ظافر مراد
أهملت معظم التقارير العسكرية ومراكز البحوث الحديث عن تأثيرات إستخدام المسيرات بمختلف اشكالها وأنواعها على مناورة القوى في أرض المعركة، سواء كان ذلك في الهجوم أو الدفاع أو في أي نوع من أشكال المناورات القتالية. تناقش دفاع العرب هذه المسألة من وجهة نظر عملية تستند إلى تجارب الحروب الحديثة، ومن وجهة نظر أكاديمية يجب أن تأخذ مكانها في الفكر العسكري الحديث، حيث أنه من المفترض أن يؤخذ بعين الإعتبار كل المتغيرات التي تؤثر على مفاهيم المناورة بالقوى والمناورة بالنيران.

دخلت الطائرات المسيّرة ميدان القتال بدايةً بوظيفة كانت محدودة هي الاستطلاع والمراقبة، لكن الحرب الروسية–الأوكرانية أظهرت أن القيمة الحقيقية لهذه المنظومات تكمن في قدرتها على ربط المستشعر بالقائد والسلاح ضمن دورة واحدة، ولهذا اعتبرت دراسة تعليمية لحلف الناتو حول دروس الحرب في أوكرانيا أن الانتشار الواسع للمسيّرات أصاب أدنى المستويات التكتيكية، وأصبح مؤثراً في الاستطلاع، والنيران، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، فيما باتت سرعة التكيّف مع استخدامها عاملاً يمكن أن يؤثر في توقيت التحرك ونتيجة الاشتباك.
هذه النقلة تظهر بوضوح في العقيدة الروسية، فدليل الجيش الأميركي ATP 7-100.1 الخاص بالتكتيكات الروسية يوضح أن القوات البرية الروسية تدمج المسيّرات ضمن مجمّوعات الاستطلاع، بحيث تستخدم بالدرجة الأولى في عملية اكتساب الأهداف وتوفير المعلومات اللازمة للنيران غير المباشرة. ويشير الدليل إلى أن العقيدة الروسية تنظر إلى تحسين المستشعرات المحمولة على المنظومات غير المأهولة باعتباره وسيلة لرفع سرعة ودقة الضربات، وفي عرض لرئيس هيئة الأركان الروسية فاليري غيراسيموف أمام أكاديمية هيئة الأركان عام 2018، تحدث عن تطوير منظومات الاستطلاع–الإستهداف، ودمج أنظمة المعلومات والاستطلاع مع أنظمة الأسلحة بهدف تقليص الزمن بين اكتشاف الهدف وتدميره، كما أشار صراحة إلى أن تطوير منظومات المسيّرات يرفع فعالية التدمير والمناورة بالنيران، وأن المنظومات المستقبلية ستركز على الدمج بين قدرات الاستطلاع وفعالية وسرعة الإستهداف.

في الجانب الأوكراني، أخذت الفكرة شكلاً أكثر انتشاراً على المستوى التكتيكي، فمسيّرات الإستطلاع الصغيرة تمنح الفصائل والكتائب صورة ظرفية واضحة ومستمرة عن الأرض، بينما تسمح مسيّرات الـ FPV بضرب الأفراد والعربات والتحصينات من مسافات قريبة، وقد وصفت وزارة الدفاع الأوكرانية في عام 2026 مشروع Drone Line باعتباره محاولة لبناء نظام موحد لاستخدام المنظومات غير المأهولة، مع إنشاء منطقة قتل تمنع الخصم من التقدم من دون التعرض لخسائر.
بالنسبة للمسيّرات أحادية الاتجاه أو الإنتحارية بعيدة المدى، مثل عائلة Geran الروسية، فقد نقلت التأثير إلى العمق العملياتي والاستراتيجي، وتوضح دراسة لـCSIS نُشرت في أيلول/سبتمبر 2026 أن روسيا طورت برنامج Geran بصورة متسارعة، مع إدخال تحسينات متكررة على الملاحة والاتصالات والمحركات والحمولة، استناداً إلى المردود العملياتي الذي حققته هذه المسيرات في الاستخدام القتالي، وهذا التطور مهم عسكرياً لأنه يضغط على الدفاعات الجوية بطريقة مختلفة، حين تكون كلفة الهجوم والإستهداف أقل بكثير من كلفة الدفاع والاعتراض.
الفئة الأخرى التي أثرت في المناورة هي المسيّرات المسلحة غير الإنتحارية المتوسطة والبعيدة المدى؛ هذه المنظومات تمنح القوة قدرة على المراقبة المستمرة، وتساعد في اكتشاف الأهداف ومتابعة حركة القوات وتقييم نتائج الضربات. وتؤكد دراسة RUSI حول تصميم منظومات المسيّرات للقوات البرية أن إحدى أهم مزاياها هي قدرتها على إنتاج تأثيرات دقيقة بكلفة أو بكثافة لا تستطيع بعض الوسائل التقليدية مجاراتها.

من ناحية أخرى، فإن كل هذه القدرات أنتجت خصماً طبيعياً هو “الحرب الإلكترونية”؛ روسيا وفق تقييم RUSI، تمتلك خبرة وقدرات مهمة في الحرب الإلكترونية، وقد شكل التشويش الروسي مشكلة مستمرة للمسيّرات الأوكرانية. وفي المقابل، دفعت هذه البيئة الطرفين إلى تطوير أنظمة أكثر مقاومة للتشويش، بما فيها المسيّرات التي تستخدم الاتصال عبر الألياف الضوئية أو الملاحة الذاتية، وهنا يظهر تحول آخر في مفهوم الدفاع، الدفاع عن القوة لم يعد مقتصراً على مواجهة الطائرات والصواريخ التقليدية. دراسة RUSI حول حماية القوات من الأنظمة الجوية غير المأهولة خلصت إلى أن مكافحة المسيّرات يجب أن تكون طبقية، تجمع بين المستشعرات، والحرب الإلكترونية، والوسائل الحركية، والاعتراض، وأن تمتلك الوحدات الصغيرة نفسها قدرة على كشف المسيّرات والتعامل معها.
بالنسبة للأسراب والأنظمة المنسقة، فتضيف مشكلة مختلفة متمثلة بالكثافة؛ حيث يستطيع المهاجم استخدام عدد كبير من المنصات لتوزيع المهام بين الاستطلاع والتشويش والهجوم والخداع، وكلما زادت كثافة الأهداف، ارتفع العبء على منظومات الدفاع، خصوصاً عندما تكون بعض المنصات رخيصة وقابلة للتعويض بسرعة.
تتجه الولايات المتحدة نفسها إلى استيعاب هذا الدرس عقائدياً، فقد أعلنت قيادة الجيش الأميركي في آذار/مارس 2026 أنها تعمل على تعديل العقيدة عبر دمج دروس استخدام الأنظمة غير المأهولة، فيما أُدخلت في تحديثات على Field Manual 3-0 مثل الحماية من المراقبة المستمرة والتعامل مع المستشعرات والمنظومات غير المأهولة حتى أدنى مستوى ممكن.

أما الناتو، فقد ذهب أبعد من مجرد دراسة الدرس الأوكراني، وفي تموز/يوليو 2026 أعلن أن الدرونات غيّرت بصورة جوهرية طبيعة الحرب الحديثة، وأن قدرات الدرونات ومكافحتها أصبحت جزءاً أساسياً من مزيج القوة، مع خطة لاستثمار أكثر من 40 مليار دولار في قدرات مكافحة المسيّرات خلال السنوات الخمس التالية.
في المحصلة العسكرية، لا يمكن لأشكال المناورات بالقوات البرية في الهجوم أو الدفاع أو القتال التأخيري أن تبقى كما هي في مفهومها التقليدي، فدخول عنصر المسيرات مع ما يضيفه من قدرات إستطلاع، ونيران إستهداف، ستغير بلا شك من ترتيبات الأنساق، وإستخدام نيران الدعم، وتحديد المهل الزمنية لمراحل القتال، إضافةً إلى التفاصيل التكتية في طبيعة التمركز ومعايير الحماية والإحتجاب، ويكاد “مفهوم المناورة” بحد ذاته ينقلب راساً على عقب، حين تصبح المسيرات هي القوة الضاربة التي تدمر العدو وتنهكه، ثم تجهز المجموعات القتالية التقليدية على ما تبقى منه.

وهنا تتقاطع خلاصة الخبرة الروسية والأوكرانية والأميركية، قيمة المسيرات في المعركة المقبلة لن تكون حول امتلاك أكبر عدد من المنصات فقط، بل حول امتلاك أفضل منظومة تربط القوة وتدمجها بالمعلومة والقرار والمناورة والنيران والحماية، ومن ينجح في بناء شبكة ديناميكية سريعة، يستطيع أن يفرض على خصمه إيقاع المعركة، فيدفع خصمه إلى المناورة تحت المراقبة، والتحرك تحت التهديد، واتخاذ قراراته ضمن مساحة زمنية تضيق باستمرار.

