رادار ما وراء الأفق في كالينينغراد، ماذا يقدم لروسيا على تخوم الناتو؟

خاص دفاع العرب /العقيد الركن م ظافر مراد

Northrop Grumman - Raid Hunter

كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن إنشاء منشأة رادارية ضخمة قرب مدينة غفارديسك في مقاطعة كالينينغراد الروسية، وتضم هذه المنشأة ثلاثة صفوف من الهوائيات، يبلغ طول كل منها نحو 500 متر.

وفقاً لتقرير صحيفة “The Times” البريطانية في 19 تشرين الأول/أكتوبر، الذي استند إلى صور شركة ICEYE، وتحقيق نشرته صحيفة “Frankfurter Allgemeine Zeitung” الألمانية، يُرجّح أن تكون المنشأة جزءاً من منظومة رادار ما وراء الأفق  (Over-the-Horizon Radar – OTH)، بمدى فعالية يتراوح بين 900 و3,000 كيلومتر.

تقع المنشأة الرادارية الروسية في منطقة كالينينغراد تحيط بها مجموعة من دول حلف شمال الأطلسي، بين بولندا وليتوانيا، وقبالة فنلندا والسويد وألمانيا والدانمرك، ما يمنحها قيمة استراتيجية في مراقبة المجال الجوي والنشاط العسكري في منطقة البلطيق وأجزاء واسعة من أوروبا.

تعتمد رادارات ما وراء الأفق على انتشار موجات الراديو لمسافات تتجاوز خط الرؤية، وفي بعض التصاميم تستفيد من انعكاس الموجات عن طبقات الأيونوسفير. وتسمح هذه التقنية بتوسيع نطاق الإنذار المبكر مقارنة بالرادارات التقليدية، مع إمكان رصد مؤشرات عن نشاط جوي وصاروخي بعيد.

وذكرت وكالة الأناضول في 20 تشرين الأول/أكتوبر، نقلاً عن التقارير الصحافية، أن المنشأة قد تتيح رصد أهداف على مسافات تصل إلى نحو 3,200 كيلومتر.

غير أن المدى النظري لا يساوي قدرة مؤكدة على تحديد هوية الهدف أو إنتاج إحداثيات دقيقة لاستهدافه. كما تتأثر هذه الأنظمة بالظروف الأيونوسفيرية والتشويش وطبيعة الأهداف. لذلك، فإن القول إن الرادار سيكشف جميع الطائرات الشبحية أو سيحدد الصواريخ بدقة كافية لاعتراضها يحتاج إلى أدلة تقنية لا توفرها الصور الحالية.

بحسب تقرير “The Times” في 19 تشرين الأول/أكتوبر، تشير صور ICEYE إلى وجود بنية متنامية للاستشعار العسكري والحرب الإلكترونية في كالينينغراد؛ وتكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية في ضوء تقرير رويترز بتاريخ 26 أيار/مايو 2026، الذي نقل اتهام ليتوانيا لروسيا بتوسيع قدرات التلاعب بإشارات GPS انطلاقاً من المنطقة، مع ارتفاع عدد الهوائيات التي أحصتها ليتوانيا من ثلاثة مطلع عام 2025 إلى 36؛ وتنفي موسكو الاتهامات الغربية المتعلقة بهذه الأنشطة.

يمكن للجمع بين الإنذار الراداري والتشويش الإلكتروني أن يرفع قدرة روسيا على مراقبة النشاط العسكري الغربي وإرباك بعض أنظمة الملاحة والاتصالات؛ غير أن رصد الإشارات والتشويش عليها وظيفتان مختلفتان، ولا توجد في المعلومات المنشورة أدلة كافية للقول إن المنشأة الجديدة تقوم بتنفيذ المهمتين معاً.

تكتسب المنشأة أهمية إضافية بسبب الموقع العسكري الحساس الذي تُبنى فيه. ففي 30 أيلول/سبتمبر 2026، نقلت رويترز أن موسكو وجهت تحذيراً إلى الناتو أكدت فيه استعدادها لاستخدام ترسانتها، بما فيها الأسلحة النووية، إذا حاول الحلف عزل كالينينغراد عن بقية الأراضي الروسية. ورد الأمين العام للناتو مارك روته بأن الحلف دفاعي، ودعا موسكو إلى وقف التهديدات النووية، لكن لا يوجد دليل معلن يثبت أن الرادار الجديد مصمم حصراً لخدمة العمليات النووية أو أن تشغيله يعني الاستعداد لضربة نووية، لكن يبدو أن أهميته النووية المحتملة غير مباشرة، وتتعلق بتحسين الإنذار والمراقبة، ودعم المشهد العملياتي عن نشاط الخصم، والمساهمة في منظومة أوسع تضم وسائل تقليدية ونووية.

وتوضح وثيقة الناتو الرسمية المحدّثة في 25 أيلول/سبتمبر 2026 أن الردع النووي للحلف يعتمد على مزيج من القدرات النووية والتقليدية والدفاع الصاروخي والقدرات الفضائية والسيبرانية. وهذا يعني أن الرد على أي تحسن روسي في الاستطلاع لن يكون بالضرورة نووياً؛ بل قد يشمل تعزيز الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والمرونة الإلكترونية.

تخشى دول الناتو تحويل الإنذار البعيد الذي توفره هذه المنشأة إلى معلومات موثوقة يمكن أن تؤثر في القرار العسكري الروسي، وإذا نجحت روسيا في دمجه ضمن شبكة متكاملة للاستطلاع والقيادة والسيطرة، فقد يعزز موقع كالينينغراد كمنصة ضغط ومراقبة على الجناح الشرقي للناتو.

أما نووياً، فالخطر الأهم هو تراجع زمن التقدير واتخاذ القرار خلال الأزمة، فإذا فُسرت إشارة رادارية بصورة خاطئة، أو اعتُبر تحرك دفاعي تحضيراً لهجوم، فقد تتسارع القرارات قبل اكتمال التحقق؛ وهنا لا تكمن الخطورة في الرادار بحد ذاته، بل في تفاعله مع القوات الصاروخية، والتشويش الإلكتروني، والإنذارات المبكرة، والتهديدات النووية المتبادلة.

لذلك، ينبغي للناتو التعامل مع المنشأة باعتبارها تطوراً استخبارياً وعسكرياً يستحق التحقق والمتابعة، لا دليلاً تلقائياً على اقتراب حرب نووية، وفي المقابل، على موسكو أن تدرك أن توسيع قدرات الرصد والضغط قرب حدود الحلف قد يعزز الردع في حساباتها، لكنه قد يزيد أيضاً احتمالات سوء التقدير الذي يسعى الطرفان إلى تجنبه.