تدرس ألمانيا خياراتها لتطوير مقاتلة من الجيل السادس، في ظل محادثات استكشافية مع بريطانيا بشأن إمكانية الانضمام إلى برنامج GCAP، الذي تطوره بريطانيا وإيطاليا واليابان، مقابل توجه داخلي يميل إلى التعاون مع السويد وإسبانيا، باعتباره خيارًا أكثر ملاءمة لمصالحها العسكرية والصناعية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة Politico، نقلًا عن مسؤولين بريطانيين وألمان ووثائق حكومية داخلية، فإن لندن بادرت إلى فتح قنوات تواصل مع برلين لبحث فرص التعاون، بما يشمل تقاسم الأدوار الصناعية وتحديد المتطلبات العسكرية الألمانية. إلا أن المحادثات لا تزال في مراحلها الأولية، ولم يتضح ما إذا كانت بريطانيا قد طرحت منح ألمانيا صفة مراقب أو أي وضع رسمي داخل البرنامج.
ورغم هذه الاتصالات، لا تبدو التقييمات الألمانية متحمسة للانضمام إلى GCAP، إذ ترى أن المشروع، الذي قطع شوطًا متقدمًا في توزيع الأدوار بين بريطانيا وإيطاليا واليابان، لا يتيح مساحة كافية لضمان حصة صناعية وتكنولوجية عادلة لألمانيا. كما تشير إلى أن التصميم الحالي للمقاتلة يركز على العمليات البحرية، في حين تحتاج برلين إلى منصة تتناسب مع طبيعة العمليات العسكرية في أوروبا القارية.
وتشمل التحفظات الألمانية أيضًا شركة BAE Systems البريطانية، على خلفية ما وصفته الوثائق الحكومية بـ«التجارب السلبية» خلال تطوير مقاتلة يوروفايتر تايفون، إلى جانب مخاوف من هيمنة الشركة على المشروع الجديد، بما قد يحدّ من قدرة الصناعة الألمانية على المشاركة على قدم المساواة.
في المقابل، ترى التقييمات أن التعاون مع السويد وإسبانيا يتيح فرصًا أفضل لتوزيع الأدوار الصناعية، نظرًا إلى تقارب المتطلبات العسكرية بين الدول الثلاث، وإمكانية بناء شراكة من موقع أكثر توازنًا، بعيدًا عن الترتيبات الصناعية والتكنولوجية القائمة بالفعل في GCAP.
ويأتي هذا التوجه بعد تعثر الشراكة الألمانية الفرنسية ضمن برنامج نظام القتال الجوي المستقبلي FCAS، بسبب خلافات حول تقاسم الأدوار الصناعية، ولا سيما الدور المتوقع لشركة داسو الفرنسية في تطوير المقاتلة الرئيسية. وعلى إثر ذلك، أطلقت ألمانيا مبادرة Team Gen 6 خلال معرض برلين للطيران في حزيران الماضي، بمشاركة ثماني شركات ألمانية، بالتوازي مع مجموعة من الشركات الإسبانية، لمواصلة تطوير مقاتلة أوروبية من الجيل السادس وتعزيز الاستقلالية الصناعية.
ورغم انهيار التعاون بشأن المقاتلة الرئيسية، لا تزال برلين وباريس تعتزمان مواصلة العمل على مكونات أخرى من برنامج FCAS، تشمل منظومة الربط الشبكي القتالي، والطائرات المسيّرة التعاونية، وأجهزة الاستشعار والإلكترونيات الجوية.
وفي الوقت الذي يتمسك فيه برنامج GCAP بموعد دخول المقاتلة الخدمة بحلول عام 2035، بعد توقيع عقد بقيمة 4.6 مليارات جنيه إسترليني لشركة Edgewing المسؤولة عن تطويرها، تتواصل الجهود لتوسيع الشراكة، مع انضمام كندا بصفة مراقب وإجراء سنغافورة محادثات استكشافية. إلا أن توسيع قاعدة المشاركين قد يهدد الجدول الزمني، وفق تحذيرات الرئيس التنفيذي لشركة ليوناردو لورينزو مارياني.
من جهته، أكد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس أن بلاده تدرس خيارات متعددة، تشمل شراء مزيد من مقاتلات F-35 أو الانضمام إلى برامج تطوير أخرى، فيما أكدت وزارة الدفاع إجراء محادثات أولية مع بريطانيا، مشيرة إلى أن القرار النهائي ستكون له أبعاد سياسية.
وبينما لا تمثل التقييمات الداخلية موقفًا رسميًا نهائيًا لبرلين، فإنها تكشف عن مفاضلة استراتيجية بين الانضمام إلى برنامج دولي متقدم يضمن جدولًا زمنيًا واضحًا، وبين تأسيس شراكة أوروبية جديدة تمنح ألمانيا مساحة أكبر للتأثير في تصميم المقاتلة وتوزيع الأدوار الصناعية، في وقت تسعى فيه إلى تعزيز استقلاليتها الدفاعية والحفاظ على مكانتها في صناعة الطيران العسكري.

