العقيد الركن م. ظافر مراد
أثارت القيود المفاجئة التي طالت تشغيل منظومة الاتصالات الفضائية Starlink في أوكرانيا، ليل 13–14 تشرين الأول 2026، تساؤلات تتجاوز الجانب التقني، لتصل إلى حدود العلاقة بين التكنولوجيا التجارية والقرار العسكري والسياسي. فهل نحن أمام خلل تشغيلي أو تعديل تقني، أم أمام استخدام النفوذ على البنية التحتية الرقمية للضغط على القرار الأوكراني؟

ذكرت وكالة “رويترز” في 14 تشرين الأول/اكتوبر 2026 أن شركة SpaceX فرضت قيوداً على تشغيل بعض محطات الاتصالات العسكرية أثناء الحركة، ما تسبب باضطراب عدد من المهام المرتبطة بالمسيّرات. ونقل التقرير عن مستشار للرئيس الأوكراني، أن القوات الأوكرانية لم تتلقَّ تحذيراً مسبقاً، كما أفاد الفيلق السابع للتدخل السريع بأن انقطاع الاتصال استمر بين 10 و20 ثانية في بعض الحالات عند سرعات تراوحت بين 110 و120 كيلومتراً في الساعة، الأمر الذي صعّب التحكم بالمسيّرات وأدى إلى إلغاء عدد كبير من المهام.
تنبع الأهمية العسكرية للحادثة من الدور الذي تؤديه الاتصالات الفضائية في ربط الوحدات الميدانية، وتنسيق الإمداد، وتوجيه بعض المنظومات غير المأهولة، فالمسيّرة الحديثة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الاستشعار والاتصال والملاحة والتحكم؛ وأي اضطراب في إحدى هذه الحلقات قد يقلص فاعلية المنظومة بأكملها، حتى لو بقيت الطائرة ومحركاتها وذخائرها سليمة.
لكن ليس هذا بيت القصيد، فهناك مسألة سياسية أكثر حساسية، حيث تزامن فرض القيود مع توتر في العلاقة بين واشنطن وكييف بشأن الضربات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية. وأشارت “رويترز” في تقريرها نفسه إلى أن سبب القيود لم يكن واضحاً، فيما نقلت “واشنطن بوست” في 14 تشرين الأول/أكتوبر أن مسؤولين أوكرانيين كانوا يحققون في احتمال أن تكون ناجمة عن تغيير في السياسة أو عن قيد تقني، ولم يصدر، حتى وقت إعداد هذا المقال، تفسير علني حاسم من SpaceX يثبت الدافع وراء الإجراء، وعليه، فإن فرضية استخدام القيود للضغط على القرار الأوكراني تبقى احتمالاً يستحق التحقيق، لا حقيقة مثبتة، ويتطلب إثباتها معرفة الجهة التي أصدرت القرار، والأساس التقني الذي استندت إليه، وما إذا كان التطبيق انتقائياً أو مرتبطاً بمعايير تشغيلية عامة، فضلاً عن وجود اتصالات سياسية سبقت الإجراء أو رافقته.

تكشف الحادثة عن ثغرة استراتيجية في اعتماد الجيوش على بنية اتصالات تجارية تتحكم الشركة المشغّلة بشروط الوصول إليها، فإذا أمكن لتعديل في سياسة الاستخدام أن يؤثر في توقيت المهمة أو استمراريتها، فإن السيادة العملياتية تصبح مرتبطة جزئياً بقرار يقع خارج سلسلة القيادة العسكرية. لذلك، لا يقتصر الدرس الأوكراني على ضرورة توفير بدائل للاتصالات الفضائية، بل يشمل بناء منظومات احتياطية متعددة المسارات، وضمان استقلالية أكبر للمسيّرات عند فقدان الاتصال، وإدراج مخاطر تدخل الشركات أو تغير السياسات ضمن التخطيط العملياتي؛ وفي الحروب الحديثة، قد تتحول السيطرة على الاتصال إلى أداة تأثير في القرار العسكري؛ لكن تحديد ما إذا كانت قد استُخدمت سياسياً في هذه الحالة يحتاج إلى أدلة قد يكون من الصعب إثباتها.


