تتواصل المنافسة بين القوى العسكرية الكبرى لتطوير صواريخ كروز بعيدة المدى، تجمع بين دقة الإصابة والقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة، مع تقنيات تهدف إلى تقليل فرص اكتشافها واعتراضها. وتضم أبرز هذه الأنظمة صواريخ «Kh-101» الروسي و«توماهوك» الأميركي و«JASSM-ER» الأميركي، إلى جانب صواريخ صينية وأوروبية وباكستانية وتركية وإسرائيلية، تختلف في مداها ومنصات إطلاقها وقدراتها العملياتية.
ويتصدّر الصاروخ الروسي «Kh-101» قائمة الأنظمة ذات المدى المعلن الأطول، إذ تتراوح التقديرات بشأن مداه بين 2500 و5000 كيلومتر، تبعًا للمصدر، فيما تشير تقديرات غربية إلى نطاق يتراوح بين 2500 و3500 كيلومتر. ويُطلق الصاروخ من القاذفتين الاستراتيجيتين «Tu-95MS» و«Tu-160»، وقد استُخدم على نطاق واسع في الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022، بينما تُخصّص النسخة «Kh-102» لحمل رأس حربي نووي.
في المقابل، يُعدّ «BGM-109 توماهوك» الأميركي من أكثر صواريخ الكروز استخدامًا في العمليات القتالية، مع سجل يمتد من حرب الخليج عام 1991 إلى عمليات عسكرية لاحقة في ليبيا وسوريا ومناطق أخرى. ويُطلق من السفن الحربية والغواصات، ويبلغ مداه نحو 1600 كيلومتر في بعض النسخ الحديثة، ما يمنح القوات المسلحة القدرة على استهداف مواقع بعيدة من دون الحاجة إلى اقتراب منصات الإطلاق من مناطق التهديد. كما تعمل الولايات المتحدة على تعزيز إنتاجه وتطوير نسخه، في ظل استمرار الاعتماد عليه ضمن قدراتها الهجومية بعيدة المدى.
ويبرز صاروخ «AGM-158B JASSM-ER» الأميركي، الذي تنتجه شركة «لوكهيد مارتن»، بمدى يُقدّر بنحو 1000 كيلومتر وتصميم يهدف إلى خفض بصمته الرادارية، ويُطلق من مجموعة من المقاتلات والقاذفات الأميركية. أما الصاروخ الصيني «CJ-10»، فتشير تقديرات مفتوحة إلى أن مداه يتجاوز 1500 كيلومتر، مع تقديرات أعلى في بعض المصادر، إلا أن محدودية المعلومات العلنية تجعل التحقق من مواصفاته الدقيقة ومنصات تشغيل نسخه المختلفة أكثر صعوبة.
وتضم القائمة أيضًا عائلة «Kalibr» الروسية، التي تشمل صواريخ تُطلق من السفن والغواصات، وتختلف مدياتها بحسب النسخة والمهمة. وقد استخدمت روسيا هذه الصواريخ في عملياتها العسكرية في سوريا منذ عام 2015 وفي أوكرانيا منذ عام 2022. ويبرز هنا الفرق بين نسخ التصدير والنسخ المحلية الروسية، إذ لا يجوز اعتماد مدى نسخة واحدة لتوصيف العائلة بأكملها.
ومن باكستان، يأتي صاروخ «Babur»، الذي تطوره المؤسسة الوطنية للهندسة والعلوم «NESCOM»، ويبلغ مداه المعلن نحو 700 كيلومتر في نسخة «Babur-1B»، مع تقارير عن تقديرات أعلى لم تُؤكّد بصورة مستقلة. ويُصمَّم الصاروخ للإطلاق من منصات برية، وتُعلن باكستان امتلاكه قدرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية بحسب النسخة.
أوروبيًا، يبرز صاروخ «TAURUS KEPD 350»، الذي تطوره شركة «Taurus Systems»، وهي شراكة بين «ساب» السويدية و«إم بي دي إيه دويتشلاند» الألمانية. ويتجاوز مداه المعلن 500 كيلومتر، وقد صُمّم لاستهداف المنشآت المحصنة والبنية التحتية العسكرية. كما يحضر صاروخ «Storm Shadow» البريطاني الفرنسي، المعروف أيضًا باسم «SCALP-EG»، بفضل سجله القتالي في العراق وليبيا وسوريا وأوكرانيا، وقدرته على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف ذات قيمة عسكرية مرتفعة. ويُقدّر مداه في البيانات المتداولة بنحو 250 كيلومترًا أو أكثر بحسب النسخة والقيود المفروضة عليها.
وفي تركيا، تطور شركة «روكتسان» صاروخ «SOM» الجوي، الذي يبلغ مداه المعلن نحو 250 كيلومترًا، ويهدف إلى تمكين الطائرات المقاتلة من مهاجمة أهداف بعيدة مع تقليل تعرضها للدفاعات الجوية. أما إسرائيل، فتطوّر صاروخ «Delilah»، الذي يتميز بقدرته على التحليق والانتظار قبل تنفيذ الهجوم، ما يتيح مرونة أكبر في التعامل مع الأهداف التي تتطلب تحديث المعلومات أو تحديد اللحظة المناسبة للضرب.
ولا يستند ترتيب هذه الأنظمة إلى المدى وحده، بل يأخذ في الاعتبار تقنيات التخفي، وسجل الاستخدام القتالي الموثق، وتعدد منصات الإطلاق، والانتشار العملياتي والتصديري. فالصاروخ الأطول مدى ليس بالضرورة الأكثر ملاءمة لجميع المهام، كما أن الأرقام المنشورة قد تختلف باختلاف النسخة وظروف الإطلاق وطبيعة المهمة، فيما تبقى بعض المواصفات العسكرية غير معلنة أو محل خلاف بين المصادر.
وتعكس هذه الأنظمة اتجاهًا متزايدًا نحو تعزيز قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، مع استمرار الاستثمار في تقنيات الملاحة والتخفي وتطوير منصات الإطلاق. وفي ظل اختلاف المعلومات المتاحة بشأن عدد من البرامج، تبقى المقارنة بين صواريخ الكروز مرتبطة بالتمييز بين المواصفات الرسمية والتقديرات المستقلة، وبين القدرات المعلنة والأداء المثبت في العمليات الفعلية.

