجم. في المقابل، فإن استهداف منصات صاروخية على اليابسة يمثّل عدوانًا صريحًا، كونها تقع داخل حدود دولة ذات سيادة، وهو ما قد يفضي إلى صراع مرير طويل الأمد. وللجانب الإيراني خبرة راسخة في هذا السياق تعود إلى حرب العراق وإيران في ثمانينيات القرن الماضي، حين واجه الإيرانيون البحريات الغربية المتمركزة حينها في الخليج باستفزاز واضح، دون أن تجرؤ تلك البحريات على استهداف بطاريات صواريخ «سيلكوورم» الإيرانية رغم وضوح مواقعها بشكل كامل أمامها، تجنبًا للانزلاق في أتون الحرب الدائرة آنذاك.

Russia's northernmost missile unit uses Bastion coastal defense systems in  Arctic drills - Military & Defense - TASS

تعتبر الصواريخ المضادة للقطع البحرية الموجودة في الخدمة حاليا و المتاحة للتصدير فائقة الخطورة و ذات نمط عال في التعقيد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمتلك منظومة “بال – إي/BAL-E” و “باسشن/BASTION” الروسيتين قدرات تدميرية فتاكة ضد السفن. فعلى سبيل المثال، تمتلك المنظومتان الروسيتان «بال-إي» و«باستيون» قدرات تدميرية فتاكة ضد السفن. ولو تناولنا الصاروخ المستخدم في منظومة «باستيون»، وهو صاروخ «ياخونت» الذي يفوق ضعفين ونصف سرعة الصوت (نحو 2500 كيلومتر/الساعة)، لوجدنا أنه لا يوجد حتى الآن نظام دفاعي قادر على اعتراضه بفعالية، نظرًا لطبيعة انقضاضه على الهدف؛ إذ يتخذ عند الإطلاق ارتفاعًا شاهقًا قد يصل إلى 33 ألف قدم، ثم ينقضّ فجأة لينخفض إلى أقل من 15 مترًا، وربما أدنى من ذلك، ليضرب هدفه من دون سابق إنذار تقريبًا.

أما صاروخ «سيزلر» الروسي، فيُعدّ واحدًا من أذكى الأسلحة المضادة للقطع البحرية، إذ يتمتع بقدرة على التحليق بأنماط يصعب التنبؤ بها. فعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك مدمرة معادية أو حاملة طائرات راسية قرب إحدى الجزر، فإن صاروخ «سيزلر» يمكنه الالتفاف حول الجزيرة متخذًا منها ساترًا لتفادي الرصد، ثم يفصل رأسه الحربي فور اقترابه من الهدف، لتتسارع سرعته إلى أكثر من 3 أضعاف سرعة الصوت (أكثر من 3000 كيلومتر/الساعة)، وينقضّ على الهدف محدثًا دمارًا هائلًا.

خلاصة القول، إن نشر بطاريات صواريخ الدفاع الساحلي، التي تُنقل عادة عبر شاحنات متحركة، يعزز قدرتها على البقاء والتخفي، وهو ما يوسّع رقعة المخاطر ويُبقي أي قطعة بحرية عرضة للتهديد الدائم. ومن الجدير بالذكر أن وحدة صواريخ بحرية مكوّنة من شاحنتين إلى أربع شاحنات يمكنها تغطية مساحة تصل إلى 360 كيلومترًا من الشواطئ، كما أن بطارية صواريخ قديمة الطراز، ولو من عيار «ستيكس» أو «سيلكوورم» أو حتى «إكسوسيت»، قادرة على إغلاق مضيق هرمز أو مضيق جبل طارق في غضون دقائق معدودة. ويبقى التعامل مع هذه المنظومات مهمة بالغة الصعوبة، إذ يتطلب تحييدها عملية إنزال بحري واحتلال مواقع إطلاقها ودفعها بعيدًا عن الشواطئ، وهو أمر لا يزال احتمال تحققه غير مؤكد.