كشف تقرير نشره الموقع الصيني «نت إيز» عن اتساع متزايد في العلاقات العسكرية بين مصر والصين، مع تجدد الحديث عن اهتمام القاهرة بالمقاتلة الصينية J-10CE، وسط تقارير متداولة تتحدث عن احتمال حصول مصر على 40 مقاتلة من هذا الطراز. ويأتي ذلك بعد نحو 15 شهراً فقط من أول تدريب جوي مشترك بين البلدين، وهو ما يشير إلى أن التعاون بين القوات الجوية المصرية والصينية بدأ يأخذ طابعاً أكثر استمرارية، بعدما كان مجرد تجربة عابرة.
ويطرح تقرير «نت إيز» سؤالاً جوهرياً: إذا كانت مصر تمتلك بالفعل أسطولاً متنوعاً من المقاتلات، فلماذا تواصل دراسة الخيار الصيني؟ ويجيب التقرير بأن أهم ما يميز التعاون الحالي هو انتقاله من مرحلة الاتصال الأول إلى مرحلة التدريبات المشتركة المتكررة.
من تجربة عابرة إلى تدريبات متكررة
شاركت القوات الجوية الصينية خلال التدريب السابق بمقاتلات J-10C، إلى جانب طائرات الإنذار المبكر والتحكم KJ-500، وطائرات التزود بالوقود جواً Y-20، وشملت التدريبات التزود بالوقود في الجو، والضربات الجوية المشتركة ضد أهداف أرضية، والبحث والإنقاذ القتالي. ويرى التقرير أن الفاصل الزمني البالغ نحو 15 شهراً بين التدريبين يحمل دلالة مهمة؛ فمصر لم تكتفِ بالتعرف على المعدات الصينية مرة واحدة، بل واصلت التواصل مع القوات الجوية الصينية وأساليب تشغيل منظوماتها.
وبحسب «نت إيز»، فإن التعاون لمرة واحدة يمكن اعتباره محاولة أولية، بينما يشير تكرار التدريب خلال فترة قصيرة نسبياً إلى رغبة مصرية في فهم أعمق للقدرات الصينية. فمشاركة المقاتلات في المعارض الجوية تمنح العملاء فرصة لرؤية أدائها أثناء الطيران فقط، في حين يتيح دخولها إلى قواعد دولة أجنبية والمشاركة في تدريبات مع قواتها الجوية تقييم جوانب أكثر عملية، مثل سهولة الصيانة، والقدرة على تنفيذ طلعات متواصلة، والتعامل مع المهام المعقدة.
تعقيدات أسطول متعدد المصادر
يشغّل سلاح الجو المصري أسطولاً متنوعاً يضم مقاتلات إف-16 الأمريكية، ورافال الفرنسية، وميغ-29M/M2 الروسية. وبدأت مصر استلام مقاتلات إف-16 منذ عام 1982، ووصل إجمالي عدد الطائرات المطلوبة إلى 220 مقاتلة. كما طلبت القاهرة 24 مقاتلة رافال عام 2015، قبل أن تضيف 30 مقاتلة أخرى عام 2021، ليصل إجمالي طلباتها من رافال إلى 54 مقاتلة، إلى جانب مقاتلات ميغ-29 الروسية.
ووفقاً للموقع الصيني، يمنح هذا التنوع القاهرة مرونة أكبر في الاختيار، لكنه يفرض في الوقت نفسه أعباءً إضافية على التدريب والصيانة والإمداد؛ إذ تعتمد المقاتلات الأمريكية على منظومة قطع غيار وذخائر أمريكية، بينما تتبع رافال معايير فرنسية، في حين تسير المقاتلات الروسية وفق منظومة مختلفة تماماً. وهو ما يفرض على القاهرة تنظيم تدريب الطيارين، وتوزيع أطقم الصيانة، وتخزين قطع الغيار وفق احتياجات كل منظومة على حدة.
ويستحضر التقرير الصيني الضغوط التي تعرضت لها مصر خلال سعيها سابقاً للحصول على مقاتلات سو-35 الروسية، حين حذّرت الولايات المتحدة القاهرة من أن استمرار شراء مقاتلات روسية قد يؤدي إلى مخاطر فرض عقوبات، فضلاً عن احتمال التأثير على صفقات التسليح الأمريكية المستقبلية. وهنا تواجه مصر معادلة معقدة: الاعتماد على الموردين التقليديين يجعل بعض خياراتها مرهونة بعوامل خارجية، بينما يزيد إدخال مقاتلة جديدة من أعباء الصيانة والدعم.
ويرى «نت إيز» أن جاذبية J-10CE بالنسبة لمصر لن تتوقف على مواصفات المقاتلة وحدها، بل على قدرة الصين على تقديم حزمة متكاملة تشمل الطائرة والأسلحة والتدريب والصيانة والتحديثات المستقبلية؛ فإذا تمكنت بكين من توفير هذه العناصر ضمن منظومة واحدة، فقد يصبح تبرير تكلفة إدخال مقاتلة جديدة إلى الخدمة أكثر سهولة بالنسبة للقاهرة، التي قد يكون هدفها الأساسي فتح مسار إضافي للتسليح دون الاعتماد الكامل على الموردين التقليديين.
الدرس الباكستاني: J-10 يثبت نفسه في القتال
ويشير تقرير «نت إيز» إلى أن المواجهة الهندية الباكستانية في مايو/ أيار 2025 ساهمت في رفع الاهتمام الدولي بالمقاتلات الصينية من عائلة J-10، بعدما استخدمت باكستان مقاتلات J-10 وصواريخ PL-15 خلال القتال، فيما أقرت الهند لاحقاً بوقوع خسائر في طائراتها. وفي تحقيق نشرته وكالة رويترز في أغسطس/ آب 2025، استناداً إلى تصريحات مسؤولين ومعلومات تقنية مرتبطة بالمعارك، ذكرت الوكالة أن مقاتلات J-10 الباكستانية أسقطت مقاتلة رافال هندية واحدة على الأقل.
ويوضح التقرير أن فعالية الطائرة لم تكن منفصلة عن منظومة القتال بأكملها، بل ارتبطت أيضاً بقدرات اكتشاف الأهداف مبكراً، ونقل المعلومات بسرعة، وإطلاق الصواريخ من مسافات بعيدة؛ وهي معطيات تعكس طبيعة الحرب الجوية الحديثة، حيث لم تعد المواجهة تعتمد فقط على قدرة المقاتلة على المناورة، بل باتت المعلومات والوعي الميداني وسرعة اكتشاف الهدف وإطلاق السلاح عناصر حاسمة. وبالتالي، فإن الاهتمام بـJ-10CE لا يرتكز فقط على المواصفات النظرية، بل على الطريقة التي أثبتت بها المنظومة نفسها في ظروف قتالية حقيقية.
وتستطيع القاهرة، عبر التدريبات المشتركة مع الصين، مراقبة أداء المقاتلات الصينية أمام أنواع مختلفة من الطائرات، وتقييم مدى توافقها مع أساليب التدريب والتشغيل المصرية؛ غير أن نتائج التدريبات لا يمكن اعتبارها حكماً نهائياً على الأداء القتالي، لأن قواعد التدريب وطبيعة المهام المحددة قد تؤثر على النتائج. وما يهم مصر فعلياً هو معرفة ما إذا كانت J-10CE قادرة على تنفيذ طلعات مستقرة، وتوفير نقل معلومات سلس، وتسهيل أعمال الصيانة، وتلبية الاحتياجات العملياتية بأسلحتها.

سباق تسلح إقليمي يضغط على القاهرة
تأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه دول الشرق الأوسط تحديث قواتها الجوية بوتيرة متسارعة. ففي أغسطس/ آب 2024، وافقت الولايات المتحدة على إخطار محتمل لإسرائيل يشمل ما يصل إلى 50 مقاتلة F-15IA جديدة، إضافة إلى حزم تحديث لـ25 مقاتلة F-15I موجودة أصلاً، بقيمة تقديرية ضخمة بلغت 18.82 مليار دولار، شملت أيضاً 120 محرك F110-GE-129 ومعدات تدريب ودعم لوجستي، على أن تبدأ عمليات التسليم عام 2031 بمعدل 4 إلى 6 طائرات سنوياً.
كما وقّعت إسرائيل في يونيو/ حزيران 2024 اتفاقاً لشراء 25 مقاتلة F-35 إضافية من شركة لوكهيد مارتن بقيمة 3 مليارات دولار لتشكيل سربها الثالث من هذا الطراز، ليرتفع إجمالي أسطولها إلى 75 مقاتلة F-35 بعد إتمام الصفقة. والأهم أن إسرائيل وافقت في مايو/ أيار 2026 على خطة لشراء سرب رابع من F-35 وسرب ثانٍ من F-15IA، ضمن خطة تسليح أوسع تقدَّر بنحو 350 مليار شيكل، أي ما يعادل 119 مليار دولار على مدى عقد كامل، على أن تبدأ عمليات تسليم هذه الدفعة عام 2028 بمعدل 3 إلى 5 مقاتلات سنوياً.
ومع استمرار دول المنطقة في تعزيز قدراتها الجوية، يصعب أن تبقى مصر خارج مسار التحديث، ومن هنا تبرز فرصة J-10CE؛ إذ ليس من الضروري أن تستبدل القاهرة أسطولها بالكامل خلال فترة قصيرة، بل يمكنها إدخال مقاتلة جديدة لتعزيز بعض القدرات، ثم تقييم إمكانية توسيع نطاق التعاون مع الصين مستقبلاً إذا جاءت نتائج التدريب والأسعار وشروط الصيانة والدعم في صالحها.
صفقة لم تُحسم بعد
حتى الآن، لم تُعلن مصر أو الصين رسمياً عدد المقاتلات النهائي، أو قيمة الصفقة، أو موعد التسليم، رغم تداول الحديث عن 40 مقاتلة J-10CE منذ فترة. وهذا لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام المصري، فصفقات الطائرات القتالية تمر عادة بمراحل تشمل الاتصالات الأولية، والتقييم، والاختبارات، والمفاوضات، ثم التوقيع، وقد تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تخرج إلى العلن.
وفي الوقت الحالي، تمتلك الصين مكسباً مهماً يتمثل في مشاركة J-10C وKJ-500 وY-20 في تدريبات علنية داخل مصر، ما يمنح القاهرة فرصة للتعرف على أسلوب التشغيل الصيني لهذه المنظومات، بينما تُظهر بكين قدرتها على تقديم ما هو أبعد من بيع المقاتلة، بما يشمل التدريب والصيانة والدعم طويل الأمد. وإذا تم توقيع صفقة فعلية، فلن تقتصر العوائد الصينية على بيع الطائرات، بل يمكن أن تمتد إلى تدريب الطيارين وقطع الغيار وصيانة الأسلحة والتحديثات المستقبلية، في شراكة قد تمتد لسنوات طويلة.
وبالنسبة لمصر، فإن شراء J-10CE لن يكون مجرد إضافة طائرة جديدة إلى الخدمة، بل قراراً استراتيجياً بإدخال منظومة تسليح جديدة طويلة الأمد إلى سلاحها الجوي. وحتى الآن، يمكن التأكيد فقط أن التدريب الجوي المشترك الثاني بين مصر والصين قد أُعلن عنه رسمياً، وأن القاهرة لديها أسباب عملية تدفعها لتوسيع خياراتها في مجال التسليح الجوي، فيما لا تزال صفقة الـ40 مقاتلة بحاجة إلى إعلان رسمي ومعلومات أكثر صلابة بشأن العدد والسعر وموعد التسليم.






