موقف حماس ولجم القوة الاسرائيلية و نزاع القوى في إتفاق غزة

العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري

نجاح إتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة يرتبط بعوامل عديدة لها جذور سياسية وميدانية في النزاع المسلح بين حركة حماس من جهة وإسرائيل التي ينظر لها كطرف محتل غاشم وهو يتوقف على مدى جدية الضغط والتوازن العسكري لمنع قدرات حماس من الإستمرار بنفس الخطوات ولجم القوة الإسرائيلية من التوغل مجدداً في القطاع.

موقف حماس وسلاحها.

فقدت حماس العديد من قادتها في تنظيمها العسكري الميداني والسياسي في حربها , ولكنها مع ذلك نجحت في الحفاظ على تنظيم كتائبها ووحداتها العسكرية وتنظيم مهامها وتسلسل القيادة في أعمالها القتالية وإستخدام ما هو متاح لها من بنية تحتية عسكرية والتحرك في أنفاق مجهزة ومعدة بشكل جيد للتخفي والإنتقال بين مواقع عديدة داخل غزة , واستخدمت أساليب قتالية مبتكرة لعل ابرزها مهاجمة آليات العدو بشكل مباشر من مسافة الصفر في مشاهد بطولية جرئية تستحق الإشادة بها بإستخدام أسلحة مصنعة محلياً وعمليات عسكرية محدودة ( إغارة وكمائن وهجمات مفاجئة ).

موقف حماس خلال التفاوض.

لا تزال حماس ترى بأنه لا يجوز لإسرائيل إبقاء قوتها في المعابر والمناطق الأمنية التي حددتها وهذه تحول دون أن تكون لغزة ومن يتولى الحكم فيها سيادة كاملة على أرضها , وتطالب بخروج وإنسحاب إسرائيلي كامل أو قريب من ذلك مع وجود ضمانات دولية مؤكدة للمحافظة على وقف إطلاق النار وتنسيق إدخال كميات كبيرة المساعدات الإنسانية بدون توقف وخارج إطار تسييس الإجراءات الأمنية التي تفرضها في المعابر.

وترفض حماس التنازل والتفريط في سلاحها والتنازل عن أسلحتها الخفيفة اللازمة للدفاع الذاتي والتأمين المباشر مع الإبقاء على قدرة الرد في حال خرق الإتفاق وعدم تثبيته.

قوة حماس ونقاط ضعفها.

تكمن قوة حماس على قدرتها على الإنتشار المحلي والتحكم في الوضع داخل غزة مع تجذر علاقاتها بالمواطنين – وإن كانت تصريحات ومناشدات الغزاويين الأخيرة  تنكر وتحتج على ما قامت به حماس كونهم سببًا مباشراً في هذه الحرب وما حل بالقطاع من خراب ودمار – مع إستمرارية  قدرتها على الكر والفر والقتال على مدار اليوم وإستخدام شبكة الأنفاق السرية الكبيرة كممرات وملاجيء والقيام بتنفيذ هجمات صاروخية عشوائية من مواقع متعددة.

وأيضاً في سر وجودها برغم الضربات الجوية القوية وعمليات الإبرار الجوي وإنتشار العملاء وعمليات المخابرات وإمكانية تعبئة مقاتلين جدد في ظروف غير ملائمة.

وفي الجهة الأخرى لدى حماس بعض نقاط الضعف التي رصدت خلال هذه الحرب ومنها خسارتها الكبيرة لبعض القيادات الفاعلة فيها على المستوى العسكري والأمني والمعدات الثقيلة التي فقدتها وفقدانها كذلك للعديد من مراكز القيادة والسيطرة التي ساهمت في تنظيم العمليات.

ولا ننسى أيضا أن الضغط الإسرائيلي المتواصل مع العمليات الإستخبارية وتزايد الضربات الجوية أفقدها العديد من الموارد التي أستخدمتها في بداية الحرب وأصبحت تنخفض تدريجيا لعدم توفر مخزون لحرب طال أجلها مع قطع طرق أمدادها ومواصلاتها ورصد حركة قادتها وأفرادها مع محاصرة مناطق نشاطها العملياتي وتدمير أغلبها وتهجير سكان غزة حاضنتها الشعبية وهذه أثرت سلبيا في التزود  بالمؤن والذخائر وجعل الأمر غاية في الصعوبة خاصة مع طول مدة الحصار الخانق و إكتشاف وتدمير أجزاء كبيرة من شبكة الأنفاق.  

مدى تقييد ولَجم القوة الإسرائيلية في الإتفاقِ.

  • يشترط اتفاق وقف إطلاق النار أن يكون الطرفين خاضعين لآليات المراقبة ( الإشراف والرصد ) من الوسطاء الدوليين لمنع معاودة أعمال القتال في المناطق المتفق عليه , مع إلزام القوات الإسرائيلية بالإنسحاب من بعض المناطق المتنازع عليها والتي سيطرت عليها أو على الأقل خلال هذه المرحلة وتقليل التواجد العسكري والتمركز الدائم فيها.
  • ممارسة الضغوط السياسية الدولية من الوسطاء لفتح المعابر وتسريع إدخال المساعدات مع ضمانات بعدم خرق الإتفاق والإلتزام بما تم التوقيع عليه.
  • إلتزام المنظمات الدولية ووسائل الإعلام والرأي العام بمراقبة أي انتهاك للاتفاقِ يمكن أن يجر تكاليف سياسية ودبلوماسية كبيرة على إسرائيل إذا ما تجاهلَت الالتزام بما ورد في الإتفاق.
  • في حال إمتثال حماس بشروط وقف إطلاق النار فإن هناك بنود مستقبلية ضمن مراحل تنفيذه تلزم اسرائيل بمتابعة التزاماتها في توقف عملياتها أو تقييد تواجدها في القطاع.   
  • في حالة قيام الجانب الاسرائيلي بخرق تنفيذ الإتفاق من الممكن ان يعود القتال وإستخدام العنف وهذا الوضع يفرض على القوة العسكرية تكبد تكاليف الخسائر ومسؤلية التأخير في الإلتزام بالتنفيذ.

أوضاع القوى بعد الاتفاق.

المعادلة العسكرية تؤكد التفوق الإسرائيلي بفارق كبير جداً ومع ذلك قارعتها حماس بأقل الأعتدة المصنعة محلياً وزرعت الخوف في قلوب جنودها ومواطنيها ومرغت أنفها المتعالي في طين مستوطنات غلاف غزة وبرغم خسائرها الجسيمة لا تزال لاعبًا رئيسيًا وفاعلاً ميدانياً وفكراً تجذر في العقول خاصة وأنها تعتبر منذ تأسيسها عموداً من أعمدة المقاومة الفلسطينية المسلحة مع إستعدادها السياسي للمناورة والتفاوض بحسب ظروف المواقف.

وتبقى إسرائيل برغم آلتها العسكرية المتفوقة مقيدة بدرجة كبيرة لإمكانية الإستمرار في العمليات العسكرية الكبيرة دون مبررات قوية دولية وسياسية، وتحت ضغط التّكاليف وفاتورة الحرب الباهضة الى جانب الخسائر والتداعيات الأمنية التي ستخضعها لأي دعوة لوقف اطلاق النار مهما كان الأمر فلا أحد يستطيع مجاراة دفع تكاليف حرب طال زمنها وتداخلت أهدافها.

فقدت غزة الكثير وكانت ضحية مباشرة لحرب غابت فيها كل مظاهر الحياة وهي برغم كل شيء المستفيد الأكبر من وقف اطلاق النار الذي رحبت وفرحت به بعد معاناتها المريرة من حرب كتبت عليها ولم تكن مستعدة لها لكنه القدر وسوء التصرف. 

قد يكون الخيار المستقبلي تثبيت هذا الإتفاق برضى تام لمصلحة البقاء الآمن للطرفين , وقد يكون مقابل ضغوط من كليهما لتحافظ حماس على ما تبقى من قدراتها القتالية , وتقلل إسرائيل من تداعيات الخرق الأمني الكبير الذي تعرضت لهم في أكتوبر2023 والذي انتقمت له بشكل جنوني , مع أن إحتمالية تجدد الصراع تبقى قائمة على إعتبار أن الصراع العربي الصهيوني صراع وجود تاريخي حتى وأن توفرت الضمانات مرحليا بوقفه.