العقيد الركن م ظافر مراد
شهدت السعودية خلال الأيام الأخيرة تصعيداً في استهداف المطارات والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع استمرار التهديدات لمنشآت الطاقة، ويشير هذا التطور إلى اتساع نطاق الضغط العسكري، بحيث تصبح حركة الطيران والاتصال الاقتصادي الدولي جزءاً من معادلة المواجهة.

في الوقائع، ذكرت وكالة “رويترز” في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026 أن هجوماً جديداً استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، بعد هجوم سابق أوقع قتلى وجرحى، فيما أعلنت قيادة التحالف اعتراض صاروخ جوال قرب المطار. كما أعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع استهداف مطاري الرياض والدمام ومنشآت تابعة لشركة أرامكو، وهي ادعاءات لم تكن جميع تفاصيلها مؤكدة بصورة مستقلة عند نشر التقرير.
وسبق لوكالة “أسوشيتد برس” أن أفادت في 7 تشرين الأول/أكتوبر باستهداف مطاري أبها والرياض، مع سقوط ضحايا وإصابات؛ وتزامن ذلك مع تصاعد العمليات البرية في اليمن بين الحوثيين والقوات المدعومة من الرياض، وفي هذا الشأن، يطرح سؤال : لماذا المطارات بعد منشآت الطاقة؟
تختلف الوظيفة الاستراتيجية للمطار عن وظيفة المنشأة النفطية، فاستهداف الطاقة يضغط على الإنتاج والتصدير والأسواق، بينما يهدد استهداف المطارات انتظام الرحلات، وحركة رجال الأعمال والوفود الدولية، وثقة شركات الطيران بسلامة المجال الجوي، وتزداد أهمية هذا التحول عندما تتزامن الضربات مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ففي تقرير لـ”رويترز” بتاريخ 27 تموز/يوليو 2026، أشارت الوكالة إلى تهديد الحوثيين مواقع نقل النفط السعودي المرتبطة بميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو مسار اكتسب أهمية إضافية مع تعطل حركة الشحن عبر هرمز.

القراءة العملياتية هنا أن الضغط يمكن أن يمتد من تعطيل تدفق الطاقة إلى إرباك البنية التحتية التي تتيح للدولة استمرار نشاطها الاقتصادي واتصالها الخارجي، غير أن إثبات وجود خطة متكاملة لهذا الانتقال يتطلب معلومات عن اختيار الأهداف وتسلسل العمليات، لا مجرد تزامن الهجمات.
بحسب بياناتهم المنشورة وتغطية “رويترز” في 6 تشرين الأول/ أكتوبر حول الوسائل التي يستخدمها الحوثيون، فهي تشمل الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة والطائرات المسيّرة، لكن لا تتوافر في المصادر المشار إليها أدلة مستقلة كافية لتحديد الطراز المستخدم في كل ضربة، أو نسبة الإصابات إلى كل وسيلة، أو تقييم دقة الاستهداف الفعلية، ويجب التمييز بين إعلان إطلاق سلاح، وإثبات وصوله إلى الهدف، وتحديد ما إذا كان الضرر ناجماً عن إصابة مباشرة أو اعتراض أو سقوط حطام. وهذا التمييز ضروري لتقييم متجرد لأداء الدفاع الجوي السعودي من دون تضخيم نجاح المهاجم أو التقليل من خطره، ولا توجد في المعلومات المنشورة أدلة كافية تثبت أن استهداف المطارات يجري ضمن توزيع أدوار منسق بين الحوثيين وإيران أو أطراف أخرى، لكن من الممكن أن يخدم توسيع بنك الأهداف مصالح إقليمية متقاطعة، عبر زيادة الضغط على السعودية ورفع كلفة استمرار المواجهة في اليمن.

المؤشر الأهم ليس الانتقال من النفط إلى المطارات وحده، بل احتمال الجمع بين استهداف الطاقة، وتعطيل النقل الجوي، وتهديد طرق التجارة، فكلما تزامنت هذه المسارات، ازدادت الضغوط على السعودية في الأمن والاقتصاد والاتصال الدولي، ولا يجب أن ننسى هنا أن استهداف المطارات في السعودية لا يتعلق فقط بالجانب السعودي، بل بأمن كافة الجاليات الموجودة في المملكة بما تضم من مقيمين وموظفين وديبلوماسيين وسواح، وبالتالي فإن الإستهدافات تشكل تهديداً كبيراً على مصالح العديد من الشركات العالمية والدول، إضافةً إلى المخاطر على ارواح مواطني أكثر من مئة دولة.
أما مدى اتساع الهجمات، فسيتوقف على تطور العمليات داخل اليمن، وقدرة الحوثيين على مواصلة الإطلاق، وفعالية الدفاعات السعودية، وحدود الرد العسكري، ولا تسمح المعلومات الحالية بالجزم بأن المطارات المدنية ستبقى هدفاً دائماً أو بأن التصعيد سيتحول حتماً إلى حرب إقليمية أوسع، ولكن وفق المعلومات المتداولة، يبدو أن التصعيد سيد الموقف حالياً، وهناك حديث عن عمل عسكري كبير ضد الحوثيين، قد تجتمع فيه قوى إقليمية وعالمية لإنهاء تهديدهم في المنطقة.

في الخلاصة الإستراتيجية: نحن أمام توسيع معلن لبنك الأهداف، يحمل أبعاداً عسكرية واقتصادية ونفسية، لكن إثبات وجود استراتيجية إقليمية موحدة أو “لعبة أدوار” بين إيران وحلفائها في العراق واليمن، يتطلب أدلة تتجاوز تزامن الهجمات وتقاطع مصالح الأطراف، ولكن ما هو ملاحظ، أن معظم الإستهدافات التي طالت السعودية، جاءت من العراق واليمن، وكأن إيران لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع قلب الخليج والقوة الأولى هناك، بينما كانت الصواريخ والمسيرات الإيرانية تضرب باقي الدول دون إستثناء، كان هذا في ذروة الحرب الاميركية-الإيرانية، أما الآن فالوضع مختلف تماماً، حيث لا يمكن فصل قدرات الحوثيين العسكرية عن الدعم الإيراني في الخبرة والسلاح، وهذا إن دل على شيء، فهو يؤكد ان التصعيد وصل لذروته وخرق الخطوط الحمر، وهذا يؤشر إلى تعاظم إحتمالات العودة إلى الحرب الشاملة مع إيران.

