كشفت تقارير روسية عمّا وصفته بأحد أخطر أساليب الحرب الحديثة، متهمة أوكرانيا بتجنيد محترفين في ألعاب الفيديو من مختلف أنحاء العالم لقيادة طائرات مسيّرة انتحارية من طراز «إف بي في» (FPV) عن بُعد عبر الإنترنت، مقابل مكافآت مالية تُصرف عن كل ضربة ناجحة، في نموذج جديد للحروب يقوم على دمج التكنولوجيا الحديثة بالمهارات التي يمتلكها لاعبو الألعاب الإلكترونية.
وبحسب الرواية التي تداولتها وسائل إعلام وقنوات روسية، فإن القوات الروسية أسرت جنديًا أوكرانيًا كشف خلال التحقيق معه تفاصيل آلية جديدة لتشغيل الطائرات المسيّرة داخل الجيش الأوكراني، تختلف عن الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على وجود مشغّل بالقرب من خط المواجهة مباشرة.
16 جنديًا فقط لإدارة مئات الطائرات
وفق الرواية الروسية، لم تضم الوحدة الأوكرانية التي واجهت القوات الروسية سوى 16 مشغّلًا للطائرات المسيّرة، ولم يقتصر دورهم على تجهيز الطائرات وتركيب البطاريات والذخائر وإطلاقها، ثم ربطها بخادم افتراضي، قبل تسليم عملية القيادة بالكامل إلى مشغّلين موجودين خارج الأراضي الأوكرانية. وتقول التقارير إن هذه الآلية تتيح لفريق صغير على الأرض إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات في وقت واحد، بينما يتولى عشرات أو مئات المشغّلين الآخرين قيادتها عبر الإنترنت من أماكن متفرقة حول العالم.
لماذا لاعبو الفيديو تحديدًا؟
تُرجع الرواية الروسية اعتماد أوكرانيا المزعوم على محترفي الألعاب الإلكترونية إلى سرعة استجابتهم العالية وخبرتهم الواسعة في التحكم من منظور الشخص الأول، وهو الأسلوب نفسه الذي تعمل به المسيّرات الانتحارية. فالمشغّل يشاهد بثًا مباشرًا من كاميرا الطائرة، ويوجّهها بواسطة يد تحكم أو عصا قيادة تشبه إلى حد بعيد أجهزة التحكم في ألعاب الفيديو، حتى تصل إلى هدفها وتصطدم به. وترى التقارير أن هذا التشابه التقني الكبير بين قيادة مسيّرات FPV وألعاب المحاكاة والتصويب يجعل انتقال بعض اللاعبين إلى تشغيل هذا النوع من الطائرات أمرًا ممكنًا من الناحية العملية.
آلية العمل المزعومة
بحسب الرواية، تبدأ العملية بقيام الجنود على الجبهة بتجهيز الطائرات وإطلاقها وربطها بخادم متصل بالإنترنت، لتنتقل بعدها السيطرة إلى مشغّل آخر خارج أوكرانيا يتابع الصورة القادمة من كاميرا الطائرة لحظة بلحظة ويوجّهها حتى إصابة الهدف، بينما يستعد الفريق الأرضي لإطلاق دفعة جديدة. وترى التقارير الروسية أن هذه الطريقة قد تتيح تشغيل مئات الطائرات في آن واحد دون الحاجة إلى وجود مئات المشغّلين داخل ساحة القتال.
مكافآت مالية عن كل إصابة
تزعم الرواية الروسية أن المشغّلين يحصلون على مكافآت مالية مقابل كل ضربة ناجحة، في نظام يشبه إلى حد بعيد نظام النقاط المعتمد في الألعاب الإلكترونية، إذ تزداد قيمة المكافأة كلما كان الهدف المدمَّر أكثر أهمية، كالدبابات والمدرعات والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي.
نظام النقاط الأوكراني الحقيقي
ورغم أن موسكو تتحدث عن مكافآت للمشغّلين، تمتلك أوكرانيا بالفعل برنامجًا رسميًا مختلفًا يُعرف باسم «نظام مكافآت جيش المسيّرات» (Army of Drones Bonus System)، يقوم على منح الوحدات العسكرية نقاطًا مقابل الضربات الموثقة بالفيديو ضد القوات والمعدات الروسية. وبعد مراجعة المقاطع والتأكد من صحة الإصابة، يمكن استبدال هذه النقاط بطائرات مسيّرة جديدة أو معدات حرب إلكترونية أو مركبات غير مأهولة عبر منصة «برايف ون» (Brave1). إلا أن هذا النظام يقتصر على الوحدات العسكرية الأوكرانية، ولا يمنح مدنيين أو لاعبين حول العالم أي صلاحية للتحكم بالطائرات القتالية.
هل الفكرة قابلة للتنفيذ تقنيًا؟
يرى خبراء أن الفكرة ليست مستحيلة من الناحية التقنية، خصوصًا مع تطور شبكات الاتصالات والطائرات المسيّرة المتصلة بالإنترنت، إذ يمكن نظريًا نقل التحكم بالطائرة من شخص إلى آخر عبر خوادم وسيطة. غير أن تطبيق هذا النموذج على نطاق واسع يصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها تأخر الاتصال (Latency)، والتشويش الإلكتروني، وأمن الاتصالات، واحتمالات الاختراق، إضافة إلى تعقيدات القيادة والسيطرة العسكرية أثناء المعارك.
كييف تنفي الاتهامات
في المقابل، نفت أوكرانيا صحة هذه الرواية، مؤكدة أنها تمتلك عددًا كافيًا من مشغّلي الطائرات المسيّرة، وأن السماح لأشخاص خارج البلاد بالتحكم في طائرات قتالية سيخلق مشكلات جسيمة تتعلق بالأمن والقيادة والسيطرة. ومع ذلك، نقلت تقارير إعلامية عن مصدر عسكري أوكراني قوله إن فكرة الاستعانة بطيارين مهرة عن بُعد «ربما ليست أسوأ فكرة على الإطلاق»، في إشارة إلى أن التطور السريع في هذا المجال قد يفتح الباب أمام أساليب جديدة للحروب مستقبلًا، دون أن يعني ذلك تطبيق هذا النظام حاليًا.
بين الاتهام والواقع
حتى الآن، لا توجد أدلة مستقلة تؤكد صحة الاتهامات الروسية بشأن تشغيل مسيّرات FPV بواسطة محترفي ألعاب فيديو من مختلف أنحاء العالم، بينما تصر كييف على نفيها، لتبقى القصة واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في الحرب الروسية الأوكرانية، وتعكس في الوقت ذاته التحول الكبير الذي تشهده الحروب الحديثة مع توسع الاعتماد على المسيّرات والأنظمة غير المأهولة.






