يقترب العراق من إتمام واحدة من أضخم صفقات التسليح في تاريخه الحديث، إذ تتجه بغداد نحو توقيع عقد لشراء 14 طائرة مقاتلة من طراز رافال إف 4 الفرنسية، بقيمة إجمالية تُقدَّر بنحو 3 مليارات دولار، في خطوة قد تُعيد رسم خريطة التوازن الجوي في منطقة الشرق الأوسط.
كشف عن هذه التطورات موقع “أفيون ليجوندير” الفرنسي المتخصص في الطيران العسكري، في 16 من ديسمبر/كانون الأول 2025، مشيراً إلى أن المفاوضات التي انطلقت عام 2022، واستُؤنفت في فبراير/شباط 2025، دخلت مراحلها الأخيرة، مع توقعات بإتمام الاتفاق في النصف الأول من عام 2026.
تفاصيل الحزمة المتفاوض عليها
تشمل الصفقة 14 طائرة رافال إف 4 من الإنتاج الجديد، موزّعة بين 10 طائرات أحادية المقعد من طراز رافال C، و4 طائرات مزدوجة المقعد من طراز رافال B، وفق ما أكدته مصادر متعددة من بينها “آرمي ريكوجنيشن” و”أيروتايم” و”ناشيونال إنترست”.
وتُشير التقارير إلى أن العراق سدَّد دفعةً أولى تُقدَّر بنحو 240 مليون دولار، في مؤشر واضح على الجدية والالتزام بإتمام الصفقة، رغم ما تواجهه من تعقيدات دبلوماسية وتمويلية. وتتداول بعض المصادر صيغة “نفط مقابل طائرات” كآلية للتسوية المالية بين الطرفين.
وتتضمّن حزمة الأسلحة المقترحة منظومات جوية متطورة، أبرزها صاروخ ميكا إن جي وصاروخ ميتيور بعيد المدى للاشتباك الجوي، إضافةً إلى ذخائر أسام 250 وأسام 1000 للضربات الأرضية الدقيقة.
عقبة الميتيور والضغط الإسرائيلي
أثارت إسرائيل اعتراضات جدية على تزويد العراق بصواريخ ميتيور بعيدة المدى، وذلك وفقاً لما رصده “ناشيونال إنترست”، إذ ترى تل أبيب أن امتلاك بغداد لهذه الأسلحة يُخل بمعادلات التوازن الإقليمي.
يُمثّل هذا الملف أحد أبرز نقاط الاحتكاك في مسار التفاوض؛ غير أن المسؤولين العراقيين يُصرّون على اقتناء الحزمة الكاملة بمعايير إف 4، بما فيها منظومات التسليح المتقدمة، رافضين أي تخفيضات في الكفاءات القتالية، وهو المسار ذاته الذي أوصل القوة الجوية العراقية إلى وضعها الراهن من القصور التشغيلي.
لماذا رافال ولماذا الآن؟
تكشف التقارير أن العراق نظر في خيارات بديلة، من بينها طائرة JF-17 Thunder الباكستانية، قبل أن تترجّح كفة رافال الإف 4 بفضل قدراتها التكنولوجية المتفوقة وعمق الشراكة الاستراتيجية مع باريس.
تُعدّ طائرة رافال إف 4، المصنَّعة من قِبَل شركة داسو للطيران، من أرقى المقاتلات الأوروبية متعددة المهام في الجيل الحالي، إذ تحمل رادار RBE2 AESA المطوَّر، ومنظومة الحرب الإلكترونية SPECTRA المتقدمة، مع تحسينات جوهرية في الاتصالات وتبادل البيانات التكتيكية مقارنةً بإصدارات رافال السابقة.
ويمتلك الطيارون العراقيون خبرة ميدانية بهذه الطائرة، إذ تدرَّبوا على قدراتها خلال عمليات مشتركة مع القوات الفرنسية في إطار “عملية شامال”، مما يُقلّص وقت الإعداد التشغيلي بعد التسليم، ويُعطي الصفقة بُعداً تشغيلياً لا مجرد حيازة معدات.
القوة الجوية العراقية الحالية: قصور هيكلي متراكم
تعتمد القوة الجوية العراقية حالياً على أسطول من نحو 34 إلى 36 طائرة F-16IQ من طراز بلوك 50/52، يُعاني من قيود عملياتية متراكمة؛ إذ تُفيد تقارير “ميليتارني” و”دفنس سيكيوريتي آسيا” بأن هذه الطائرات تفتقر إلى صواريخ جو-جو فعّالة، وتعمل بأجهزة إلكترونيات وحرب إلكترونية متقادمة، ويعود ذلك جزئياً إلى قيود فُرضت مراعاةً للاعتبارات الأمنية الإسرائيلية.
كشفت التطورات الأمنية الإقليمية في عام 2026 عن الهشاشة الكامنة في هذا الوضع، مما ضاعف الضغوط على بغداد للتحرك العاجل نحو تحديث منظومتها الجوية، لا سيما في ظل انتهاكات متكررة للمجال الجوي العراقي تكشف عن غياب الردع الفعلي.
وفي سياق تعزيز طبقات الدفاع الجوي، وقَّع العراق في سبتمبر/أيلول 2024 عقداً بقيمة 2.8 مليار دولار مع الشركة الكورية الجنوبية LIG Nex1 لاستيراد 8 بطاريات من منظومة KM-SAM (تشيونغونغ-2) للدفاع الجوي متوسط المدى، تبدأ تسليماتها الأولى مطلع 2026، في مؤشر على استراتيجية تحديث شاملة تمتد من الردع الجوي إلى الدفاع الأرضي.
الأبعاد الاستراتيجية: ما وراء الأرقام
تتخطى أهمية هذه الصفقة حدود الاستحواذ التقني، لتنعكس مباشرةً على معادلات القوة الإقليمية. يُرسي امتلاكُ العراق لرافال إف 4 المزوَّدة بصواريخ ميتيور معادلةً جوية جديدة تُعقِّد حسابات الفاعلين الإقليميين الذين اعتادوا التحرك في المجال الجوي العراقي بحرية شبه تامة.
ومن منظور فرنسي، تندرج هذه الصفقة ضمن استراتيجية باريس لتوسيع حضورها الدفاعي في الشرق الأوسط، مستندةً إلى النجاح الكبير الذي حققته صفقة الإمارات الإماراتية بـ80 طائرة رافال عام 2021، والتي أرست سابقة كونت أولى دول تستورد رافال إف 4 خارج فرنسا.
تُمثّل صفقة رافال الإف 4 المحتملة، وفق “دفنس سيكيوريتي آسيا”، نقطة تحوّل هيكلية في مسيرة إعادة بناء القوات العراقية منذ عام 2003، وإعلاناً استراتيجياً بأن بغداد لم تعد راضيةً بالاعتماد الأحادي على منظومات تقيَّد قدراتها بإرادة طرف ثالث.
التحديات المتبقية على الطريق
تواجه الصفقة جملة من التحديات العملية؛ يأتي في مقدمتها إدماج رافال إف 4 في الهيكل التشغيلي للقوة الجوية العراقية، وهو ما يستلزم تحديثات لوجستية واسعة، وبرامج تدريب مكثفة، وشراكات صيانة طويلة الأمد مع الجانب الفرنسي.
كما تبقى الترتيبات التمويلية عاملاً محورياً، فيما تظل الضغوط الدبلوماسية المتعلقة بمنظومة الأسلحة بنداً مفتوحاً قد يُؤثّر على الصيغة النهائية للاتفاق. ومع ذلك، يُشكّل الزخم المتصاعد في المفاوضات، والدفعة الأولى المُسدَّدة، والإطار الزمني المُعلن، مؤشرات قوية على أن الصفقة باتت أقرب إلى الإتمام من أي وقت مضى.






