زاوية تحليلية.. هل تدخل “القبة الفولاذية” التركية حسابات الخليج لمواجهة المسيّرات بعد الحرب الإيرانية؟

أطلقت الحرب الإيرانية واحدة من أوسع عمليات إعادة تقييم استراتيجيات الدفاع الجوي الخليجية منذ عقود، بعدما كشفت حدود منظومات صُممت أساسًا لمواجهة التهديد الباليستي. فعلى مدى أسابيع من الهجمات المتواصلة، واجهت دول الخليج حملات إشباع جوي واستنزافًا للرادارات ومنظومات مسيّرة متطورة، ما أبرز الكلفة الباهظة للاعتماد حصرًا على صواريخ اعتراضية مثل باتريوت وثاد ضد مسيّرات رخيصة وذخائر جوالة. ومع بحث العواصم الخليجية عن حلول أقل كلفة وأكثر قابلية للتوسع، تبرز شركات الدفاع التركية بين أكبر المستفيدين.

حافظت دول مجلس التعاون على معدلات اعتراض مرتفعة بالاعتماد على بطاريات باتريوت PAC-3، إضافة إلى ثاد في حالتي الإمارات والسعودية. غير أن الحرب أظهرت أن هذه المنظومات لم تُصمَّم لحملات طويلة تهيمن عليها المسيّرات وصواريخ كروز وهجمات الإشباع. فقد استخدمت دول الخليج مرارًا صواريخ باهظة ضد تهديدات زهيدة الكلفة، وسط مخاوف من نفاد المخزون ومحدودية قدرات الإطلاق وطول آجال التعويض في منظومات غربية تعاني أصلًا ضغطًا عالميًا بسبب حربي أوكرانيا والشرق الأوسط.

صعود الدفاع متعدد الطبقات

بقيت الولايات المتحدة العمود الفقري للبنية الدفاعية الخليجية. ووفق معهد سيبري، شكّلت واشنطن بين 2021 و2025 نحو 77 بالمئة من واردات السعودية من السلاح، و48 بالمئة من واردات قطر، و62 بالمئة من واردات الكويت، و42 بالمئة من واردات الإمارات. وخلصت دول الخليج إلى أن بنى الدفاع المقبلة ينبغي أن تجمع الدفاع الصاروخي الاستراتيجي مع طبقات اعتراض أرخص قصيرة ومتوسطة المدى.

استفادت كوريا الجنوبية وأوكرانيا وبريطانيا من هذا التحول. فقد حققت الإمارات، بحسب ما أُفيد، نتائج اعتراض لافتة بمنظومة “تشيونغونغ 2” (KM-SAM) الكورية الجنوبية، وتتسع اهتمامات السعودية والعراق بها. وزادت تجربة أوكرانيا مع الهجمات الروسية اهتمام الخليج بأنظمة مكافحة المسيّرات منخفضة الكلفة والمسيّرات الاعتراضية والحرب الإلكترونية، بينما وسّعت بريطانيا تعاونها عبر برنامج “سكاي هامر” (Skyhammer) لشركة كامبريدج إيروسبيس.

تركيا ومعرض ساها 2026 ومنطق “القبة الفولاذية”

تتقدم تركيا في الشريحة التي تبدو دول الخليج أكثر حرصًا على تعزيزها: طبقات ناضجة قصيرة ومتوسطة المدى تتعامل مع المسيّرات والذخائر الجوالة وهجمات الإشباع بصورة أكثر استدامة. وقدّم معرض ساها 2026 في إسطنبول رؤية “القبة الفولاذية” التي تدمج مدافع كوركوت من أسيلسان، ومنظومتي حصار-إيه+ وحصار-أو+، وصواريخ سيبر، ورادارات قلقان، والحرب الإلكترونية، والقيادة والسيطرة، ضمن منظومة واحدة لحرب المسيّرات.

تبدو المنظومات التركية الناضجة قابلة للنشر فورًا، بينما لا تزال المشاريع الأكثر طموحًا ضمن “القبة الفولاذية” قيد النضج، وتُرى خيارات بعيدة المدى لا بدائل مباشرة لباتريوت PAC-3 أو ثاد في اعتراض الصواريخ الباليستية. وتركّز الشركات التركية، قياسًا بكثير من الموردين الغربيين، على سرعة التسليم والمرونة الصناعية والتوطين والإنتاج المشترك، وهي عناصر تقدّرها دول الخليج. وتحوّلت تركيا خلال عقدين من دولة تعتمد بشدة على الاستيراد إلى منظومة صناعية دفاعية مستقلة وموجهة للتصدير.

مكافحة المسيّرات والتكيّف التشغيلي

تبرز السعودية أهم الأطراف الخليجية التي تدرس المنظومات التركية. فبحسب تقارير رافقت ساها 2026، أثارت منظومة كوركوت 100/25 اهتمامًا كبيرًا لأنها مهيأة لاستهداف مسيّرات FPV والذخائر الجوالة. وأفادت تقارير بأن تركيا اقترحت شبكة رادارات قلقان مدمجة مع مراكز قيادة متنقلة، ولا يزال سلاح الليزر “غوك بيرك” (GÖKBERK) قيد التقييم لحماية منشآت الطاقة من أسراب المسيّرات. كما اقترحت بايكار، بحسب ما أُفيد، 12 مسيّرة “بيرقدار أقنجي” للاستطلاع البحري. وفي 2023 وقّعت سامي وبايكار اتفاقًا لتوطين إنتاج أقنجي.

سلكت قطر مسارًا مشابهًا، ووقّعت بحسب ما أُفيد عقودًا تخص كوركوت خلال ساها، وتسهّل علاقتها الاستراتيجية مع أنقرة، ومنها الوجود العسكري التركي الدائم في الدوحة، التكامل التشغيلي. وفي العراق، تقترب بغداد بحسب تقارير من إتمام شراء 20 منظومة دفاع جوي تركية تكمّل منظومات مثل أفنجر وبانتسير-إس1 وإيغلا-إس، ويُرجَّح أن تحمي بها البطاريات الكورية KM-SAM من الهجمات القريبة.

توسيع الطبقة المتوسطة وقصيرة المدى

بحسب تقارير، اقترحت روكيتسان على الرياض ست بطاريات حصار-أو لحماية منشآت تثبيت النفط وممرات القواعد الجوية الشرقية. وتُعد مكمّلًا متوسط المدى يعزز الطبقات الدنيا ويحل تدريجيًا محل المنظومات الأقدم، لكنها ليست بديلًا عن باتريوت PAC-3 أو ثاد.

وتبرز الكويت زبونًا محتملًا. فرغم تشغيلها باتريوت، عجّلت التوترات الأخيرة اهتمامها بعائلة حصار. ووقّع وزير الدفاع الشيخ عبد الله علي عبد الله الصباح في ساها بروتوكول مبيعات حكومي مع رئاسة الصناعات الدفاعية التركية، بمشاركة شركات مثل أسيلسان وهافلسان وبايكار وأوتوكار وحوض يونجا. ويمتد اهتمام الكويت إلى مسيّرات أقنجي، بعد أن وقّعت عام 2023 اتفاقًا مع بايكار بقيمة 367 مليون دولار لشراء مسيّرات بيرقدار TB2.

ويعكس هذا الاهتمام تحولًا أوسع في التخطيط الدفاعي الإقليمي، إذ باتت المشتريات مرتبطة بالمرونة الصناعية والتوطين والتعاون التقني والاستقلال الاستراتيجي. وبذلك تتحول تركيا من مورّد للمسيّرات ومنظومات الدفاع الجوي إلى شريك مهم في سعي الخليج إلى بنى أمنية متعددة الطبقات قابلة للتوسع والاستدامة.