أوراق اليمن المبعثرة: استنزاف طويل الأمد أم حل سياسي تحت الضغط العسكري

العميد صلاح الدين أبوبكر الزيداني

Northrop Grumman - IVEWS

الحروب المعاصرة تخضع للسياسة حكماً وترتبط بأغراضها ، ويأتي ذلك لأن العلاقات الدولية ومصالح الدول متداخلة بحيث يخشى معها من تصعيد الأزمات والمشكلات والصراعات المسلحة المحلية وتحولها إلى صراع دولي , ولفهم ما يجري في اليمن، ينبغي النظر إليه باعتباره أكثر من حرب بين طرفين. فهو صراع على السلطة وشكل الدولة، وصراع إقليمي تتداخل فيه مصالح دول جارة ودول ذات تقارب ديني وايدلوجي ، وتؤثر فيه حسابات أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن , وفي الوقت نفسه لا يعاني اليمن من مشكلة عسكرية فقط، بل من أزمة دولة تتنافس فيها سلطات ومشاريع سياسية، وتتداخل فيها مصالح إقليمية. لذلك قد يحقق طرف تقدماً عسكرياً من دون أن يقترب البلد بالضرورة من السلام.

طبيعة الصراع الدائر في اليمن

وفقاً للمعطيات حتى منتصف أكتوبر 2026 يعتبر الصراع اليمني نموذجاً معقداً للحرب المعاصرة التي تتقاطع فيها الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. فالحرب لم تعد مجرد نزاع بين طرفين محليين، بل هي صراع على السلطة وشكل الدولة، يتداخل بشكل وثيق مع حسابات الأمن الإقليمي ومصالح قوى مثل السعودية، إيران، والإمارات، ناهيك عن تأثيرها المباشر على أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب. ويؤكد التقرير أن الأزمة اليمنية تجاوزت البعد العسكري لتتحول إلى أزمة دولة تعاني من تضارب المشاريع السياسية، مما يعني أن التقدم العسكري لأي طرف لا يعني بالضرورة الاقتراب من السلام.ثانياً: انهيار الهدنة وتقدير الموقف الحالي

دخل اليمن في مرحلة جديدة من الحرب الشاملة بعد انهيار الهدنة “غير المعلنة” في يوليو 2026، وهو ما أكده المبعوث الأممي في إحاطته أمام مجلس الأمن في 9 أكتوبر 2026، واصفاً الوضع بأنه عودة إلى القتال الواسع على جبهات متعددة. وقد بدأت شرارة التصعيد بمبادرة حوثية في 10 سبتمبر 2026، تمكنت خلالها من السيطرة على مناطق استراتيجية في الحديدة (حيس والخوخة) وأربع مديريات في تعز، وصولاً إلى المخا وباب المندب.وكان الرد الحكومي بإعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، في 5 أكتوبر عن عملية “فجر اليمن” لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما فيها العاصمة صنعاء، وسط أنباء عن استعادة القوات الحكومية للمخا. توسع مسرح العمليات ليشمل هجمات حوثية بصواريخ ومسيّرات على العمق السعودي (مطارات ومنشآت نفطية)، وهجوماً على قصر معاشيق في عدن في 15 أكتوبر، مما يعكس عودة الصراع إلى المربع الأول ولكن أكثر تصعيداً.

أطراف الصراع والأهداف الاستراتيجية

تنقسم الساحة اليمنية إلى معسكرات رئيسية، يعاني كل منها من انقسامات داخلية وتداخل في الولاءات، مما يجعل التحالفات هشة ومتغيرة:

1-الحوثيون (أنصار الله): تنظيم متماسك عسكرياً وسياسياً، يسيطر على صنعاء والمراكز السكانية الحيوية في الشمال. هدفهم السياسي هو تثبيت واقع “سلطة الأمر الواقع”، وتوسيع النفوذ، وفرض موقع حاسم في أي تسوية وطنية قادمة

2-الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً ومجلس القيادة الرئاسي: يحظون بالدعم السعودي والاعتراف الدولي. هدفهم استعادة مؤسسات الدولة والأراضي من الحوثيين، مع التحدي الكبير المتمثل في توحيد صفوف قواتهم وتشكيلاتهم المختلفة.

3-القوى الجنوبية (المجلس الانتقالي الجنوبي): لها قواعدها وتشكيلاتها المسلحة في الجنوب، وتتراوح أهدافها بين الاستقلال التام، أو الحكم الذاتي، أو بقاء الدولة ضمن صيغ فيدرالية، مع تفاوت نفوذها بعد أحداث 2025-2026.

4-قوى محلية، قبلية، وحزبية: تتغير حساباتها وأهدافها بحسب الأمن والموارد، ولا تتطابق دائماً مع أجندة الحكومة أو التحالف.

مسرح العمليات الاستراتيجي والبعد الإقليمي

يتميز مسرح العمليات بعنف القتال في الجنوب الغربي، وامتداده على طول ساحل البحر الأحمر وحول مدينة تعز، بالإضافة إلى جبهات نشطة في مأرب، الجوف، ولحج.

-محور تعز: عقدة الربط بين الداخل والساحل وعدن، تشهد حصاراً حوثياً ومعارك على مشارف المدينة وطريق تعز/عدن، ونقصاً حاداً في الإمدادات.

-محور الساحل الغربي والمخا: منطقة استراتيجية تتحكم في باب المندب، وتتبادل القوات السيطرة عليها.

-محور الحديدة: الميناء الرئيسي لتمويل الحوثيين، وتحاول الحكومة الضغط عليه عسكرياً شمالاً.

-محور مأرب والجوف: معارك للتقدم نحو صنعاء وحماية حقول الطاقة.

-محور عدن/لحج: تأمين العمق الجنوبي وطريق عدن وحماية مقر الحكومة.

استراتيجيات العمليات

تنفذ  قيادة الحوثيين العسكرية هجمات صاروخية ومسيّرات لإشغال الدفاعات الجوية السعودية، وتهديد الاقتصاد السعودي، ورفع كلفة الحرب، مع تثبيت المكاسب على الساحل بدلاً من معركة حاسمة مع محاولة إجبار الرياض على التسوية من موقع قوة، والإمساك بورقة باب المندب.

ترد الحكومة والتحالف العسكري بهجوم بري متعدد المحاور والاعلان عن بدء عملية (فجر اليمن) المعززة بتفوق جوي و القيام بحصار بحري لاستعادة صنعاء وتدمير القدرات الصاروخية والمسيرات الحوثية مع محاولة قطع الإمدادات البحرية عن الحوثيين عبر الحديدة وتسعى عبر الجانب السياسي لاستعادة الشرعية كاملة.

القوى الخلفية والبعد الإقليمي (جدلية السياسة والحرب)

الحرب اليمنية هي جزء من اشتباك إقليمي أوسع، حيث لكل دولة فاعلة أولوياتها الخاصة فالسعودية مثلا يهمها أمن حدودها ومنع الهجمات، الى جانب تحديد شكل السلطة اليمنية الجديدة.

وإيران تقوم بدعم الحوثيين كجزء من استراتيجيتها لتغيير موازين القوى الإقليمية وفي جانب آخر تسعى الإمارات نحو بناء علاقات مع قوى جنوبية (المجلس الانتقالي) بما قد لا يتطابق دائماً مع أولويات الرياض.

الولايات المتحدة ودول أخرى يهمها أمن الملاحة البحرية وتسعى لاحتواء التصعيد الإقليمي، مما يجعل صراع البحر الأحمر جزءاً من معادلات الأمن الدولي.

ويظهر جلياً أن الدول الإقليمية لا تستطيع بالضرورة فرض تسوية على حلفائها المحليين إذا تعارضت مع مصالحهم الذاتية.

موازين القوى وواقع اللاحسم

موازين القوى (جمود استراتيجي)

تتميز موازين القوى بكونها غير متكافئة، حيث يمتلك التحالف تفوقاً تقليدياً (قوة جوية)، وفي المقابل يمتلك الحوثيون مرونة وقدرة على الاستنزاف بأسلحة غير متكافئة (صواريخ، مسيّرات) وهذا الوضع القائم يؤدي إلى واقع “اللا حسم”، فكل طرف يملك ما يمنع خصمه من الانتصار السريع، مما يجعل الحرب في حالة “جمود استراتيجي” متحرك.

عنصر القوةالحكومة والتحالفالحوثيون
القوة الجويةتفوق واضح (طيران وطائرات استطلاع مسيّرة)محدودة، ويعتمدون على الدفاع الجوي وإسقاط المسيّرات
الصواريخ والمسيراتدفاع جوي سعودي متقدم لكنه مكلفقدرة استنزاف عالية بكلفة منخفضة
القوة البريةأعداد أكبر لكن بولاءات متعددةتماسك أعلى وخبرة قتالية أطول
الجغرافياسيطرة على عدن والمدن الجنوبية والمنافذتضاريس جبلية في الشمال تعقّد الاقتحام
الإمدادمنافذ برية وبحرية مفتوحةخطوط مكشوفة عبر الحديدة تحت الرقابة
الغطاء الدوليدعم سعودي وتركي وباكستاني وعربي، وإدانة أممية للهجماتدعم إيراني بحسب التحالف والحكومة، وعزلة دبلوماسية
الإقتصادتمويل خليجي لكن الدولة منقسمةضغط إنساني شديد وقيود على المساعدات

الكارثة الإنسانية وتكلفة الحرب.

تسببت الحرب في كارثة إنسانية هي الأسوأ عالمياً، وفقاً للأمم المتحدة، حيث يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة، ويعاني 18.3 مليون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ونزح 5.2 مليون شخص، ناهيك عن انهيار القطاع الصحي. ويشير التقرير إلى أن وقف القتال وحده لن يكفي، بل يحتاج اليمن خطة لإعادة الإعمار ودفع الرواتب واستعادة الخدمات.

الاستنتاجات والسيناريوهات المستقبلية.

يبدو أن مستقبل اليمن مفتوح على احتمالات عدة، وأن الحسم العسكري غير مرجح لأي من الأطراف المتصارعة على السلطة والحكم وربما يكون السيناريو الأرجح (حرب استنزاف متقطعة) مع بقاء الجبهات متحركة دون تغيير جذري، واستمرار الضربات عبر الحدود، وتفاقم الوضع الإنساني السيء.

سيناريو اختراق حكومي على الساحل: استعادة الحديدة، وهو ما يتطلب حشداً كبيراً ويهدد بمعركة مدن مكلفة.

سيناريو ترسخ السيطرة الحوثية على باب المندب: مع أن ذلك يهدد الملاحة الدولية ويدفع نحو تدخل دولي أوسع.

سيناريو التسوية السياسية الشاملة: احتمالها مرتبط بمسار الصراع الإقليمي والدولي (إيران/أمريكا) وبإشراك كافة الأطراف اليمنية.