قرصنة الدماغ: رقائق الكمبيوتر المستقبلية في رأسك

: رقائق الكمبيوتر المستقبلية في رأسك
رقائق الكمبيوتر المستقبلية في رأسك

بقلم أ.د. غادة عامر
وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث – جامعة بنها زميل كلية الدفاع الوطني – أكاديمية ناصر العسكرية العليا

كشف إيلون موسك في شهر يوليو الماضي في عرض قدمه في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم عن نجاح شركة نيورالينك (Neuralink) -الشركة الناشئة الغامضة لشرائح الكمبيوتر الدماغي التي قام بتأسيسها- في إنتاج شريحة صغيرة يتم زرعها في الدماغ، والتي أطلق عليها اسم brain-machine interfaces، لربط العقل البشري بالأجهزة الخارجية. لتمكن العقل من التحكم في أجهزة الكمبيوتر وأي أجهزة حوله.

وأفاد أنه سيتم تركيب الشريحة باستخدام روبوتًا للجراحة العصبية لإدخال آلاف الخيوط الدقيقة في الخلايا العصبية في الدماغ يتم توصيلها بتلك الشريحة التي سوف تكون مغمورة تحت جلد الرأس ومتصلة لاسلكيًا بـ “جراب” بلوتوث قابل للفصل خلف الأذن. مما يتيح للشخص التحكم بأي جهاز بمجرد التفكير بذلك! وقال إيلون إن هذه التقنية تم بالفعل تجريبها على قرد وقد نجحت، حيث مكنته من التحكم في جهاز كمبيوتر بعقله خلال الاختبارات.

ويعتقد موسك، أن ربط أدمغتنا بأجهزة الكمبيوتر، يمكن أن يساعد البشر في التغلب على الإعاقات والإصابات، وأيضا يمكنها منافسة تقنيات الذكاء الصناعي المعروفة. وقال إنه من المنتظر أن يتم استخدام هذه التقنية للتعويض عن الأجزاء المفقودة من الدماغ بسبب السكتة الدماغية، أو الحوادث، أو التشوهات الخلقية. وأنه يأمل أن يختبر تلك الشريحة على مريض بشري خلال هذا العام. لكنه أيضا لم يخف الهدف الأساسي لهذه التقنية والتي قال إن الهدف الأساسي منها هو تحويل البشر الى روبوتات فائقة الذكاء، وأضاف أيضًا أن تلك الشريحة يمكنها أن تساعد في التحكم في مستويات الهرمون واستخدامها لصالح تعزيز القدرات والتفكير، وتخفيف القلق.

كما أنها يمكن أن تساعد في تغير الطريقة التي نعيش بها، وذلك عن طريق التأثير على المعتقدات والأفكار. وقد  قال إيلون لصحيفة “جو روجان بودكاست” في وقت سابق من هذا العام “أنه في غضون السنوات الخمس إلى العشر القادمة لن تحتاج إلى التحدث، ستكون قادرًا على التواصل بسرعة كبيرة وبدقة أكبر بكثير عن طريق تلك الشريحة باستخدام الأفكار”.

أعتقد أن الكثير منا عندما يقرأ الكلام أعلاه سوف يقول إنه خيال علمي، لكنه حدث بالفعل. وأعتقدُ أنه لم يجرب فقط على القرود كما قال ايلون لكنه -حسب اعتقادي – جُرِبَّ على البشر، ربما على بعض المساجين في جوانتانامو كما ذكرت بعض المواقع المناهضة لتلك التكنولوجيا.

وما يؤكد فرَضيتي أنه هناك تقرير للجمعية الملكية لعام 2019 يشرح كيف يمكن للتكنولوجيا العصبية أن تسمح للناس بالتواصل بصمت من خلال قراءة عقول بعضهم البعض. وأنه يمكن أن تساعد تقنية الأعصاب الأشخاص ذوي الإعاقة على استخدام أفكارهم للتحكم في الأجهزة في العالم المادي، وأنها قد تكون مفيدة أيضًا في أنظمة الأسلحة.

وأيضا ما يؤكد فرضيتي أن هناك العديد من الشركات الخاصة والجيوش والمنظمات قامت بتمويل أبحاث التكنولوجيا العصبية. إن إنتاج تلك التقنية لم يكن بدايته البحوث التي قامت بها شركة نيورالينك، فقد قامت العديد من الوحدات البحثية في جيوش الدول المتقدمة بتطوير تكنولوجيا الأعصاب بالفعل.

فمثلا منذ عام 2002  قام جناح الأبحاث التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة) “داربا” بإنشاء مشروع تطوير واجهات الدماغ (الشريحة) لاستخدامها في التطبيقات العسكرية، وأُطلق على هذا البرنامج الجيل التالي من الجراحة العصبية (N3)، الذي تم الإعلان عنه لأول مرة للعامة في مارس 2018م.

لقد كان الهدف من برنامج N3 هو إنتاج واجهة عصبية تتيح تفاعلًا سريعًا وفعالًا وبديهيًا دون استخدام اليدين مع الأنظمة العسكرية من قِبَلِ المقاتلين، وقد وُضعت لهذا المشروع ميزانية بحوالي 120 مليون دولار أمريكي. كما قامت “داربا” أيضا بتمويل العديد من البرامج الأخرى في أماكن عديدة مثل: معهد باتيل، وجامعة كارنيجي ميلون، ومختبر الفيزياء التطبيقية بجامعة جونز هوبكنز، ومركز بالو ألتو للأبحاث. وهذا كله لإنتاج شريحة تُمكن البشر من التحكم في تطبيقات الأمن القومي المتنوعة مثل التحكم في أنظمة الدفاع السيبراني وأسراب المَركبات الجوية بدون طيار، أو التعاون مع أنظمة الكمبيوتر للقيام بمهام متعددة أثناء المهام المعقدة.

كما تعمل هذه البرامج المختلفة على توسيع نطاق التقنيات العصبية في جمع الاستخبارات العسكرية، وتحليل الصور، وكشف التهديدات والخداع، بالإضافة إلى تطوير التكنولوجيا للتعامل مع الحالات العاطفية وإعاقة الخصوم. وبالطبع ليست الجيوش هي الجهات الوحيدة التي تمول التكنولوجيا العصبية. فهناك عدد لا بأس به من المبادرات مثل مشروع الدماغ البشري التابع للاتحاد الأوروبي.

كذلك هناك الكثير من الشركات الخاصة المهتمة بتلك التقنية لدرجة كبيرة لأنه متوقع أن يكون لهذه التقنية سوقا كبيرا، فوفقًا لمقال نُشر عام 2018م في مجلة Brain Stimulation، قد تشكل التقنيات العصبية سوقًا سنويًا بقيمة 12 مليار دولار بحلول عام 2021.

لكن كيف يمكن للعلماء والمؤسسات حساب إمكانيات سوء الاستخدام الكامنة في تطوير تلك التكنولوجيا. أنا أتوقع أن التطبيقات اللاحقة لتلك التقنية لن تكون تحت السيطرة ومستحيل أن تقف عند الاستخدام النافع فقط. فليس من الصعب تخيل استخدام التكنولوجيا العصبية لأغراض تدميرية. فنعم إن القدرة على التواصل مع الآخرين عبر التفكير، أمر مثير، لكن إعطاء الآخرين القدرة على قراءة أفكارك أمر مخيف. ويعد التحكم في مفتاح الإضاءة أو قيادة السيارة بعقل المرء أمرًا مثيرًا؛ لكن  احتمال التجسس على أفكارك أو غزوها عمداً وسيطرة الآخرين على عقلك أمر مخيف. وقد يكون من الرائع امتلاك ذاكرة مثالية، لكن سيكون من المرعب أن يتم اختراقها وزرع ذكريات جديدة، أو لإخفاء الذكريات الموجودة والتلاعب فيها. وسيكون الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لجعلنا أكثر ذكاءً أمرًا رائعًا؛ لكن خلق ذكاء اصطناعي يمكن أن ينمو بشكل أكثر ذكاءً وقوة منا هو كابوس. لذلك أعتقد أنه من المهم جدا التعرف أكثر على تلك التكنولوجيا وبناء منظومة حماية قائمة على البحث العلمي العربي للتصدي لمخاطر تلك التكنولوجيا القادمة إلينا لا محال!

قم بكتابة اول تعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر بريدك الالكتروني في اللعن


*