استخدمت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) زوارق «كورسير» Corsair السطحية غير المأهولة للمرة الأولى في عملية قتالية فعلية، في سابقة تاريخية لقوات الولايات المتحدة. ونفذت هذه الزوارق، مساء الأحد 12 يوليو/ تموز 2026، ضربة استهدفت منشأة لصيانة الغواصات والسفن داخل قاعدة بندر عباس البحرية، المقر الرئيسي للبحرية الإيرانية، وأصابت غواصة قزمة من طراز «قدير» كانت راسية هناك.
وبحسب بيان نشرته سنتكوم عبر منصة إكس، استُخدمت 3 زوارق من طراز «كورسير» في الضربة التي وُصفت بأنها المرة الأولى التي تعتمد فيها القوات الأمريكية زوارق بحرية «أحادية الاتجاه» (كاميكازي) في عملياتها القتالية، مؤكدةً أن الضربة أسهمت في «تقليص قدرة إيران على مواصلة استهداف الملاحة التجارية». وأتت هذه العملية ضمن موجة أوسع من الضربات استهدفت عشرات المواقع الإيرانية، شملت منظومات الدفاع الجوي والرادارات الساحلية وقدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق الصغيرة، بمشاركة مقاتلات وسفن حربية وطائرات مسيّرة أحادية الاتجاه، إلى جانب الزوارق البحرية التي استُخدمت لأول مرة في هذا السياق.
ويأتي «كورسير» بطول 24 قدمًا، وقد صنعته شركة «سارونيك تكنولوجيز» الأمريكية الناشئة، ومقرها ولاية تكساس. ويبلغ مدى الزورق نحو 1,000 ميل بحري، وسرعته القصوى 35 عقدة (نحو 40 ميلًا في الساعة)، ويحمل حمولة تصل إلى 1,000 رطل. وتُشرف على تشغيله في المنطقة «فرقة العمل 59»، الوحدة المتخصصة في الأنظمة غير المأهولة التابعة لقوات البحرية الأمريكية في المنطقة الوسطى والأسطول الخامس، والتي بدأت نشر هذا الطراز في المسرح العملياتي أواخر مارس/ آذار 2026. وسبق أن استُخدم زورق من الطراز نفسه، الشهر الماضي، في عملية إنقاذ طياريْن أمريكيين من الجيش إثر سقوط مروحية «أباتشي» من طراز AH-64 قرب مضيق هرمز، وفق ما أكدته سنتكوم حينها.
من جهتها، أصدرت شركة «سارونيك» بيانًا عبر حسابها الرسمي على منصة إكس عبّرت فيه عن اعتزازها بمساهمة تقنيتها في «الحفاظ على سلامة رجال ونساء القوات المسلحة الأمريكية»، مؤكدة التزامها المستمر بتطوير أنظمة بحرية ذاتية القيادة تعزز أمن الولايات المتحدة وحلفائها؛ وهو تصريح تسويقي صادر عن الشركة المصنّعة ولم تؤكده مصادر رسمية مستقلة.

وتأتي هذه الضربة في سياق تصعيد متجدد بين واشنطن وطهران، إذ اندلعت الحرب بين الطرفين في 28 فبراير/ شباط 2026، وأعقبها هدنة هشة بدأت في 8 أبريل/ نيسان قبل أن تبدأ في التصدع مؤخرًا، لا سيما بعد إلغاء واشنطن، في 7 يوليو/ تموز، ترخيصًا كان يسمح لإيران ببيع نفطها. وفي أعقاب موجة الضربات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة فرض حصار بحري على إيران، مؤكدًا أن مضيق هرمز «سيبقى مفتوحًا، بوجود إيران أو من دونها». في المقابل، أعلنت «هيئة مضيق الخليج الفارسي»، وهي جهة إيرانية حديثة التأسيس، أن المرور عبر المضيق «غير ممكن حاليًا»، وهو ما نفته سنتكوم صراحة، مؤكدة أن المضيق «ممر مائي دولي» وأن القوات الأمريكية «متمركزة ومستعدة للحفاظ على ذلك».
ويرى مراقبون أن اعتماد زوارق «كورسير» في ضربة مباشرة يعكس تحوّلًا تكتيكيًا أوسع من الاعتماد شبه الحصري على الطائرات المسيّرة نحو تبني الزوارق البحرية «الانتحارية» كأداة هجومية موازية، على غرار ما اعتمدته أوكرانيا في حملتها ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود، حيث نجحت زوارق مماثلة في التسلل إلى قواعد بحرية محصّنة وضرب أهداف داخلها، الأمر الذي يُصعّب على الخصم رصد هذا النوع من التهديدات والتصدي له داخل موانئه. كما تتيح هذه المنظومات تنفيذ عمليات استطلاع وضربات عالية الخطورة عن بُعد، دون تعريض الأطقم البشرية للخطر، فيما يُنظر إلى الضربة على منشأة الصيانة في بندر عباس تحديدًا كمحاولة لإضعاف قدرة الأسطول الإيراني على الإصلاح والانتشار مستقبلًا.
ويُذكر أن الطائرات المسيّرة الأحادية الاتجاه المستخدمة في الموجة نفسها من الضربات هي طراز «لوكاس» الأمريكي منخفض الكلفة، المصمم بالاستناد إلى الهندسة العكسية لطائرة «شاهد-136» الإيرانية، وقد استُخدم لأول مرة في فبراير/ شباط الماضي. وتشكّل هذه العملية، في مجملها، امتدادًا لتوجه إستراتيجي أوسع تتبناه القوات الأمريكية نحو توسيع الاعتماد على الأنظمة غير المأهولة عبر مجالات القتال البرية والجوية والبحرية كافة.






