تركيا ومصر تفتحان قناة رسمية للتعاون الصناعي الدفاعي في تحول لافت بالعلاقات الثنائية

فتحت تركيا ومصر قناة رسمية للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية، بعدما استضافت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB) وزير الدفاع والإنتاج الحربي المصري، الفريق أشرف سالم زاهر، في زيارة إلى أنقرة شكّلت محطة بارزة في مسار التقارب بين البلدين.

وأوضح رئيس الصناعات الدفاعية التركية، البروفيسور هالوك غورغون، أن الجانبين بحثا خلال اللقاء فرص التعاون في مجال الصناعة الدفاعية، إلى جانب سبل تطوير القدرات المشتركة. واختُتم الاجتماع بتوقيع مذكرة نوايا يُتوقع أن تُشكّل الإطار الناظم للتعاون بين الجانبين في المرحلة المقبلة.

ويضع هذا الإعلان رئاسة الصناعات الدفاعية في صميم مرحلة جديدة من التقارب التركي المصري، لا تقتصر على الجانب الشرائي فحسب. فإشارة غورغون إلى تطوير القدرات المشتركة تفتح الباب أمام أجندة صناعية أوسع، قد تشمل التخطيط الإنتاجي، والتعاون التقني، والدعم اللوجستي، وتوريد الأنظمة الفرعية، والذخائر، ودمج المنصات، وإدارة البرامج طويلة الأمد.

هذا البعد المؤسسي يمنح الزيارة طابعاً صناعياً دفاعياً واضحاً. فالتطبيع السياسي بين أنقرة والقاهرة قد قطع أشواطاً متقدمة بالفعل، كما شهد التواصل العسكري بين الجانبين تصاعداً ملحوظاً في الفترة الأخيرة. ويضيف مسار رئاسة الصناعات الدفاعية طبقة ثالثة إلى هذه العلاقة، هي طبقة التخطيط الصناعي الدفاعي، والتي إذا ما تعمّقت، فقد تنقل العلاقة من مرحلة الإصلاح الدبلوماسي إلى مرحلة التعاون العملي في بناء القدرات.

وينبغي قراءة مذكرة النوايا بوصفها وثيقة إطارية مبكرة، لا حزمة تعاقدية نهائية، إذ لا تُحدد حتى الآن برامج بعينها، أو كميات، أو جداول تسليم، أو أدوارًا صناعية محددة. وتكمن أهميتها في إنشاء قناة رسمية يمكن من خلالها للمؤسستين الدفاعيتين في البلدين تقييم المشاريع المستقبلية.

ويحمل توقيت الزيارة دلالة إضافية، إذ جاءت عقب فترة من التواصل العسكري الملموس بين البلدين. فقد نفّذت تركيا وأذربيجان ومصر مؤخراً تدريب «العقبان الثلاثة» في قونيا، فيما أجرت القوات الخاصة التركية والمصرية تدريبات عملياتية مشتركة في مصر ضمن إطار «النسر الذهبي». وعلى الرغم من أن هذه الأنشطة لا تُشكّل بحد ذاتها تحالفاً عسكرياً، فإنها تعكس إعادة بناء التواصل العملياتي بالتوازي مع مسار التطبيع السياسي.

ولم تقتصر الزيارة على المسار الصناعي الدفاعي، إذ عقد زاهر أيضاً محادثات مع وزارة الدفاع الوطني التركية، وهو ما أضفى على الزيارة سياقاً عسكرياً واستراتيجياً أوسع. غير أن اجتماع رئاسة الصناعات الدفاعية يكتسب أهمية خاصة كونه يوجّه العلاقة نحو آليات صناعية ملموسة، ذلك أن التعاون الدفاعي يصبح أكثر استدامة حين يستند إلى تخطيط إنتاجي، وهياكل صيانة، وسلاسل توريد، وخرائط طريق مشتركة لبناء القدرات.

وتمثّل مصر، بالنسبة لتركيا، شريكاً محتملاً ذا وزن استراتيجي كبير، بما تمتلكه من أحد أكبر الجيوش في المنطقة، وسوق دفاعية واسعة، وقاعدة إنتاج عسكري راسخة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المطل على شرق المتوسط والبحر الأحمر وشمال إفريقيا والعالم العربي. وبذلك، قد يوفر التعاون مع القاهرة للشركات الدفاعية التركية ليس فقط سوقاً واعدة، بل أيضاً جسراً صناعياً وجغرافياً نحو طلب إقليمي أوسع.

أما بالنسبة لمصر، فتقدّم الصناعة الدفاعية التركية قيمة مضافة مختلفة، إذ توسعت الشركات التركية بوتيرة سريعة في مجالات الأنظمة غير المأهولة، والمركبات المدرعة، والمنصات البحرية، والذخائر الموجهة، والدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، وبرمجيات القيادة والسيطرة، وإنتاج الذخائر. ويمكن لهذا التعاون مع أنقرة أن يدعم هدف القاهرة طويل الأمد المتمثل في زيادة الإنتاج الدفاعي المحلي وتنويع مصادر التوريد الخارجية.

ويكتسب هذا التقارب أهمية خاصة كون البلدين أمضيا ما يقارب عقداً من الزمن على طرفي نقيض في عدد من الملفات الإقليمية. فقد تدهورت العلاقات بشكل حاد عقب التغيير الذي شهدته السلطة في مصر عام 2013، وشكّلت ليبيا أبرز خطوط الانقسام السياسي والعسكري، حيث دعمت تركيا حكومة الوفاق الوطني المعترف بها أممياً في طرابلس، فيما ساندت مصر المعسكر الشرقي بقيادة خليفة حفتر. وزادت التوازنات الطاقوية في شرق المتوسط، وملف جماعة الإخوان المسلمين، وأزمة قطر، من تعميق الخلاف بين الجانبين.

ولا تزال هذه الملفات قائمة، إذ تبقى ليبيا، والحدود البحرية، والتموضعات الإقليمية، وموازين القوى في شرق المتوسط، ملفات حساسة. غير أن التوجه الحالي يُظهر أن أنقرة والقاهرة تختاران إدارة هذه الخلافات بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون العملي.

من هنا تكتسب قناة الصناعات الدفاعية أهميتها، إذ تمنح مسار التطبيع بعداً مادياً ملموساً. فتطوير القدرات المشتركة، إن تقدّم فعلياً، من شأنه أن يُنشئ روابط بيروقراطية وصناعية وعسكرية يصعب التراجع عنها مقارنة بالإيماءات الدبلوماسية وحدها. ويؤكد هذا اللقاء أيضاً الدور المحوري لرئاسة الصناعات الدفاعية في الدبلوماسية الصناعية التركية، ويُظهر في الوقت ذاته أن أنقرة والقاهرة تتجاوزان مرحلة التطبيع نحو تعاون دفاعي انتقائي، رغم استمرار وجود ملفات استراتيجية عالقة بينهما.