في خطوة لافتة تعكس مسار إعادة هيكلة قدراتها الدفاعية، كشفت أرمينيا خلال العرض العسكري الذي أُقيم في العاصمة يريفان بمناسبة عيد الاستقلال، في 28 من مايو/ أيار 2026، عن نسخة مُطوَّرة من منظومة الدفاع الجوي الإيرانية قصيرة المدى «ماجد AD-08»، في أول ظهور لهذا التعديل خارج الأراضي الإيرانية. وقد تضمّن العرض ما لا يقل عن مركبتَين مزوّدتَين بالمنظومة المحدّثة، تجمع تهيئتهما بين منظومة التوجيه الكهروضوئي المعتادة ورادار مسطّح الصفيف مُركَّب على منصة الإطلاق، في تحديث جوهري يُوسّع نطاق قدرات الكشف والاشتباك في مواجهة الأهداف صعبة التتبع وفي ظروف الرؤية المحدودة.
وتُعدّ هذه التهيئة غير مسبوقة مقارنةً بالنسخة الأصلية من «ماجد» التي كشف عنها الجانب الإيراني في أبريل/ نيسان 2021، والتي اعتمدت كلياً على الاستشعار السلبي القائم على كاميرات نهارية ومصوّرات حرارية ومقياس ليزري لتحديد المسافات، دون الاستعانة برادار نشط. وتُشير التهيئة الأرمنية، وفق ما رصده المحللون المتخصصون على منصة «إكس»، إلى نسخة أكثر اكتمالاً قد تحمل طابعاً تصديرياً، تُعالج القيود المرتبطة بالأحوال الجوية السيئة والأهداف ذات البصمة المنخفضة ومحدودية مجال الرؤية للأجهزة الكهروضوئية؛ إذ يُضطلع الرادار المُضاف بدور الكشف وإحالة البيانات إلى منظومة التوجيه الكهروضوئي، لا بتوجيه الصاروخ الذي يحتفظ بنمط التوجيه بالأشعة تحت الحمراء في مرحلته الأخيرة.
المواصفات التقنية والأداء التشغيلي
وتُحدّد المواصفات الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الإيرانية مدى اشتباك المنظومة بين 0.7 و8 كيلومترات، وارتفاع الاشتباك بين 0.2 و5 كيلومترات، مع قدرة على التعامل مع أربعة أهداف في آنٍ واحد.
وتتضمن المنظومة في تهيئتها الكاملة: منظومة الكشف والتتبع الكهروضوئية «AD-08STO»، ومنظومة القيادة والسيطرة على النيران «AD-08CC»، ومنصة الإطلاق «AD-08L»، وصاروخ الاعتراض «AD-08». ويبلغ طول الصاروخ 2,670 ملم، وقطره 156 ملم، ووزنه الإجمالي 75 كيلوغراماً، فيما يبلغ وزن رأسه الحربي 14 كيلوغراماً. ويُطلق الصاروخ من قاذفات مائلة الزاوية مُعتمِداً فتيلاً تقاربياً، فيما تكفل مسافة الاستحواذ البالغة 15 كيلومتراً — أي ما يقارب ضعف الحد الأقصى لمدى الاشتباك — توفيرَ هامش كافٍ لبناء مسارات رصد للأهداف قبل دخولها نطاق النيران.
وتكمن الميزة التشغيلية الأبرز للمنظومة في دورة اشتباكها السلبية؛ إذ لا يستلزم نظام التحكم في النيران ولا الصاروخ ذاته أي إضاءة رادارية نشطة، مما يحرم الطائرات والطائرات دون طيار المعادية من الإنذار المبكر بالقفل الراداري الاعتيادي، فضلاً عن تقليص تعرّض المنظومة للصواريخ المضادة للإشعاع وأساليب الحرب الإلكترونية. وقد كانت وحدات «ماجد» السابقة قادرةً على العمل جنباً إلى جنب مع رادار «كاشف-99» المتحرك ذي المصفوفة المتدرجة المرحلية، المُصمَّم لاستكشاف الأهداف الجوية الصغيرة وتتبع ما يصل إلى 300 هدف في آنٍ واحد. غير أن تركيب رادار مباشرةً على مركبة الإطلاق — كما بدا جلياً في العرض الأرمني — يُقلّص الاعتماد على منظومات الرادار الخارجية ويعزّز الاستقلالية التشغيلية للمركبة.
«ماجد» في المنظومة الدفاعية الأرمنية
يندرج «ماجد AD-08» ضمن بنية دفاع جوي أرمنية متعددة الطبقات تمتد من الحماية الواسعة النطاق وصولاً إلى الدفاع النقطي حول التجمعات العسكرية والبنى التحتية الحيوية؛ إذ يُكمّل المنظومةَ كلٌّ من «إس-300 بي إس» للدفاع الجوي بعيد المدى، و«تور-M2KM» قصير المدى، و«أكاش» الهندي الصنع. ويتحوّل مدى الاشتباك بين 0.7 و8 كيلومترات إلى درع دفاعية حقيقية في مواجهة الطائرات دون طيار التكتيكية والذخائر المتجولة والصواريخ الجوّالة وطائرات الاستطلاع منخفضة التحليق، وهي فئات الأهداف التي غالباً ما تُشكّل تحدياً للمنظومات الأكبر حجماً. وتمنح قدرة الاشتباك المتزامن بأربعة أهداف المنظومةَ مقاومةً أعلى لأساليب الإشباع المتعددة المسارات، فيما يُضيف الرادار المُدمج ثلاثي الحماس — إلى جانب التصوير الحراري والتوجيه بالأشعة تحت الحمراء — طبقات تكرارية من أدوات الاستشعار تُعزز الصمود حين يُعاق أحد أساليب الكشف.
وقد شهد العرض ذاته أيضاً أول ظهور علني لمدفعية «قيصر» الفرنسية ذاتية الدفع عيار 155 ملم في الخدمة الأرمنية، إلى جانب منظومة «إسكندر-إي» للصواريخ الباليستية، ودبابات «تي-72» الروسية، وراجمات «بي إم-30 سميرتش»، وأنظمة الدفاع الجوي «أوسا-أكيم»، وناقلات مدرعة متنوعة، ووسائل اقتناء مختلفة تراكمت على مدار العقد الماضي.
ويعكس هذا التنوع في المصادر استراتيجيةَ يريفان الرامية إلى تقليص الاعتماد على مورّد واحد وبناء دفاعات متحركة قادرة على التصدي لمنظومة التهديدات المتطورة، في ضوء الدروس المستخلصة من حرب ناغورنو قره باغ عام 2020 والمواجهات الحدودية اللاحقة.






