الهند – إسرائيل: من شراء الاسلحة الى الإنتاج المشترك

العميد م. ناجي ملاعب

من المسلّم به ان الهند تنوّع مصادر تسلحها ما بين روسيا وااوروبا والولايات المتحدة، لكن الملفت اتجاه الهند الى السلاح الإسرائيلي، وهذا الأمر ليس بجديد. أن أهم المشترين للسلاح من “إسرائيل” وفق معهد سيبري لعام 2019 هي ثلاث دول: الهند (46% من مبيعات “إسرائيل” العسكرية)، وأذربيجان (17%)، وفييتنام (8.5%)، أي أن الدول الثلاث تمثل ما مجموعه 71.5% من المبيعات الإسرائيلية.

كما جرى في العام 2020 توقيع اتفاق إسرائيلياهندي في مجال التسلح، حيث وقَّعت شركة “هندوستان للطيران Hindustan Aeronautics Limited” مذكرة تفاهم مع شركة “إلبت Elbit” لإنتاج مشترك لطائرات بدون طيار. وقدرت% 14من مشتريات الهند العسكرية في تلك الفترة من مصادر إسرائيلية.

وما يدفع الهند إلى تلك المصادر، أن إسرائيل احتلت بين 2005-2012 المرتبة الأولى عالمياً في حجم صادراتها من الطائرات المسيرة (بدون طيار)، وقدرت مبيعاتها بنحو 4.62 مليار دولار، كما أن إسرائيل تعد من بين الدول الأكثر إنتاجاً لنظم رادار تسمى قبة الطائرة المسيرة Drone dome تقوم باكتشاف الطائرات المسيرة وتحديد مكانها وتدميرها، وقد تخصصت شركة رفائيل Rafael الإسرائيلية في هذا النمط من الأسلحة.

أولا: أنواع الأسلحة الاسرائيلية المباعة للهند

1 – طائرات سكاي ستريكر SkyStrikerوهي طائرة قادرة على التحليق لمدة ساعتين وتحمل رأسا حربيا يزن حوالي 11 رطلا، وتم تصميمها للعمليات السرية، وقادرة على الطيران بسرعات عالية مع الحفاظ على توقيع صوتي منخفض.

2 – طائرات هيرميس:كما تتعاون الهند وإسرائيل لإنتاج طائرات هيرميس 450 وهيرميس 900 من خلال تطوير مشترك بين الدولتين.

3 – طائرات “هاروب”، وهي طائرة انتحارية من دون طيار، مصممة للتحليق فوق منطقة الهدف لفترات طويلة قبل أن تضرب، وتتمتع بمدى عملي يبلغ عدة مئات من الكيلومترات وتحمل حمولة متفجرة تزن حوالي 22 رطلا. ويمكن للطائرة التحليق لحوالي 6 ساعات، وتطير على ارتفاعات عالية فوق هدفها.

4 – صواريخ باراك: بالإضافة إلى الطائرات من دون طيار، حصلت الهند أيضا على صواريخ دفاعية من طراز باراك 8 Barak 8، والتي تم تطويرها بشكل مشترك بين إسرائيل والهند. تم دمج هذه الصواريخ في سفن البحرية الهندية، وتم تكييفها لاستخدامها من قبل سلاح الجو والجيش بموجب اتفاقية تعاون صناعي بقيمة 3 مليارات دولار. كما زودت إسرائيل الجيش الهندي بالآلاف من صواريخ سبايك المضادة للدبابات التي تصنعها شركة رفاييل.

ثانياً: الحروب المستمرة تدفع الى الإنتاج خارج إسرائيل والبوصلة نحو الهند

تتجاوز أهمية الهند كمصدر اولي لتوريد السلاح، الى اعتماد نيودلهي كخط إضافي لإنتاج الصواريخ الاعتراضية. فالعلاقة التي تكشفها الصناعات العسكرية الإسرائيلية معها تجاوزت منذ سنوات هذا النموذج، بعدما أصبحت المصانع الهندية جزءاً من سلسلة إنتاج منظومات يستخدمها الجيش الاسرائيلي نفسه. وتشير صحيفة «جيروزاليم بوست» إلى أن شركة «إلبيت» تنتج في الهند مسيّرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450»، وأن مكونات مصنعة هناك استُخدمت بالفعل في تجهيز سرب إضافي من مسيّرات سلاح الجو الإسرائيلي. ومع إنشاء خط محتمل لصواريخ القبة الحديدية، تتوسع وظيفة الهند إلى سوق كبيرة للسلاح الإسرائيلي.

وتأتي إقامة خطوط إنتاج في الهند في وقت تواجه فيه الصناعات العسكرية الإسرائيلية مشكلة أخرى، تتمثل في تزايد المعارضة السياسية لشراء السلاح المنتج في الداخل.

والتطور المنتظر في هذا المجال، ما أعلنته شركة رافاييل من خطة الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى توسيع إنتاجها خارج الأراضي المحتلة، بهدف بناء خطوط إنتاج يمكن الاعتماد عليها عند ارتفاع الاستهلاك خلال الحروب وتعثر قدرة المصانع المحلية على تلبية الطلب.

تكشف الخطوة التي تتفاوض عليها شركة «رافائيل» أن توسيع الإنتاج العسكري الإسرائيلي في الخارج لم يعد مرتبطاً بالوصول إلى أسواق جديدة فقط، بل بالحاجة إلى توفير قدرة إنتاجية احتياطية يمكن اللجوء إليها عند ارتفاع الطلب. فبحسب تقرير نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست»، تنتج الشركة حالياً صواريخ القبة الحديدية في أحد مصانعها شمال البلاد، فيما بدأ العام الماضي تشغيل خط إنتاج إضافي في الولايات المتحدة بالشراكة مع شركة «رايثيون»، يستطيع عند الحاجة دعم الإنتاج الإسرائيلي. واليوم، تسعى «رافائيل» إلى إضافة الهند إلى هذه الشبكة، عبر إنشاء خط جديد يخفض تكاليف الإنتاج ويوفر مصدراً إضافياً للصواريخ في حال تعرضت خطوط الإنتاج الأخرى لضغط متزايد.

فبعد إنشاء خط لإنتاج صواريخ القبة الحديدية في الولايات المتحدة، تتفاوض شركة «رافائيل» اليوم لإقامة خط آخر في الهند، فيما تنتج شركة «إلبيت سيستمز» بالفعل طائرات مسيّرة هناك وتستخدم مكونات مصنّعة هندياً لدعم سلاح الجو الإسرائيلي.

ويأتي هذا التوسع بعدما رفعت الحرب على إيران استخدام منظومات الدفاع الجوي، حتى في مهام لم تُصمم لها أساساً، وفي وقت تواجه فيه صادرات السلاح الإسرائيلية معارضة سياسية متزايدة. فلماذا تحتاج اسرائيل إلى توزيع إنتاج منظوماتها العسكرية بين عدة دول؟ 

أهمية هذا التوسع تزداد عند النظر إلى حجم الضغط الذي فرضته الحرب الأخيرة على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية. إذ تقر «جيروزاليم بوست» بأن إطلاق الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أدى إلى زيادة استخدام منظومة القبة الحديدية خلال الحرب، بما في ذلك في مواجهة تهديدات لم تُصمم المنظومة أساساً للتعامل معها.

وهكذا، لم تعد المسألة مرتبطة بزيادة حجم الإنتاج بهدف التصدير فقط، بل بقدرة الصناعات العسكرية الإسرائيلية على تعويض ما تستهلكه الحروب المتوسعة والمتزامنة. فكلما اتسعت الجبهات وطالت مدة المواجهة، ارتفعت الحاجة إلى صواريخ اعتراضية وقطع الغيار. ومن هنا، فإن إنشاء خطوط إنتاج إضافية في الولايات المتحدة والهند مؤشر على أن الإسرائيلي يحتاج إلى قاعدة صناعية أوسع من تلك التي يمتلكها داخل الأراضي المحتلة.

ثالثاً: المسيرات القتالية في مهام “القتل المستهدف” – هل من قيود عالمية

أن تكون إسرائيل الدولة التي تفوقت في انتاج وبيع المسيرات القتالية وتطمح الى الإنتاج العسكري من هذه النظم في دول أخرى، وتتطلع اليها الدول الأخرى لشراء هذه التقنيات والأنظمة. فهي لا تعير اهتماما للقوانين الدولية، ودليلنا ما نفذته من المهام القتالية الدقيقة بواسطة الطائرة من دون طيار بعد تزودها بالأسلحة الصاروخية، من اغتيالات ومهاجمة مواكب واصطياد أشخاص على الطرقات، الى تنفيذ تفجير عن بعد لأماكن أو استهداف مركبات عسكرية أو مدنية، واستخدمتها في حروبها سواء في إيران أو غزة أو لبنان مؤخراً، فهل يجوز اغفال الأمم المتحدة لدراسة وانتاج قوانين دولية توقف هذا الأسلوب المنافي لقوانين الحرب الأربعة بالتناسب في استخدام الوسائل.

اسرائيل “أصبحت أول دولة تتقن فن القتل المستهدف”، الذي أصبح الآن “المعيار العالمي في الحرب على الإرهاب”. فالقتل المستهدف أو الاغتيال مثير للاهتمام فقط لأنه يلقي الضوء على مزيج من “التكنولوجيا المتطورة والذكاء العالي الجودة، وأفضل العقول الإسرائيلية وألمعها”.

هذه الاستراتيجية العسكرية للكيان الإسرائيلي نقرؤها في كتاب “عرّافو السلاح: كيف صارت إسرائيل قوة عسكرية عظمى عالية التقنية” THE WEAPON WIZARDS: How Israel Became a High-Tech Military Superpower  صفحة 288؛ منشورات سانت مارتن)، وفيه يحكي الصحافيان الإسرائيليان ياكوف كاتز وأمير بوهبوت قصة هذا التحول، ويقدّمان وصفًا حيًا لبراعة الجيش الإسرائيلي المتطورة، منذ الأيام الأولى لعمل القوات شبه العسكرية اليهودية في ظل الانتداب البريطاني، وحتى ظهور إسرائيل في الآونة الأخيرة، بوصفها مصدّرًا لنحو 60 في المئة من الطائرات بلا طيار في العالم، ومن الأقمار الصناعية وأنظمة الدفاع الصاروخي والدروع التكيفية والأسلحة السيبرانية. يضيف كاتز وبوهبوت وكل ثقة “أن إسرائيل تبدّل الطريقة التي تخاض بها الحروب في جميع أنحاء العالم”.