المسيرات تنخرط في مهام الدفاع الجوي، تحول جديد في السيطرة على سماء المعركة

خاص دفاع العرب

ظهرت في سماء السودان خلال العام 2026 صورة تستحق التوقف عندها: طائرة مسيّرة قتالية من طراز “Bayraktar AKINCI” تابعة للقوات المسلحة السودانية تستخدم ذخيرة جو-جو لاعتراض وإسقاط مسيّرة معادية في الجو، يعتقد أنها صينية الصنع . وقد وثّقت ACLED في 23 أيار/مايو اشتباكاً من هذا النوع، واعتبرته ثاني حالة قتال جوي مباشر بين مسيّرتين في الحرب السودانية.

لا تكمن أهمية الحدث فقط في إسقاط طائرة غير مأهولة، بل في “تغيّر وظيفة المسيّرة نفسها”، فالمسيّرة التي دخلت الحرب بوصفها عيناً للاستطلاع ومنصةً للضربات الدقيقة، بدأت تتحول إلى عنصر قادر على البحث عن هدف جوي واعتراضه وتحييده. وفي هذه الحالة تحديداً، استخدمت الـAKINCI ذخيرة مخصصة للاشتباك الجوي، في تطور يعكس انتقال المسيّرات من العمل داخل المجال الجوي إلى التنافس للسيطرة على سماء المعركة.

يقدم السودان اليوم مختبراً قتالياً واضحاً لهذا التحول، فالقوات المسلحة السودانية تستخدم خليطاً من المسيّرات الإيرانية والتركية، بينما طورت قوات الدعم السريع ترسانتها الجوية لتشمل منصات صينية بعيدة المدى، بينها CH-95 وFH-95، وBZK-005، وتشير ACLED إلى أن الطرفين دخلا فعلياً في سباق لتطوير وسائل الهجوم والدفاع الجوي غير المأهول.

وهنا تظهر نقطة أكثر أهمية، فالمعركة الجوية لم تعد بالضرورة تقتصر على المقاتلات، بل يبدو أن المسيرات بدأت تاخذ دورها في هذا المجال. هذا التحول يمنح الدول التي تستطيع إنتاج منظومة متكاملة من المنصة، المستشعر، الاتصالات، الذخائر والبرمجيات ميزة عملياتية كبيرة. وتجربة تركيا هي أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك، فنجاح  Bayraktar TB2 في أوكرانيا وليبيا وأذربيجان، ثم ظهور AKINCI كمنصة أثقل ذات حمولة ومدى وقدرات استشعار وتسليح أكبر، لم يكن نجاحاً لطائرة منفردة بقدر ما كان نتيجة بناء منظومة صناعية قادرة على ربط الطائرة بالذخيرة والبيانات والاتصال والقرار.

تشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن صادرات الصناعات الدفاعية التركية ارتفعت إلى نحو 10 مليارات دولار في 2025، أكثر من ثلاثة أضعاف مستواها في 2021، مع وصول المنتجات التركية إلى عشرات الدول، وفي الأشهر السبعة الأولى من 2026 بلغت صادرات الدفاع والطيران التركية 5.79 مليارات دولار، فيما وصلت صادرات آخر 12 شهراً إلى 11.2 مليار دولار.

لكن قصة تركيا لا تختصر في Baykar فهناك ASELSAN في الرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات والكهروبصريات وأنظمة القيادة والسيطرة والدفاع الجوي، و Roketsan  في الصواريخ والذخائر الذكية، و Turkish Aerospace Industries  في الطائرات والمروحيات، و STM  في الأنظمة البحرية والمسيّرات والذخائر الجوالة.

وهنا تحديداً تبرز ASELSAN كأحد أهم مفاتيح التجربة التركية، فالمسيّرة مهما بلغت قدراتها تبقى منصة؛ أما القدرة على تحويلها إلى عنصر داخل شبكة قتالية فتحتاج إلى رادار ومستشعرات واتصالات وقيادة وسيطرة وحرب إلكترونية، وهذه القدرات هي التي تمنح المنصة الوعي بالمجال الجوي والقدرة على تبادل المعلومات والاستجابة السريعة، وتعمل ASELSAN في قلب هذه الحاجات، فهي تطور الرادارات، أنظمة الحرب الإلكترونية، الاتصالات، الكهروبصريات، أنظمة القيادة والسيطرة، وحلول الدفاع الجوي، ما يجعلها عنصراً أساسياً في بناء بيئة القتال الشبكية التركية، ومع منظومة Steel Dome للدفاع الجوي، يتضح أكثر اتجاه الصناعة التركية نحو ربط المستشعرات ومراكز القيادة والأسلحة ضمن بنية موحدة، حتى الـAKINCI  نفسها تعكس هذا التكامل، ففي شباط/فبراير 2026 أعلنت Baykar نجاحها في اعتراض هدف جوي باستخدام ذخيرة “EREN” من تطوير Roketsan.

يكمن المغزى العسكري خلف هذا الإشتباك في أهمية إمتلاك دولة إقليمية لكافة إحتياجات وعقد شبكة القتال الجوي، من منصة جوية غير مأهولة، ورادار متطور، ونظام قيادة وسيطرة يوزع المعلومات، وحرباً إلكترونية تعطل الخصم، وذخيرة قادرة على الاشتباك بفعالية؛ وهذا تحديداً ما يجعل نجاح الصناعات الدفاعية التركية مهماً للشرق الأوسط. فالسوق الإقليمية لا تبحث فقط عن منصة رخيصة، بل عن قدرة يمكن دمجها في بنية عسكرية قائمة، مع التدريب والدعم والصيانة والتسليح والتطوير المشترك، لذلك تتحول الصادرات الدفاعية التركية تدريجياً من بيع معدات إلى بناء علاقات صناعية وعسكرية طويلة الأمد.

وبمناقشة الموضوع مع المحلل والخبير العسكري العقيد ظافر مراد، يقول أننا الآن أمام تحول هام يرقى لمستوى إستراتيجي في وظيفة المسيرات، لأن القيمة العسكرية للمشهد لا تكمن فقط في إسقاط مسيّرة، وإنما في أن المسيّرة نفسها بدأت تؤدي دوراً جديداً كان مرتبط تقليدياً بالطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي، فعندما تصبح المنصة غير المأهولة قادرة على اكتشاف هدف جوي وتحديده والاشتباك معه وتحييده، فإننا نفتح الباب واسعاً للمسيرات لتدخل في صلب منظومات الدفاع الجوي، وهذا الاتجاه سيتوسع ويتطور مستقبلاً مع تطور المستشعرات والذكاء الاصطناعي والاتصالات والذخائر الجو-جو.

وفي شأن التجربة التركية في الصناعات الدفاعية، يعتبر مراد أن أهم عناصر النجاح التركي هو بناء منظومة صناعية مترابطة ومتكاملة، وليس تطوير سلاح منفرد Baykar  في المسيّرات، Roketsan في الصواريخ والذخائر، TAI  في الطيران، وASELSAN  في الإلكترونيات والرادارات والحرب الإلكترونية والاتصالات والقيادة والسيطرة. هذه الشركات عندما تعمل ضمن منظومة واحدة تستطيع تحويل الخبرة العملياتية بسرعة إلى منتج جديد، لذلك شاهدنا الانتقال السلس والسريع من TB2 إلى AKINCI  ثم إلى  KIZILELMA، بالتوازي مع تطور الرادارات والحرب الإلكترونية وأنظمة الدفاع الجوي.

وفي مسألة نقاط القوة وقيادة الصناعات الدفاعية التركية، يعتبر العقيد مراد أن ASELSAN تعتبر عصب الصناعات الدفاعية التركية، حيث أنها تقدم المنتجات الأكثر أهمية حساسية وقيمة، والتي تتطلب مستويات خبرة تقنية عالية، ولهذه الشركة الموقع الريادي في تأمين وتطوير سلسلة الاستشعار والاتصال والقرار والتأثير، فالرادار يكتشف، والكهروبصريات تحدد، والاتصالات تنقل البيانات، والحرب الإلكترونية تؤثر في منظومة الخصم، وأنظمة القيادة والسيطرة تربط هذه العناصر ببعضها. لذلك فإن دور ASELSAN يتجاوز تجهيز المنصة إلى بناء البيئة التي تجعل المنصة قادرة على العمل ضمن شبكة قتالية، ومن هنا تأتي أهميتها بالنسبة إلى مستقبل المسيّرات والدفاع الجوي والحرب الشبكية.

ينهي العقيد مراد حديثه مؤكداً أن انتشار التكنولوجيا الدفاعية التركية سيؤدي بلا شك إلى تحوُّل كبير في إتجاهات التسلح والشراكات الدفاعية في المنطقة، ما يفرض تغييراً في موازين القوة وإعتباراتها الأساسية، وهذا التغيير لن يكون ناتجاً عن امتلاك المسيّرات التركية فقط، بل العامل الحاسم هو قدرة تركيا في الصناعات العسكرية المتكاملة التي تتطور وتنتشر بإستمرار، إضافة إلى المستقبل الواعد لهذه الصناعات المتاحة لمعظم دول المنطقة، وهنا تحديداً تصبح تجربة ASELSAN مهمة للشرق الأوسط، حيث أن مجال عملها وخبراتها هي الأكثر تعقيداً، إضافة إلى ميزة التكيف المستمر في صناعاتها وسرعة إيجاد الحلول للكثير من المعضلات الناتجة عن تطور التكنولوجيا بالدرجة الأولى.