خاص دفاع العرب/ العقيد الركن م ظافر مراد
إكتسب القرار المصري بالاستعداد لدعم السعودية عسكرياً أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين، لأنه يأتي في لحظة تتعرض فيها المملكة لضغط عسكري يستهدف منشآتها الحيوية ومراكزها الاقتصادية، بالتزامن مع اتساع المواجهة الإقليمية، واحتمالات تفجّر الصراع ليطال مناطق عديدة في المنطقة، في سياق الدفع بكافة أوراق القوة على طاولة المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، ولكن الخطورة الحقيقية في هذه المواجهة لا تكمن في رفع سقف الإستخدم للقدرات العسكرية، بل في تهديد دول وكيانات لم تنخرط اساساً في العمل العسكري ضد طهران، ومن المعروف أن مصر تقف إلى جانب الرياض سياسياً، وهذا موقف معلن، لكن ما الذي يدفع القاهرة إلى الاقتراب من احتمال الانخراط العسكري المباشر، وما الذي يمكن أن تضيفه فعلياً إلى منظومة حماية السعودية؟

في 17 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت ذلك، مؤكداً أن الهدف دفاعي وليس الدخول في حرب هجومية، وفي اليوم التالي، أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري دعمه للمملكة، وذكرت وكالة “رويترز” في 19 تشرين الأول/أكتوبر أن البرلمان المصري أرجأ إلى 26 منه التصويت على تفويض القوات المسلحة بتقديم الدعم العسكري، ما يعني أن الاستعداد السياسي أصبح واضحاً، فيما لم يُحسم بعد شكل المهمة المحتملة أو حجمها أو مدتها.

تواجه السعودية معضلة دفاعية تتجاوز التعامل مع هجمات الصواريخ والمسيّرات، إذ ترتبط بتعدد الأهداف واتساع رقعة حمايتها، وتسمح الصواريخ والمسيّرات منخفضة الكلفة نسبياً للخصم بفرض استنزاف مستمر، حتى عندما تنجح منظومات الدفاع الجوي في اعتراض نسبة مهمة من الهجمات، فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة الاعتراض، وإنما أيضاً بكلفة الصواريخ الاعتراضية، ومخزونها، وتعدد اتجاهات التهديد، والقدرة على حماية أهداف كثيرة في وقت واحد، وفي تحليل نشرته وكالة رويترز في 15 تشرين الأول/ أكتوبر، ربطت الوكالة تصاعد الهجمات الحوثية بمحاولة ممارسة ضغط استراتيجي على الرياض، عبر استهداف البنية التحتية والمشروعات المرتبطة بالتحول الاقتصادي السعودي. وتكمن خطورة هذا النهج في أن الأضرار لا تُقاس بالخسائر المباشرة وحدها؛ فتعطيل المطارات أو تهديد منشآت الطاقة قد يؤثر في ثقة المستثمرين، وحركة الطيران، والتأمين البحري، وحسابات الشركات الدولية، وهنا تبرز مشكلة عدم التماثل في الكلفة، فالسعودية تستطيع استثمار موارد كبيرة في حماية منشآتها، بينما يستطيع الخصم استخدام وسائل هجومية أقل كلفة لإجبارها على استهلاك موارد دفاعية مرتفعة.
طبعاً ليس هذا كل شيء، فقد كشفت التطورات أن استهداف السعودية يتجاوز المواجهة المباشرة مع الحوثيين، ليطال موقعها الإقليمي ودورها في أمن الطاقة والتجارة الدولية، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى العالم، فاستهدافها لا يتعلق بخلاف جانبي مع الحوثيين، بل بالمشهد الكبير الذي يحمل في طياته صراع بين اتجاهيين متعارضين ورؤيتين مختلفتين لمستقبل المنطقة، وهنا يستوجب الموقف طرح السؤال التالي: لماذا مصر ولماذا الآن؟
تستند أهمية مصر إلى تقاطع ثلاثة عناصر: الجغرافيا، والقدرات العسكرية، والمصلحة الاقتصادية المباشر؛ جغرافياً، تطل مصر على البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتتحكم قناة السويس في أحد أهم الممرات التجارية بين آسيا وأوروبا، أما السعودية، فتشرف على الساحل الشرقي للبحر الأحمر وعلى الخليج العربي، وتضم بنية طاقة تؤثر استمراريتها في الأسواق العالمية؛ لذلك، فإن أي تهديد واسع للملاحة أو للمنشآت السعودية يخلق تداعيات تتجاوز حدود المملكة، ويضع الأمن المصري في دائرة التأثر المباشر.

وفي تقريرها بتاريخ 19 تشرين الأول/أكتوبر، أوضحت “رويترز” أن اعتماد الاقتصاد المصري على الروابط المالية مع دول الخليج، بما فيها الاستثمارات والودائع والتحويلات المالية، يشكل أحد دوافع اهتمام القاهرة باستقرار المنطقة. وأشارت الوكالة أيضاً إلى أن مصر تعرضت في تموز/يوليو لاستهداف سفينتي غاز قرب دمياط، وهو تطور عزز المخاوف من انتقال آثار الصراع إلى مصالحها البحرية والاقتصادية.
وتتجاوز العلاقة مسألة الدعم المالي، فاستقرار السعودية يدعم قدرة القاهرة على حماية مصالحها الاقتصادية، بينما تمنح مصر المملكة شريكاً عربياً يمتلك قدرات جوية وبحرية كبيرة، وخبرة في العمل ضمن التحالفات العسكرية. وفي المقابل، تحتاج مصر إلى استمرار الشراكة مع الرياض في بيئة اقتصادية تتطلب الاستثمار والتدفقات المالية واستقرار أسواق الطاقة.
أما ما الذي تستطيع القاهرة تقديمه؟ فلغاية الآن لا توجد معلومات رسمية مؤكدة عن عدد القوات المصرية التي قد تُنشر أو طبيعة تشكيلاتها، لكن يمكن أن يتخذ الدعم المصري المحتمل أشكالاً عدة، تشمل تعزيز المراقبة والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والإسناد البحري، والمساهمة في حماية المنشآت الحيوية، وفقاً لما تقرره الدولتان، ويبدو هذا النوع من الدعم أكثر اتساقاً مع التصريحات المصرية التي شددت على الطابع الدفاعي للمهمة، فإرسال وحدات متخصصة لتعزيز حماية المنشآت أو دعم المراقبة البحرية يختلف جذرياً عن نشر قوات برية داخل اليمن، حيث يمكن أن يتحول التدخل إلى التزام طويل الأمد في بيئة معقدة مليئة بالمخاطر.

تملك القاهرة خبرة سابقة في المشاركة بالتحالف الذي تدخل في اليمن عام 2015، لكنها تدرك أيضاً أن العمليات البرية الواسعة تحمل مخاطر كبيرة. لهذا، فإن قيمة الدعم المصري المحتمل ليست بعدد الجنود، بل بمدى قدرة هذا الدعم على تخفيف العبء عن منظومة الدفاع السعودية، وتوفير تغطية إضافية لبعض المناطق أو المنشآت، وتعزيز التنسيق الجوي والبحري، وقد يكون الإسناد المحدود والمتخصص أكثر فاعلية من انتشار واسع لا تتضح أهدافه النهائية.
يشير التحرك المصري إلى ارتفاع مستوى القلق من احتمال اتساع التهديدات الموجهة إلى السعودية، وإلى إدراك القاهرة أن استمرار الضغط على المملكة قد ينعكس على الأمن البحري والاقتصاد المصري، لكنه لا يثبت وحده أن مصر قررت دخول الحرب، ولا أن نشر قواتها أصبح أمراً محسوماً، وفي المرحلة المقبلة، ستتوقف طبيعة الدور المصري على ثلاثة عوامل: قرار البرلمان بشأن التفويض، وحجم الدعم الذي تطلبه الرياض فعلياً، ومسار المواجهة مع الحوثيين والذي يرتبط بالتأكيد بعودة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، فإذا استمرت الهجمات، فقد تتجه القاهرة إلى مساهمة دفاعية جوية وبحرية واستخبارية، بالتوازي مع المساعي الدبلوماسية التي تسعى إلى وقف التصعيد. أما الانتقال إلى عمليات هجومية مباشرة، فسيعني ارتفاعاً كبيراً في المخاطر العسكرية والسياسية والاقتصادية.
من المرجح أن تزداد أهمية التنسيق المصري السعودي كلما تداخلت التهديدات القادمة من البحر الأحمر مع تلك المرتبطة بالخليج، فالمملكة تحتاج إلى حماية منشآتها ومراكزها السكانية والاقتصادية، ومصر تحتاج إلى تأمين الممرات البحرية التي ترتبط بها تجارتها وإيرادات قناة السويس، هذه المصالح المشتركة تمنح العلاقة أساساً استراتيجياً يتجاوز المواقف الظرفية، اضف إلى ذلك، أن القاهرة باتت تتعامل مع أمن السعودية باعتباره جزءاً من أمنها الوطني.
إذا عادت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، فستواجه السعودية معادلة أمنية شديدة التعقيد، فهي قد تجد نفسها أمام تداعيات حرب لم تكن صاحبة قرار إشعالها، فيما تتعرض منشآتها النفطية ومطاراتها وموانئها وشبكات الطاقة والمياه لتهديد الصواريخ والمسيّرات، بالتوازي مع احتمال اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب. وقد حذّر تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في 6 تموز/يوليو 2026 من المفارقة التي أفرزتها الحرب، إذ يمكن للشراكة الأمنية مع واشنطن أن تعزز حماية المملكة، لكنها قد تزيد أيضاً تعرضها للرد الإيراني إذا تجددت العمليات الأميركية. في هذا السيناريو، يتكامل جناحا الدعم الإقليمي: اتفاق مكة، الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يوفر إطاراً لتنسيق الدفاع وتبادل المعلومات وتعزيز القدرات العسكرية والجاهزية للاستجابة؛ أما مصر، فتضيف ثقلاً عربياً وقدرات جوية وبحرية يمكن توظيفها في حماية الساحل السعودي والبحر الأحمر والملاحة، فضلاً عن دعم الإنذار المبكر والدفاع ضد الصواريخ والمسيّرات، إذا اتُّخذ قرار رسمي بذلك.
إن القيمة الحقيقية لهذين المسارين تكمن في تخفيف العبء عن الدفاعات السعودية، وتوزيع مخاطر المواجهة، ومنع تحويل الجغرافيا السعودية إلى ساحة استنزاف طويلة، لكنهما لا يضمنان منع التصعيد، ولا يعوّضان القدرات الأميركية المتقدمة في الاستخبارات والاعتراض والدعم اللوجستي؛ فنجاحهما يتوقف على التنسيق العملياتي الفعلي، وتوافر الذخائر، ووضوح حدود التدخل، ومدى تقبل مخاطر الإنجرار إلى مواجهات مباشرة مع حلفاء وأذرع إيران، وربما مع إيران ذاتها.


