نشر الجيش الأمريكي مركبات الدفاع الجوي قصير المدى “سارجنت ستاوت” (SGT STOUT) لإبقاء وحدات المدفعية الميدانية فاعلة في المعركة، في وقت تهدد فيه المسيّرات المعادية بكشف مواقع الهاوتزر وتعريضها لضربات سريعة. وخلال مناورات (Saber Junction 26) في ألمانيا، وفّرت المنظومة حماية للمدفعية المحمولة جواً ضد أنظمة جوية مسيّرة افتراضية، في تجربة أظهرت كيف يمكن لأنظمة مكافحة المسيّرات أن تسهم في الحفاظ على وتيرة إطلاق النار وتقليل الحاجة إلى التنقل المستمر.
حماية المدفعية من سلسلة الاستطلاع والاستهداف
تكمن الأهمية الميدانية لهذا التطور في أن المدفعية، في حروب المسيّرات الحديثة، لا تحتاج إلى أن تكون هدفاً مباشراً لطائرة مسيّرة كي تصبح في خطر. فمسيّرة استطلاعية صغيرة ترصد موقع إطلاق نار يمكنها نقل إحداثياته إلى سلسلة استهداف تعتمد على المدفعية أو الذخائر المتسكعة أو أنظمة الضربة الدقيقة، ما يقلّص بشكل حاد الوقت المتاح للأطقم لإتمام مهمتها والانتقال. وقد أكدت دروس الحرب في أوكرانيا مدى السرعة التي يمكن بها تحويل استطلاع المسيّرات إلى معلومات استهداف، وهو ما يفرض على وحدات المدفعية الجمع بين التنقل والتمويه والحماية الفعالة من أجل البقاء. ولذلك اختبرت مناورات (Saber Junction 26) منظومة “سارجنت ستاوت” ليس كسلاح دفاع نقطي تقليدي، بل كمنظومة قادرة على تعطيل سلسلة الاستطلاع والضربة قبل أن تجبر المدافع على التحرك، ما يمنح قادة المدفعية وقتاً إضافياً لإتمام مهامهم وتفادي عمليات انتقال غير ضرورية.

“سارجنت ستاوت”: دفاع متنقل بمنظومة استشعار وتسليح متكاملة
“سارجنت ستاوت” هي مركبة الدفاع الجوي قصير المدى للمناورة (M-SHORAD سابقاً) القائمة على منصة “سترايكر” (Stryker) التابعة للجيش الأمريكي، وطُوّرت لإعادة إحياء قدرة الدفاع الجوي قصير المدى المتنقل ضمن تشكيلات المناورة. ويشمل تسليحها مدفعاً آلياً من عيار 30 ملم طراز XM914، وصواريخ أرض-جو “ستينغر” (FIM-92 Stinger)، ورشاشاً محورياً من عيار 7.62 ملم طراز M240، إلى جانب أربعة أجهزة استشعار رادارية متعددة الاتجاهات وأخرى كهروبصرية وأشعة تحت حمراء تساعد الأطقم على كشف الأهداف الجوية وتتبعها والاشتباك معها بشكل مستقل. وخلال(Saber Junction 26)، عزّزت تغطية رادار “سنتينل” هذه القدرة الذاتية، ما شكّل ترتيباً متعدد الطبقات يتيح كشف المسيّرة قبل وصولها إلى موقع الإطلاق، بدلاً من اكتشافها فقط بعد أن يراها الجنود فوق رؤوسهم.

معضلة التكلفة: صاروخ باهظ في مواجهة مسيّرة رخيصة
يزداد خطر هذه التهديدات لأن الطائرات المسيّرة الرخيصة يمكنها إحداث تأثيرات تفوق قيمتها الشرائية بكثير؛ إذ يكفي أن تجبر مسيّرة استطلاعية صغيرة بطارية مدفعية على التوقف أو الانتقال قبل الأوان لتحقق نتيجة ذات قيمة تكتيكية، دون الحاجة إلى تدمير الهاوتزر نفسه. وهذه هي المعضلة المحورية في معادلة التكلفة التي تواجه قوات مكافحة المسيّرات في الجيش الأمريكي، إذ لا يمكن للقادة التعامل مع كل طائرة رباعية المروحيات رخيصة الثمن كهدف يبرر تلقائياً استخدام صاروخ “ستينغر” الباهظ ومحدود العدد. ويساعد المدفع من عيار 30 ملم على معالجة هذا الخلل بمنح المدافعين الجويين خياراً حركياً أقل تكلفة، لكن المشكلة الأوسع تتطلب، وبشكل متزايد، الجمع بين الحرب الإلكترونية والكشف بالترددات اللاسلكية والرادار والأسلحة الآلية وأصناف متعددة من الصواريخ الاعتراضية، بحيث يتمكن القادة من مواءمة الاستجابة مع نوع التهديد، خصوصاً في مواجهة الأنظمة الجوية المسيّرة الصغيرة من المجموعتين الأولى والثانية.

أثر مباشر على وتيرة النيران وقوة اللواء القتالية
لا يُقاس مردود هذه المنظومة بعدد المسيّرات المدمَّرة وحده، فالإنذار المبكر يمنح القادة وقتاً إضافياً لتحديد ما إذا كان التهديد يقترب من البطارية أو يتعيّن على المدافع الاستعداد للانتقال، وهو ما يقلّص الحاجة إلى التحرك المستمر الذي يقاطع إطلاق النار ويستهلك الوقود ويعقّد إعادة تزويد الذخيرة. وبذلك تصبح “سارجنت ستاوت” جزءاً من بنية أوسع لبقاء المدفعية، إلى جانب التمويه والتشتت وتكتيكات “أطلق وانسحب”، بهدف تقليص عدد المرات التي تستطيع فيها مسيّرة رخيصة أن تفرض توقّف تشكيل مدفعي أكثر قيمة بكثير عن العمل. وتعكس مناورات “سيبر جنكشن 26” تطوراً أوسع في عقيدة مكافحة المسيّرات لدى الجيش الأمريكي، مع تزايد استخدام الدفاع الجوي المتنقل قصير المدى لحماية وظائف قتالية محددة كالمدفعية، شديدة التعرّض للمراقبة الجوية المستمرة. وبالنسبة لقوات الجيش الأمريكي وحلف الناتو المستعدة لخوض قتال عالي الشدة في أوروبا، كلما طالت الفترة التي تبقى فيها المدفعية متصلة ومحمية وقادرة على إطلاق النار، ازدادت القوة القتالية التي يمكن للواء توليدها.






