قراءة تحليلية استراتيجية لأبعاد سباق الغواصات و ثروات الطاقة في شرق المتوسط
دانيال يوسف تامر
طالعتنا جريدة “جيروزاليم بوست” بخبر لافت تمثل في توجيه المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية بزيادة عدد الغواصات العاملة في الجيش الإسرائيلي إلى 8 غواصات مرجعة ذلك في جزء كبير منه إلى تعاظم دور البحرية التركية في البحر المتوسط. هذا التطور يفتح الباب أمام تساؤلات ملحة حول دوافع هذا الإعلان، وطبيعة التشابك الاستراتيجي للدول المطلة على المتوسط وخاصة تركيا ومن ثم السبب الرئيسي الكامن وراء إبرام المزيد من الصفقات العسكرية الموجهة لسلاح الغواصات تحديداً.
بالرجوع إلى التقارير المنشورة في الصحف الإسرائيلية مؤخراً، تبرز حالة من التوجس الدائم تجاه تنامي القدرات العسكرية لكل من مصر وتركيا. وإذا كان سلاح الغواصات يعكس بطبيعته بعداً استراتيجياً غامضاً وغير معلن، فإن تسليط الضوء علانية على خطط زيادته يدفعنا لدراسة المشهد برمته في ظل بعد اقتصادي بالغ الأهمية وهو صراع تأمين حقول ومكتشفات ثروات الطاقة الهائلة في شرق المتوسط.
ترسانة الغواصات: مقارنة كمية ومؤسسية بين الدول الثلاث:
• الأسطول المصري: تمتلك مصر 4 غواصات حديثة من طراز (Type 209) من إنتاج شركة “ThyssenKrupp” الألمانية، والتي تمثل رأس الهرم في الأسطول البحري المصري، إلى جانب 4 غواصات أخرى أقدم من طراز (روميو) وفق البيانات والأرقام المعلنة.
وفي السياق ذاته يبرز توجه متصاعد من القاهرة نحو تنويع مصادر التسليح وعقد صفقات حديثة مرتقبة، وسط ترجيحات بإمكانية عقد صفقات مستقبلية مع دول مثل فرنسا وإسبانيا خاصة بعد إعلان شركة “Navantia” الإسبانية نجاحها في اختبار نظام الدفع اللاهوائي المسمى اختصاراً (AIP) على أحدث غواصاتها من طراز (83-S).
• الأسطول التركي (الأكبر عدداً): تتصدر تركيا دول المنطقة بنحو 14 غواصة تتوزع بانتظام كالتالي:
- 6 غواصات من فئة (Reis) المطورة عن طراز (Type 214TN) الألمانية وهي الأحدث والأكثر تطوراً.
- 4 غواصات من فئة (Gur).
- 4 غواصات من فئة (Preveze)، فضلاً عن الطرازات الأقدم مثل (Atilay).
وتعتمد أنقرة على برامج تحديث هندسي للنسخ العاملة، بالتكامل مع نسب تصنيع محلي تتراوح بين 40 إلى 50% في الطرازات القديمة وتتجاوز 70% في الطرازات الحديثة، مدعومة بإسهامات تقنية وبرمجية هائلة من شركات محلية رائدة مثل “HAVELSAN”، و”ASELSAN”، و”STM” وذلك حسب البيانات والأرقام المعلنة.
• الأسطول الإسرائيلي (التفوق النوعي): يضم الأسطول الإسرائيلي 6 غواصات رئيسية:
- الجيل الأول: 3 غواصات من طراز (Dolphin-I Class) المستندة إلى تصميم مخصص تكنولوجيا عن الغواصة (Type 209).
- الجيل الثاني: 3 غواصات من طراز (Dolphin-II Class) المطورة عن طرازات (Type 212 / Type 214) الألمانية. ومؤخراً في منتصف عام 2026، تسلمت البحرية الإسرائيلية أحدث غواصات هذا الجيل وهي الغواصة الهجومية الاستراتيجية (INS Drakon).
وعلى صعيد التصنيع العسكري المحلي، أقامت إسرائيل بنية تحتية متقدمة لإنتاج مكونات الهياكل تحت المائية عبر تأسيس مصنع محلي بشراكة استراتيجية بين شركة “ElbitSystems” وشركة “TKMS” الألمانية، إلى جانب تكامل إلكتروني وبرمجي عميق بين الصناعات الألمانية وشركات إسرائيلية كبرى مثل “ElbitSystems” و”RAFAEL”، مما يمنح تل أبيب تفوقاً تقنياً وبحرياً حاسماً قياساً إلى اتساع نطاق المصالح والمياه الإقليمية.2
المواصفات الفنية وموازين التفوق النوعي:
على صعيد القدرات الهندسية والقتالية، تتميز الفئات الحديثة للغواصات الإسرائيلية والتركية بامتلاك نظام الدفع اللاهوائي (AIP)، مما يمنحها قدرة فائقة على البقاء مخفية تحت سطح الماء لفترات مطولة مقارنة بـ الغواصات التقليدية.
غير أن التفوق التقني الحاسم يصب لصالح الغواصات الإسرائيلية الأحدث – وتحديداً الغواصة (INS Drakon) المزودة بنظام الإطلاق العمودي (VLS) لتنفيذ ضربات صاروخية بعيدة المدى، فضلاً عن أنابيب طوربيد من عيار 650 مم مقارنة بأنابيب من عيار 533 مم المعمول بها في الغواصات المصرية والتركية، ما يضاعف المدى والخيارات القتالية والتسليح للجانب الإسرائيلي، رغم اتساع السواحل البحرية والمياه الإقليمية التركية مقارنة بإسرائيل.
كواليس السياسة والأمن.. ملابسات قضية الغواصات (3000 Case):
في سياق متصل، أثار الإعلام الإسرائيلي جدلاً واسعاً عبر الكشف عن ملف (3000 Case) في نهاية عام 2016، والذي تطرق إلى صفقة الغواصات الألمانية لمصر والاتهامات المرتبطة بوجود موافقات ضمنية لبعض المسؤولين. وقد أثار هذا الملف تساؤلات مزدوجة أولها حول تناقض القلق الأمني الإسرائيلي المُعلن من تنامي القدرات المصرية مقابل الملابسات السياسية الداخلية للفترة، وثانيها تأكيد المصادر الألمانية الرسمية مراراً أن الصفقة تعاقد ثنائي بحت بين برلين والقاهرة دون أي تدخل أو ارتباط بأي دولة أخرى كطرف ثالث يشترط الحصول على موافقته.
خاتمة وتساؤلات استراتيجية مستقبلية:
في ضوء المعطيات السابقة وامتلاك إسرائيل تفوقاً نوعياً وهندسياً واضحاً في منظومات الغواصات على نظيراتها الإقليمية، يظل نشر مثل هذا الخبر في هذا التوقيت بالتحديد محط تساؤلات عميقة تفتح الباب على مصراعيه أمام المشهد المستقبلي لطبيعة الصراع القادم في البحر المتوسط:
- هل تشهد المنطقة مرحلة جديدة من سباق التسلح البحري المحتدم بين الدول الثلاث؟
- هل ستدخل أطراف إقليمية جديدة إلى حلبة التنافس في سلاح الغواصات لإعادة هندسة موازين القوى في المتوسط؟
أسئلة كثيرة تفرض نفسها على الساحة في ظل وجود دول تعد بتقديم عروض تسليحية مغرية، ودول أخرى دخلت سوق الدفاع مؤخراً وهي تشحذ كل إمكانياتها لكسب موطئ قدم وعملاء جدد في المنطقة.




