أزمة “باتريوت”: كيف وضعت واشنطن سويسرا في مأزق مالي ودفاعي؟

أعلنت سويسرا، في 1 أبريل/ نيسان 2026، تمسكها بقرار تعليق المدفوعات المتعلقة بصفقة الاستحواذ على منظومة الدفاع الجوي الأمريكية “باتريوت” (Patriot). جاء هذا التأكيد إثر خطوة أمريكية أحادية الجانب تمثلت في إعادة توجيه أموال سويسرية -كانت مخصصة أساساً لبرنامج مقاتلات “إف-35” (F-35)- لتغطية تكاليف شراء الـ”باتريوت”، مما يكشف عن استمرار دوران العجلة المالية الأمريكية رغم التجميد السويسري.

وتأتي هذه التطورات على خلفية قرار واشنطن إعادة ترتيب أولويات تسليم المنظومة لدعم أوكرانيا، وهو ما أُبلغت به برن في يوليو/ تموز 2025، مما أدى إلى تراجع ترتيب سويسرا في طابور الإنتاج، والإطاحة بجدول التسليم الأصلي المقرر بين عامي 2026 و2028.

إخلال بالتعاقد وخيارات صعبة

تعتبر السلطات السويسرية هذا التغيير في الأولويات مساساً جوهرياً بإطار العمل التعاقدي، وهو ما دفعها لتعليق المدفوعات في خريف 2025 وسط ضبابية تكتنف الجداول الزمنية للتسليم، ومراحل الدفع، والتكلفة الإجمالية للبرنامج. وفي هذا السياق، جرى إحاطة المجلس الفدرالي السويسري رسمياً بتفاصيل الأزمة في 1 أبريل/ نيسان 2026، لتجد الحكومة نفسها أمام ثلاثة خيارات مطروحة بوضوح: المضي قدماً بشروط مُعدلة، أو إعادة التفاوض على البنود الأساسية، أو اللجوء -للمرة الأولى- إلى الإلغاء الكامل للعقد.

يُذكر أن صفقة “باتريوت”، البالغة قيمتها 2.1 مليار دولار، أُقرت عام 2022 ضمن برنامج (Air2030)، وشملت الاستحواذ على 5 وحدات نيران تضم 17 منصة إطلاق، وصواريخ اعتراضية من طراز (GEM-T)، ورادارات، وأنظمة قيادة. وقد نُفذت هذه الصفقة عبر نظام “المبيعات العسكرية الأجنبية” (FMS) الذي تُديره الحكومة الأمريكية مركزياً. ورغم أن نافذة التسليم حُددت مسبقاً لتفادي أي فجوة دفاعية مع تقادم المنظومات السويسرية، إلا أن تمرير الصفقة جاء بأغلبية ضئيلة جداً (50.1% وبفارق 8,670 صوتاً فقط)، مما يعكس حجم التخوفات الداخلية آنذاك بشأن التكلفة، والحياد، والارتهان للموردين الأجانب. وقد أثبتت الأيام صواب بعض هذه المخاوف؛ فالإطار التعاقدي يتسم بعدم التكافؤ، حيث تضخ سويسرا أموالها في نظام أمريكي يخلو من أي شروط جزائية أو تعويضات ملزمة في حال التأخير أو تغيير الأولويات من طرف واحد.

فخ “صندوق الائتمان” الأمريكي

حوّلت سويسرا بالفعل ما بين 650 و750 مليون فرنك سويسري إلى البرنامج، دون وجود ضمانات واضحة لاستردادها في حال الإلغاء، مما يجرد برن من ورقة ضغط حاسمة. وقد تحولت هيكلية “صندوق ائتمان المبيعات العسكرية الأجنبية” (FMS Trust Fund) إلى بؤرة للنزاع؛ حيث تُجمع الأموال السويسرية المخصصة لعدة برامج (مثل باتريوت، ومقاتلات F-35A، وصيانة أسطول F/A-18) في وعاء واحد تديره واشنطن. وخلال الأشهر الأخيرة، اقتطعت السلطات الأمريكية مئات الملايين من الفرنكات المخصصة لمقاتلات “إف-35″، ووجهتها لسد نفقات الـ”باتريوت”، متجاوزةً بذلك قرار التجميد السويسري.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طالبت واشنطن بمساهمات إضافية للحفاظ على سيولة الصندوق، محتفظة بصلاحيات التنفيذ، والجدولة، وإدارة المدفوعات بالكامل. هذا الوضع يعرض سويسرا لخطر مالي عابر للبرامج، حيث يمكن أن يؤدي العجز في أحدها إلى الإضرار بالبقية. ورداً على ذلك، أطلقت وزارة الدفاع السويسرية مساراً موازياً للبحث عن منظومة دفاع جوي بديلة بعيدة المدى، مشترطةً أن يكون إنتاجها في أوروبا للتحرر من قيود سلاسل التوريد الخاضعة للسيطرة الأمريكية.

انفلات التكاليف وتأثير الدومينو

يعكس تجميد المدفوعات محاولة سويسرية لفرض انضباط مالي، بيد أن التكلفة الإجمالية للبرنامج آخذة في الانفلات؛ فبعد أن كانت التقديرات الأولية تقل عن ملياري فرنك، تشير التوقعات الحالية إلى قفزة بنسبة 50% لتقترب من 3 مليارات فرنك. ورغم التجميد، تستمر واشنطن في المطالبة بمزيد من الأموال. وقد أدركت سويسرا وجود حد أدنى حرج لسيولة “الصندوق الائتماني”، محذرة من أن استنزافه قد يؤدي إلى تعليق أو حتى إلغاء كافة البرامج السويسرية، بما فيها صفقة مقاتلات (F-35A) البالغة قيمتها 7.5 مليار دولار. ولدرء هذا الخطر، اضطرت برن في أواخر مارس/ آذار 2026 لدفع مبلغ يقدر بعشرات الملايين من الفرنكات لصالح برنامج مقاتلات (F-35A) لإنقاذ سيولة الصندوق، بالتزامن مع تخفيض طلبيتها من هذه المقاتلات من 36 إلى 30 طائرة تحت وطأة الضغوط المالية.

تأخيرات غير مسبوقة ونظرة نحو أوروبا

امتدت تأخيرات التسليم لتبلغ مستويات مقلقة بعد إعطاء واشنطن الأولوية لأوكرانيا، ومؤخراً لتلبية المتطلبات العملياتية الناتجة عن الحرب مع إيران، فضلاً عن الاستهلاك العالي لصواريخ “باتريوت” في الشرق الأوسط. وتُشير التقديرات الداخلية الآن إلى تأخير لا يقل عن 4 إلى 5 سنوات، مما يعني أن دخول المنظومة للخدمة الفعلية قد لا يتحقق قبل عام 2034.

هذا العجز عن تحديد عواقب الإلغاء يحد من قدرة سويسرا على المناورة. وفي غضون ذلك، أرسلت برن طلبات رسمية للحصول على معلومات من موردين محتملين لأنظمة بديلة تُصنع في أوروبا، مقتدية بتجارب دول مثل بولندا في تنويع مصادر تسليحها. وتترقب الأوساط الدفاعية أن تقدم الولايات المتحدة جداول زمنية وتحديثات جديدة للتكاليف خلال الأسابيع القليلة المقبلة، في حين يُنتظر أن يتخذ المجلس الفدرالي السويسري قراره النهائي والحاسم بشأن مستقبل “باتريوت” بحلول صيف 2026، وهو قرار سيرسم حتماً شكل التوازن بين الاحتياجات العملياتية السويسرية وسيادتها الصناعية والدفاعية.