هل ترفض الهند مقاتلة إف-35؟ سبعة أسباب تدفع ضباط سلاح الجو الهندي المتقاعدين إلى معارضتها

وافقت الولايات المتحدة مؤخرًا بشكل مبدئي على صفقة محتملة لبيع مقاتلات إف-35 إلى السعودية، بعد سنوات من الضغط الذي مارسته الرياض. وتسعى تركيا في المقابل إلى العودة إلى برنامج إف-35، وتضغط بقوة على إدارة ترامب للموافقة على بيعها المقاتلات الشبحية. أما الهند، فتستضيف تمرين “تارانغ شاكتي” بمشاركة ست طائرات إف-35، ويصفه خبراء هنود بأنه فرصة فريدة لسلاح الجو الهندي لتقييم المقاتلة الأمريكية الشبحية ورصد كيفية كشف الرادارات الهندية الأرضية والجوية لها.

وتُعد هذه المرة الأولى التي تشارك فيها مقاتلات إف-35 في تدريبات مع طائرات هندية على الأراضي الهندية. ويرى كثيرون في ذلك فرصة تاريخية للتدرب إلى جانب ما يُعد من أفضل مقاتلات العالم، ولمنح طائرات “رافال” و”سو-30 إم كيه آي” و”تيجاس” التابعة لسلاح الجو الهندي تجربة مباشرة معها. حتى منتقدو سلاح الجو الهندي الذين لا يؤيدون شراء المقاتلة يرون في المشاركة فرصة تاريخية.

وقد أفادت وسائل إعلام أجنبية بأن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في 17 سبتمبر/أيلول 2026 الموافقة المبدئية على بيع مقاتلات إف-35 لايتنينغ 2 ومعدات مرتبطة بها إلى السعودية. ويُتوقع أن تشمل الصفقة 48 مقاتلة و49 محركًا من طراز Pratt & Whitney F135-PW-100، إلى جانب معدات اتصالات وتدريب وقطع غيار ودعم آخر بحسب طلب الرياض.

وجاءت الموافقة بعد سنوات من الضغط السعودي للحصول على هذه المقاتلات الشبحية المرغوبة. وكانت إدارة أوباما قد استبعدت الصفقة صراحةً في أواخر 2015، مؤكدة أن إسرائيل ستبقى المستفيد الوحيد من إف-35 في المنطقة حفاظًا على تفوقها العسكري النوعي. ثم بحثت إدارة بايدن لاحقًا ربط أي صفقة بتطبيع العلاقات السعودية الإسرائيلية، لكن المحادثات تعثرت بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

ولا تزال الصفقة المقترحة بحاجة إلى موافقة الكونغرس، ويرى محللون أنها قد تواجه عقبات بسبب المخاوف من علاقات الرياض مع الصين ومعارضة إسرائيل.

وفي الحالة التركية، أخرجت الولايات المتحدة أنقرة من الكونسورتيوم وفرضت عليها عقوبات بموجب قانون “كاتسا” بعد شرائها منظومة إس-400 الروسية، رغم التحذيرات المتكررة، علمًا أنها كانت عضوًا مؤسسًا في البرنامج واستثمرت فيه مبالغ كبيرة. وتسعى أنقرة بنشاط إلى التخلص من المنظومة الروسية وبيعها إلى مشترٍ ثالث محتمل.

وكان الرئيس الأمريكي قد ردّ على أسئلة بشأن رفع عقوبات “كاتسا” عن تركيا بقوله إنه يتحدث دائمًا مع الرئيس أردوغان، واصفًا إياه بالصديق، ومؤكدًا أنه سيحرص على إرضائه. ومع ذلك، لا يزال طريق تركيا نحو إف-35 محفوفًا بعقبات يصعب على واشنطن وأنقرة تذليلها، وفي مقدمتها المعارضة الإسرائيلية الشديدة.

وكما حدث مع السعودية وتركيا، فشلت دول عدة في محاولاتها للحصول على إف-35، التي تُصنَّف على نطاق واسع في طليعة مقاتلات الجيل الخامس متعددة المهام، بفضل قدراتها الشبحية المتقدمة ودمج المستشعرات. وتعمل بوصفها عقدة قيادة جوية شبكية توصف بـ”قائد خط الهجوم في السماء”، إذ تتبادل البيانات بسلاسة مع المنصات الصديقة، ويرى محللون أنها الأكثر قدرة بين مقاتلات الجيل الخامس العاملة في العالم.

ورغم ذلك، ظلت الهند، التي تواجه تهديدًا مزدوجًا من الصين وباكستان على حدودها، غير متحمسة نسبيًا لما يعدّه كثيرون أفضل مقاتلة في العالم.

العرض الأمريكي

طرح دونالد ترامب مقاتلة إف-35 على الهند بشكل غير رسمي خلال لقائه رئيس الوزراء ناريندرا مودي في فبراير/شباط 2025، قائلًا حينها إن واشنطن ستزيد مبيعاتها العسكرية إلى الهند بمليارات الدولارات اعتبارًا من ذلك العام، وإنها تمهّد الطريق لتزويد الهند بمقاتلات إف-35 الشبحية في نهاية المطاف.

وعُرضت المقاتلة كذلك في معرض “إيرو إنديا 2025” في الشهر نفسه، حيث التقت للمرة الأولى مع المقاتلة الروسية سو-57 على أرضية المطار. وخلال زيارته إلى الهند في أبريل/نيسان 2025، بدا أن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس كرر العرض بصورة أوضح، إذ قال إن بلاده تريد تعاونًا أوسع وأن تشتري الهند مزيدًا من المعدات الأمريكية، وإن مقاتلات إف-35 من الجيل الخامس ستمنح سلاح الجو الهندي قدرة غير مسبوقة على الدفاع عن أجوائه وحماية شعبه.

ورغم أن واشنطن لم تقدم عرضًا رسميًا، بدا العرض الشفهي مغريًا على الورق، خصوصًا أن الصين تشغّل طائرتين من الجيل الخامس (جيه-20 وجيه-35 إيه) ويُزعم أنها تصدّر الثانية إلى باكستان. غير أن المجتمع الدفاعي الهندي والضباط المتقاعدين في سلاح الجو الهندي بدوا غير متأثرين بالعرض، رغم إقرارهم بقدرات المقاتلة، وهو موقف تجدد مع مشاركة ست مقاتلات إف-35 لأول مرة في تمرين “تارانغ شاكتي 2026” في جودبور بولاية راجستان.

سبعة أسباب تدفع الضباط المتقاعدين إلى معارضة إف-35

أولًا، يرى محللون وخبراء هنود أن شراء مقاتلة شبحية باهظة جاهزة من الولايات المتحدة سيكون عبئًا، فهو لا يخدم قطاع التصنيع الدفاعي الهندي ويأتي بسعر مرتفع. ويُتوقع أن تتراوح كلفة الطائرة الواحدة بين 80 و120 مليون دولار، مع كلفة دورة حياة أعلى، ما يفرض عبئًا ماليًا ثقيلًا تفضّل القوات الجوية توجيهه إلى البرامج المحلية وخيارات اقتناء أكثر مرونة وتنوعًا.

ثانيًا، يرى محللون وبعض الضباط المتقاعدين أن واشنطن لن تتخلى عن تقنياتها، ما يلغي التصنيع المحلي، وأن الصفقة تتعارض مع سياستي “صنع في الهند” و”الهند المعتمدة على نفسها”. وأكد نائب رئيس أركان القوات الجوية السابق، المارشال الجوي أنيل خوسلا (متقاعد)، أن تحديات كبيرة ستبقى حتى مع الموافقة على نقل محدود للتقنية وتصنيع محلي. وأشار إلى مخاطر الإنتاج الناجمة عن سلسلة التوريد العالمية المعقدة للمقاتلة، إذ تحصل لوكهيد مارتن على مكوناتها من دول عدة، محذرًا من أن أي تعطل أو تأخر في تسليمها قد يوقف عملية التصنيع بأكملها. وأضاف أن استمرار الاعتماد على موردين أجانب يقيّد التوطين الحقيقي، وأن سلاح الجو سيجد صعوبة في التعامل مع هذه الاضطرابات.

وتزداد هذه المخاوف أهمية مع تأخر تسليم مقاتلات “تيجاس إم كيه-1 إيه” بسبب تأخر وصول محركات “إف404-آي إن20″، ما يؤثر في جاهزية السلاح.

ثالثًا، هناك قلق من أن تحويل الموارد لشراء إف-35 سيضر حتمًا ببرنامج الهند للمقاتلة المتقدمة متوسطة القدرة من الجيل الخامس “أمكا” (AMCA)، التي تهدف إلى توفير منصة بمستشعرات متقدمة وأنظمة حرب إلكترونية وقدرات قتال شبكية، مع بناء قاعدة صناعية جوية محلية. وحثّ خبراء سلاح الجو على التركيز على برامجه المحلية وعدم الوقوع في جولة استيراد جديدة.

رابعًا، أشار محللون إلى تحديات لوجستية وعدم توافق تشغيلي مع أسطول هندي متنوع يضم سو-30 إم كيه آي الروسية ورافال وميراج 2000 الفرنسية وتيجاس المحلية، معتبرين أن إضافة طراز جديد ستزيد تعقيد الصيانة والتدريب والإمداد.

خامسًا، تشغّل الهند منظومات إس-400 الروسية التي سببت احتكاكًا بين واشنطن وأنقرة. وقال الطيار المتقاعد والمعلق سكوادرون ليدر فيجايندر ك. ثاكور إن صفقة إف-35 إيه ستأتي على الأرجح بشروط، أبرزها مطالبة أمريكية بتخلي الهند عن إس-400 لصالح منظومة “ثاد” الأمريكية. وتُعد المنظومة الروسية جزءًا راسخًا من شبكة الدفاع الجوي الهندية، وتدرس نيودلهي طلب كميات إضافية منها، ما سيجعلها نقطة خلاف حتمية.

سادسًا، وُصفت الولايات المتحدة بأنها شريك لا يمكن الاعتماد عليه. فقد كتب المارشال الجوي المتقاعد أنيل شوبرا في مقال سابق لـ”يوراسيان تايمز” أن وضع قدر كبير من الاعتماد الجوي العسكري على الجانب الأمريكي مشكلة، لأن واشنطن قد تكون “غير موثوقة جدًا” عند فرض العقوبات وتجميد قطع الغيار والصيانة. ويزيد من تعقيد الصفقة تكرار التلويح بالعقوبات وتغير المشهد الجيوسياسي بسرعة.

سابعًا، ترتبط إف-35 بشبكات خاضعة للسيطرة الأمريكية، منها “الشبكة المتكاملة للبيانات التشغيلية” (ODIN) التي ترسل المعلومات إلى خوادم أمريكية، ويعدّ خبراء هنود ذلك مساسًا باستقلالية القرار العملياتي. وحذروا أيضًا من أن واشنطن تفرض قيودًا تشغيلية صارمة وقد تحدّ من استخدام المقاتلة في القتال، خاصة ضد باكستان. ويشير منتقدون في العالم إلى أن إدارة أمريكية لا يمكن التنبؤ بسلوكها قد تقيّد حرية تشغيل المقاتلة عبر تقييد إمدادات العتاد والبرمجيات، فيما يُعرف بـ”مفتاح الإيقاف”، وهو سبب قرار دول مثل كندا والبرتغال البحث عن بديل للمقاتلة الأمريكية.

وتركز النقاشات الاستراتيجية الهندية عمومًا على تسريع إنتاج تيجاس وتطوير أمكا واستكشاف خيارات التصنيع المحلي لمنصات مثل رافال. وإذا جرى النظر في مقاتلة أجنبية من الجيل الخامس، فقد أبدى كثير من الخبراء تفضيلهم للمقاتلة الروسية سو-57 بسبب نقل التقنية والإنتاج المحلي ونسخة المقعدين.