ثلاث دول، ثلاثة مسارات: خريطة توطين الصناعات الدفاعية في الخليج

لمى فاروق

لم يعد توطين الصناعات الدفاعية في دول الخليج يقتصر على إنشاء خطوط تجميع أو نقل بعض أعمال الصيانة إلى الداخل، بل يتجه تدريجيًا إلى بناء قدرات تشمل التصنيع المحلي للمكونات، ونقل التكنولوجيا، وتطوير سلاسل الإمداد، وإنشاء مشاريع مشتركة مع شركات دفاعية عالمية. ويظهر هذا المسار بوضوح في السعودية والإمارات وقطر، وإن اختلفت طبيعة المشاريع ودرجة نضجها من دولة إلى أخرى. وتكشف المشاريع المعلنة والمنفذة خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب التطورات الجديدة في 2026، أن التوطين الخليجي لا يسير وفق نموذج واحد، بل عبر مزيج من الإنتاج المحلي، ونقل التكنولوجيا، والمشاريع المشتركة، والتطوير المشترك.

واللافت أن عام 2026 لا يمثل بداية هذا المسار، بل مرحلة جديدة ضمن مسار بدأ قبل ذلك بسنوات، إذ توجد في الدول الثلاث مشاريع دخلت الإنتاج أو التنفيذ منذ 2018 و2020 و2022 و2025، فيما شهد عام 2026 توسعًا في عدد من الشراكات والمشاريع الجديدة.

الجزء الأول: السعودية.. من توطين المكونات إلى توسيع القاعدة الصناعية

تُعد السعودية من أكثر النماذج وضوحًا في ربط التوطين العسكري بهدف كمي معلن؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية أن نسبة توطين الإنفاق العسكري بلغت 24.89% بنهاية عام 2024، مستهدفةً الوصول إلى أكثر من 50% من الإنفاق الحكومي على المعدات والخدمات العسكرية بحلول عام 2030.

وتجدر الإشارة إلى أن نسبة 24.89% تعكس مستوى توطين الإنفاق العسكري، ولا تمثل نسبة التصنيع المحلي الشاملة للمعدات والأنظمة، فيما تعرض الهيئة مؤشرًا منفصلًا للمحتوى المحلي بلغ 40.74% من الإنفاق العسكري لعام 2024.

THAAD.. توطين بدأ في 2022 ويتوسع في 2026

يقدم برنامج THAAD مثالًا واضحًا على أن التطور الصناعي الحالي هو نتيجة لمسار تراكمي وليس مشروعًا بدأ في 2026. فقد أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية خلال معرض الدفاع العالمي في مارس/آذار 2022 موافقتها على مشروعي توطين بالتعاون مع Lockheed Martin، يتعلق الأول بتوطين صناعة منصات إطلاق صواريخ الاعتراض، والثاني بتصنيع حاويات الصواريخ محليًا، ضمن برنامج توطين أجزاء من منظومة THAAD في المملكة.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة؛ اسم الملف هو E6VsHZETIh7NMrEYrb8QS3Y1E_WOJCog9zmgsq5bevwgaV0qDKgBA_JF-diCXskYcDNVa4HsZ3Fu8pXPyjXO_tbgqSDxPJ4QTYc1Ne-bgPCycJA74ZGG7T_vM7b-LI3Vnvbmc39Yp61pbZpr1eCDAy0WdWwQ0-G_VyTnr6jipQ4Svgqwa7eGqFzuhVE1wrJE.jpg

وفي فبراير/شباط 2024، أسندت Lockheed Martin إلى شركتي Middle East Propulsion Company (MEPC) وArabian International Company for Steel (AIC Steel) عقدين لتصنيع مكونات ضمن برنامج توطين منظومة THAAD، شملت حاويات صواريخ الاعتراض ووحدات Missile Round Pallet-Transportable (MRP-T)، بما يوفر مصدرًا ثانيًا لإنتاج بعض مكونات المنظومة داخل المملكة.

وفي مايو/أيار 2025، أعلنت Lockheed Martin وAIC Steel إكمال أول دفعة من المكونات المنتجة محليًا لمنصة إطلاق منظومة THAAD، خلال فعالية أقيمت في منشأة AIC Steel في جدة، وشهدت أيضًا مراسم إكمال أول وحدة MRP-T ضمن برنامج التوطين. ويمثل هذا الإنجاز انتقال المشروع إلى مرحلة التصنيع المحلي الفعلي لأحد المكونات الرئيسية للمنظومة.

أما في فبراير/شباط 2026، فاتجه التعاون إلى توسيع الإنتاج المحلي؛ إذ وقعت Lockheed Martin وAIC Steel مذكرة تفاهم لاستكشاف زيادة إنتاج وحدات MRP-T في السعودية، بينما وقعت Lockheed Martin وMEPC مذكرة تفاهم غير ملزمة لاستكشاف زيادة إنتاج حاويات صواريخ THAAD محليًا، في إطار عقود التوطين القائمة بين الأطراف.

إن أهمية تطورات 2026 في برنامج THAAD لا تكمن في إطلاق التوطين، بل في توسيع نطاق الإنتاج المحلي لمكونات بدأ توطينها قبل سنوات.

HSI32.. نموذج أقدم لنقل التكنولوجيا والإنتاج المحلي

لا يقتصر مسار التصنيع الدفاعي المحلي في السعودية على برامج الدفاع الجوي؛ ففي أبريل/نيسان 2018 أبرمت شركة Zamil Offshore Services السعودية اتفاقًا مع شركة CMN الفرنسية لبناء 39 زورق اعتراض سريع من طراز HSI32 لصالح القوات البحرية الملكية السعودية، ضمن برنامج شمل بناء جزء من الزوارق في فرنسا وتجميع 18 زورقًا في منشآت زامل بالدمام، إلى جانب نقل التكنولوجيا إلى المملكة. وقد دشنت السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2020 أول زورق HSI32 مصنع محليًا، في خطوة عكست انتقال التعاون من توريد المنصات إلى توطين جزء من قدرات بنائها داخل المملكة.

وفي فبراير/شباط 2023، أعلنت وزارة الدفاع والهيئة العامة للصناعات العسكرية استكمال مشروع تصنيع وتوطين الزوارق وتسلم الدفعة الأخيرة منها، بالتعاون بين شركة الزامل للخدمات البحرية وشركة الإلكترونيات المتقدمة وشركة CMN الفرنسية. وبذلك اختُتم المشروع الذي شمل تصنيع عدد من الزوارق في المملكة، في إطار برنامج لنقل التقنية وتطوير القدرات الصناعية المحلية.

يمثل برنامج HSI32 نموذجًا مختلفًا من حيث طبيعة التوطين عن برنامج THAAD؛ ففي حالة HSI32، شمل التعاون تصنيع عدد من الزوارق محليًا ونقل التقنية المرتبطة بها، بما أسهم في تطوير قدرات صناعية في مجال بناء الزوارق السريعة. أما في برنامج THAAD، فتشمل مشاريع التوطين المعلنة تصنيع قاذفات صواريخ الاعتراض وإنتاج حاويات صواريخ الاعتراض محليًا، ضمن منظومة دفاع صاروخي متقدمة.

“زرقاء اليمامة”.. توطين الأنظمة الكهروبصرية منذ 2022

أعلنت الهيئة العامة للصناعات العسكرية، في مارس/آذار 2022، توطين نظام المراقبة الكهروبصري متعدد الاستخدامات «زرقاء اليمامة – زالي»، من تصنيع الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية. وجاء ذلك في إطار عقد تصنيع وتوريد أبرمته الهيئة بالشراكة مع وزارة الداخلية والشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية، مع العمل على تطوير النظام محليًا، وتنفيذ عمليات التدريب والصيانة داخل المملكة بواسطة كوادر سعودية مدرّبة.

تكمن أهمية هذا المشروع في أنه يبرز امتداد التوطين إلى أنظمة المراقبة الكهروبصرية، وليس فقط إلى المنصات والمعدات العسكرية الأكبر حجمًا. ويتميز «زالي» بقدرته على تنفيذ مهام المراقبة والرصد والتتبع، مع مرونة في التشغيل عبر أنظمة تحكم مختلفة وإمكانية تكييفه مع أنماط استخدام متعددة.

SR2Vector.. انتقال إلى مجال المسيّرات الهجومية

وفي 2026 ظهر مسار جديد في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة الهجومية، مع تأسيس مشروع SR2Vector، وهو مشروع مشترك بين شركة SR2 Defense Systems السعودية وشركة Vector Defense الأمريكية، بهدف توطين تصنيع وتجميع وصيانة أنظمة مسيّرة أمريكية داخل المملكة. وأعلن الطرفان في مارس/آذار 2026 توقيع مذكرة تفاهم لهذا الغرض، قبل الإعلان لاحقًا عن تأسيس المشروع المشترك.

وفي مايو/أيار 2026، كُشف عن تطوير SKYWASP، وهي طائرة مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه بعيدة المدى من فئة LROWA، مع الإشارة إلى قدرة تصل إلى نحو 1,500 كيلومتر وفق التقارير المنشورة. كما تحدثت التقارير عن تطوير منشأة إنتاج قرب الرياض لتصنيع هذه الأنظمة في المملكة، إلا أن تفاصيل الطاقة الإنتاجية المستهدفة لم تُعلن، ما يجعل المشروع في هذه المرحلة ضمن مسار تطوير وتوطين قدرة صناعية جديدة، وليس برنامجًا يمكن وصف حجم إنتاجه التشغيلي بأنه معلن حتى الآن.

الجزء الثاني: الإمارات.. توسيع قاعدة الإنتاج والشراكات التقنية

Coyote.. منشأة إنتاج قائمة منذ 2025

افتتحت شركة Raytheon، التابعة لـRTX، في مايو/أيار 2025، منشأة صناعية في مجمع توازن الصناعي بأبوظبي مخصصة لإنتاج وتجميع واختبار نظام Coyote المضاد للطائرات المسيّرة. وتبلغ مساحة المنشأة نحو 21,500 قدم مربعة، وتضم مرافق مخصصة للتكامل النهائي والتجميع والاختبار الدقيق للنظام.

ويشارك القطاع الصناعي الإماراتي في البرنامج من خلال شركة EPI التابعة لمجموعة EDGE، التي بدأت منذ 2023 تصنيع نماذج أولية من مكونات ألمنيوم وأجزاء تجميعية خاصة ببرنامج Coyote، قبل أن يتواصل التعاون ضمن مسار توطين إنتاج النظام في الإمارات. ويشمل ذلك عمليات التصنيع والتشغيل والمعالجة السطحية وضمان الجودة والتجميع الفرعي للمكونات.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة؛ اسم الملف هو wjSXLimeurgli_yeHWYo1v0gBsFuWU4ck6EhspzGFWWSmQ4SaRbGXFkQbYA1Frmp_B43SMSyt76b4Qy2RItr-eI9ldY5dK24HHXFNGCltKMTjBnpr5sEL7EyS1EMc1NiXpoYdDO18-ZrOxU5DtVX8-P3QBqG21s8kX-0Zm5HxoRBPCvsBiXM7q0emv261Hgj.jpg

وبالتالي، فإن منشأة Coyote ليست مشروعًا قيد الإنشاء في 2026، بل منشأة افتُتحت في 2025، وتشكل جزءًا من البنية الصناعية التي تدعم توطين إنتاج منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة في الإمارات.

Omen وAnduril.. الإنتاج المشترك للأنظمة الذاتية

أعلنت EDGE وAnduril الأمريكية، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عن تأسيس EDGE–Anduril Production Alliance في الإمارات، كمنصة مشتركة للإنتاج والمبيعات ودعم الأنظمة الذاتية من الجيل التالي، مع التركيز على تصميمها وتطويرها وإنتاجها داخل الدولة.

وكانت Omen أولى المنظومات التي أُعلن تطويرها وإنتاجها ضمن الشراكة؛ إذ أكدت الإمارات شراء أول 50 نظامًا منها، بما يوفر قاعدة إنتاج مضمونة للمشروع ويدعم توسيع سلاسل الإمداد المحلية. وتستهدف الشركتان نقل Omen من مرحلة التطوير إلى الإنتاج الكامل بمعدل إنتاج متسلسل بحلول نهاية 2028، على أن تُنتج الأنظمة المخصصة للإمارات والعملاء الإقليميين محليًا في الإمارات. وتُستكمل ترتيبات المشروع وفق الموافقات الحكومية الأمريكية والإماراتية اللازمة والامتثال للقوانين والضوابط ذات الصلة.

كما أعلنت Anduril إنشاء مركز دائم في الإمارات للبحث والتطوير والمحاكاة الافتراضية، بمساحة 50 ألف قدم مربعة، ليعمل مركزًا إقليميًا للهندسة والتصميم والنمذجة الأولية، ويدعم تطوير ودمج واختبار الأنظمة الذاتية والمكونات المرتبطة بها.

وهنا يظهر اختلاف مهم عن نماذج التجميع التقليدية؛ فالشراكة لا تقتصر على تصنيع نظام جرى تطويره خارج الإمارات، بل تجمع بين التطوير المشترك والإنتاج المحلي والمبيعات والدعم، مع بناء قدرات هندسية وبحثية داخل الدولة، بما يوسع نطاق التوطين من التصنيع إلى مراحل أسبق من دورة تطوير المنظومة..

EM&E وEDGE.. إنتاج مشترك مع بقاء جزء من التصنيع في إسبانيا

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت EDGE ومجموعة EM&E الإسبانية اتفاقًا لاستكشاف تأسيس مشروع مشترك في الإمارات، مدعومًا بمحفظة فرص تجارية أولية تُقدّر بنحو 1.5 مليار دولار، مع التركيز على توريد أنظمة محطات الأسلحة المتحكم بها عن بُعد إلى الإمارات والأسواق الدولية ذات الأولوية.

وفي 17 يونيو/حزيران 2026، وقعت الشركتان اتفاقية تأسيس المشروع المشترك، لترتفع القيمة التقديرية لمحفظة الفرص التجارية إلى 1.725 مليار دولار، بزيادة 15% عن التقديرات الأولية، مع توقع بدء العمليات خلال الربع الأخير من عام 2026.

ويعتمد النموذج الصناعي للمشروع على نقل التكنولوجيا إلى منظومة EDGE الصناعية والتكنولوجية، بما يمكّنها من تصنيع أجزاء مختلفة من محطات الأسلحة داخل الإمارات، في حين يستمر تصنيع بقية مكونات المنتجات في إسبانيا. كما يتضمن المشروع تصنيع محطة أسلحة جديدة تستهدف تلبية متطلبات قطاع الدفاع العالمي.

ويكتسب هذا التفصيل أهمية خاصة عند قراءة مسار التوطين؛ فالمشروع لا يقوم على نقل تصنيع المنتج بالكامل إلى الإمارات، بل على تقسيم سلسلة التصنيع بين البلدين، بحيث تنتقل أجزاء محددة من الإنتاج والتقنية إلى القاعدة الصناعية الإماراتية، بينما تبقى أجزاء أخرى من التصنيع في إسبانيا.

الشرائح المعيارية.. التوطين ينتقل إلى مستوى الإلكترونيات

وفي مايو/أيار 2026، وقّع مجلس التوازن للتمكين الدفاعي وشركة Lockheed Martin اتفاقية لإنشاء منشأة متقدمة في الإمارات لتصميم وتجميع التقنيات القائمة على الشرائح المعيارية (Chiplets)، بالشراكة مع مجموعة EDGE وجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا. ويهدف المشروع إلى بناء قدرة وطنية في مجال تصميم وتجميع هذه التقنيات، وتعزيز حضور الإمارات في سلاسل القيمة العالمية للإلكترونيات الدقيقة.

وفي إطار المشروع، ستعمل شركة HALCON التابعة لمجموعة EDGE على دمج معالجات قائمة على تقنيات Chiplet في أنظمة التوجيه والاستهداف المتقدمة، بما يدعم قدرات الحوسبة على متن الأنظمة، وتحديد الأهداف وتتبعها، وتحسين دقة الاشتباك. كما يشمل التعاون إنشاء مركز متخصص للبحث والتطوير في جامعة خليفة يركز على تصميم الإلكترونيات الدقيقة وتطوير الكفاءات الوطنية والبحوث التطبيقية المرتبطة بالقطاع الصناعي.

ويمثل هذا المشروع انتقالًا في نطاق التوطين من تصنيع المنصات والمعدات إلى بناء قدرات محلية في مكونات وتقنيات إلكترونية متقدمة تدخل في صميم وظائف التوجيه والاستهداف والحوسبة، بما يربط التصنيع الدفاعي بالبحث والتطوير وتنمية الكفاءات التقنية داخل الدولة.

Hanwha.. من التعاون إلى استكشاف التوطين

وفي سبتمبر/أيلول 2026، وقّعت EDGE وHanwha الكورية الجنوبية ورقة شروط (Term Sheet) لاستكشاف التعاون في تطوير منظومة دفاع جوي متكاملة تلبي متطلبات الإمارات، وتشمل نظام الدفاع الجوي بعيد المدى L-SAM، وقدرات إضافية لنظام M-SAM، إلى جانب نظام راجمات الصواريخ المتعددة Chunmoo.

وتنص ورقة الشروط على مواصلة بحث نطاق التعاون وهيكليته، بما في ذلك إمكانية تأسيس مشروع مشترك في الإمارات، وترتيبات الإنتاج المحلي والعمليات التجارية، إلى جانب التعاون التقني والتوطين المرحلي والإنتاج المحلي، وذلك رهناً بالموافقات الحكومية والإجراءات اللازمة.

وبناءً على ذلك، لا يمثل الاتفاق إعلانًا عن خط إنتاج تشغيلي أو عقد تصنيع نهائي، بل يشكل إطارًا أوليًا لشراكة صناعية محتملة لا تزال تفاصيلها قيد التفاوض والتطوير. ومن ثم، يندرج المشروع في هذه المرحلة ضمن مسار استكشاف التعاون والتوطين، وليس ضمن مشاريع الإنتاج المحلي القائمة بالفعل.

الجزء الثالث: قطر.. بناء القدرات عبر المشاريع المشتركة والشراكات التقنية

تتبنى قطر نموذجًا يعتمد بدرجة كبيرة على إقامة شراكات مع شركات دفاعية عالمية، مع توجيه جزء من جهود بناء القدرات نحو البرمجيات والقيادة والسيطرة ومعالجة البيانات والوعي بالموقف، إلى جانب تطوير الأنظمة والمنصات محليًا. ويعكس ذلك مرحلة أبكر نسبيًا من التوطين مقارنة بالسعودية والإمارات، إذ لم تُعلن حتى الآن مشاريع تصنيع محلي لمنصات رئيسية على غرار THAAD أو Coyote.

GA-ASI وBarzan.. إدارة المعركة بدل تصنيع الطائرات

في 19 يناير/كانون الثاني 2026، وقعت شركة General Atomics Aeronautical Systems (GA-ASI) وشركة Barzan Holdings القطرية مذكرة تفاهم للتعاون في تطوير قدرات متقدمة في برمجيات إدارة المعركة (Battle Management)، وذلك على هامش معرض ومؤتمر الدوحة الدولي للدفاع البحري (DIMDEX 2026).

وتوفر المذكرة إطارًا للتعاون بين GA-ASI وGA-Intelligence وBarzan Holdings لتطوير حلول برمجية تعزز الوعي بالموقف على مستوى مسرح العمليات، وتتيح معالجة المعلومات الاستخبارية وربطها ودمجها وتوزيعها بكفاءة، بما يدعم اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة في البيئات العملياتية متعددة المجالات. كما يرتبط التعاون بتطوير حلول قيادة وسيطرة قابلة للتشغيل البيني.

وبذلك، لا يمثل الاتفاق إعلانًا عن إنشاء خط إنتاج محلي لطائرات GA-ASI المسيّرة في قطر، وإنما يركز على بناء قدرات في برمجيات إدارة المعركة واستغلال البيانات ودمج المعلومات والقيادة والسيطرة. ويكشف ذلك عن مسار مختلف للتوطين، لا يبدأ بالضرورة من تصنيع المنصة الجوية نفسها، بل من تطوير القدرات البرمجية والمعلوماتية التي تساعد على إدارة العمليات والاستفادة من البيانات القادمة من مصادر متعددة.

EDGE وBarzan.. مشروع مشترك للتقنيات الدفاعية

وفي اليوم التالي، 20 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت EDGE وBarzan Holdings اتفاقهما على تأسيس مشروع مشترك استراتيجي في قطر لتطوير تقنيات دفاعية متقدمة بصورة تعاونية.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة؛ اسم الملف هو edge-and-barzan-holdings-agree-to-establish-strategic-joint-venture-in-qatar.jpg.webp

وأوضحت EDGE أن المشروع المشترك يهدف إلى دعم القدرات الصناعية المستدامة في كل من الإمارات وقطر، من خلال الجمع بين الخبرات والقدرات التشغيلية والصناعية لدى الطرفين. ولم يتضمن الإعلان الأولي تفاصيل مالية بشأن المشروع أو إعلانًا عن موقع محدد لمنشأة إنتاج تابعة له.

BARQ.. مشروع قائم منذ 2018 يتوسع في 2026

ولا ينبغي اعتبار BARQ مشروعًا جديدًا في 2026؛ فقد تأسست شركة BARQ QSTP LLC في قطر عام 2018 كمشروع مشترك بين ASELSAN وBarzan Holdings وSSTEK، للعمل في مجالات تشمل أنظمة القيادة والسيطرة، وكاميرات التصوير الحراري والرؤية الليلية، وأنظمة التشفير، وأنظمة الأسلحة التي يتم التحكم بها عن بُعد. ووفقًا لتقارير ASELSAN، تملك Barzan Holdings حصة 51% من الشركة، مقابل 48% لـASELSAN و1% لـSSTEK.

وخلال معرض DIMDEX 2026، وقعت ASELSAN وBarzan Holdings اتفاقًا لتوسيع المشروع المشترك BARQ بإضافة قدرات جديدة، بما يمثل مرحلة جديدة في التعاون القائم بين الطرفين، وليس تأسيس مشروع مشترك جديد من الصفر.

ماذا تكشف تجارب الدول الثلاث؟

تظهر تجارب الدول الثلاث أن «التوطين» لم يعد مفهومًا واحدًا داخل الصناعات الدفاعية الخليجية؛ ففي السعودية، يمكن رصد انتقال تدريجي من توطين مكونات محددة في منظومات معقدة، كما في برنامج THAAD، إلى توسيع نطاق التصنيع والشراكات الصناعية في مجالات دفاعية أخرى. ففي حالة THAAD، يتركز التوطين على مكونات محددة، مثل حاويات الصواريخ ومنصات حملها، مع نقل الخبرات وتعزيز قدرات الشركات السعودية على التصنيع.

وفي الإمارات، يتسع النموذج ليشمل مشروعات إنتاج مشترك ونقل تقنية، إلى جانب تطوير قاعدة صناعية قائمة. ويظهر ذلك في مشروع EDGE–EM&E، الذي يتضمن إطارًا للإنتاج المشترك ونقل تقنية يتيح تصنيع أجزاء من محطات الأسلحة في الإمارات، مع استمرار تصنيع بقية المنتج في إسبانيا.

أما قطر، فتُظهر المشاريع المعلنة في 2026 تركيزًا أكبر على الشراكات التقنية والمشاريع المشتركة وتطوير القدرات المرتبطة بالقيادة والسيطرة والبرمجيات والأنظمة الإلكترونية، بالتوازي مع توسيع مشاريع مشتركة قائمة مثل BARQ. ويعكس اتفاق GA-ASI وBarzan Holdings، على سبيل المثال، توجهًا نحو تطوير برمجيات متقدمة لإدارة المعركة وتعزيز الوعي بالموقف ومعالجة المعلومات على المستوى العملياتي.

لكن هذه التطورات لا تعني أن دول الخليج انتقلت إلى تصنيع منظوماتها الدفاعية بالكامل محليًا. فمستوى التوطين يختلف من مشروع إلى آخر؛ إذ لا يزال بعض التعاون في مرحلة مذكرة التفاهم أو التأسيس، بينما يركز البعض الآخر على تصنيع مكونات محددة أو أجزاء من المنتج، كما في THAAD، أو على نقل تقنية وتصنيع أجزاء من منظومات قائمة، كما في مشروع EDGE–EM&E.

والاتجاه الأوضح هو أن دول الخليج تعمل على زيادة حضورها تدريجيًا داخل سلسلة القيمة الدفاعية، لكن بمسارات وسرعات مختلفة: من استيراد المنظومات والاعتماد على المورد الخارجي، إلى توطين أجزاء ومكونات محددة، وتعزيز قدرات التصنيع المحلية، ونقل التكنولوجيا وتطوير الموردين، وصولًا في بعض المشاريع إلى الإنتاج المشترك وتطوير قدرات برمجية وتقنية متقدمة. ولا يبدو هذا الانتقال مسارًا موحدًا بين دول الخليج، بل يتحدد وفق طبيعة المنظومة، والشريك الصناعي، ومستوى نضج المشروع، والقدرات المحلية المتاحة.

مستقبل المنافسة الصناعية في الخليج

إذا استمر هذا المسار، فإن المنافسة الصناعية الدفاعية في الخليج لن تُقاس فقط بعدد الأنظمة التي يتم إنتاجها محليًا، بل بمدى قدرة كل دولة على امتلاك أجزاء أكبر من سلسلة القيمة: التصميم، والهندسة، والمكونات، والإلكترونيات، والبرمجيات، والاختبار، والصيانة، ثم القدرة على تطوير المنتج وتصديره.

وتشير المشاريع المعلنة حتى 2026 إلى أن هذا التحول يجري عبر شراكات مع الشركات العالمية أكثر مما يجري عبر الانفصال عنها؛ فـTHAAD وCoyote وOmen وchiplets ومشاريع EM&E وBARQ كلها تظهر أن نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك أصبحا أدوات رئيسية لبناء القدرات المحلية.

ومن هنا، فإن السؤال خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: كم منظومة دفاعية تصنعها دول الخليج؟ بل: كم جزءًا من التكنولوجيا وسلسلة الإمداد والقيمة الصناعية المرتبطة بهذه المنظومات أصبح موجودًا داخل الخليج؟