صفقة مجموعات التوجيه الأمريكية للسعودية: حل اقتصادي لمواجهة المسيّرات أم رهان معلّق على تأهيل المنصّات؟

APKWS

خاص – Defense Arabia

أخطرت وزارة الخارجية الأمريكية الكونغرس في 25 تموز/يوليو 2026 بموافقتها على صفقة بيع عسكري خارجي محتملة للمملكة العربية السعودية بقيمة 1.96 مليار دولار، تشمل ما يصل إلى 20 ألف مجموعة توجيه من طراز “نظام السلاح المتقدم للقتل الدقيق” (APKWS II). وتنقسم الكمية، بحسب النص الرسمي المنشور على موقع الوزارة، بالتساوي بين 10 آلاف مجموعة توجيه جو-جو و10 آلاف مجموعة توجيه جو-أرض. وتمر الصفقة عبر القناة القياسية للمبيعات العسكرية الخارجية (FMS)، وتصف الوزارة فيها المملكة بأنها “حليف رئيسي من خارج الناتو” وركيزة استقرار في الخليج.

خلف هذه الأرقام تفاصيل أكثر تعقيداً. تأتي الصفقة في ظل تصاعد هجمات المسيّرات على العمق السعودي، وتفتح أسئلة حول سعر الوحدة، ومدى جاهزية المنصّات الجوية لإطلاق هذا السلاح، وتنافس الطلب السعودي مع خطوط إنتاج تعتمد عليها أوكرانيا وواشنطن نفسها.

U.S. Approves $100 Million Missile Sale to Saudi Arabia | Defense Arabia

سلاح رخيص بطموح كبير

ليس APKWS صاروخاً بالمعنى المألوف، بل مجموعة توجيه بالليزر تُركّب بين محرك صاروخ “هايدرا 70” التقليدي غير الموجّه عيار 70 ملم ورأسه الحربي. بهذه الإضافة البسيطة تتحول ذخيرة رخيصة مخزّنة بالملايين إلى سلاح دقيق يتعقب أي هدف يؤشر عليه شعاع ليزر. وتتولى شركة “بي إيه إي سيستمز” (BAE Systems) تصنيع مجموعات التوجيه في منشأتها بولاية نيو هامبشير.

بنى هذا النظام سمعته في ساحة القتال ضد المسيّرات تحديداً. استخدمت المقاتلات الأمريكية نسخته الجو-جو، المعروفة عسكرياً باسم AGR-20F ضمن برنامج “فالكو” (FALCO)، لإسقاط طائرات الهجوم الانتحاري التي يطلقها الحوثيون من اليمن. ووصفه قائد القيادة الجوية المركزية الأمريكية (AFCENT) الفريق ديريك فرانس، في تصريح نقلته مجلة “ذا وور زون”، بأنه السلاح الأساسي الذي تعتمده قواته ضد الطائرات المسيّرة.

لماذا يغري هذا السلاح الرياض؟

تكمن جاذبية APKWS في قدرته على قلب معادلة التكلفة. اعتراض مسيّرة رخيصة بصاروخ جو-جو متطور مثل “أمرام” (AIM-120) يكلّف نحو مليون دولار لإسقاط هدف لا تتجاوز كلفته بضعة آلاف من الدولارات، إذ تقدّر بعض المصادر كلفة مسيّرة من طراز “شاهد” بين 15 و20 ألف دولار. صحيح أن هذه التقديرات تتباين بشكل واسع بين مصدر وآخر، وتذهب بعض التحليلات إلى نطاق أوسع يتراوح بين خمسين ألفاً وثلاثمئة ألف دولار للطرازات الأكبر حجماً، لكن جوهر المشكلة يبقى واحداً.

يكسر APKWS هذه المعادلة المقلوبة، إذ تتراوح كلفة مجموعة التوجيه الواحدة بين 15 و22 ألف دولار فقط، وهو رقم لا يقارَن بثمن صاروخ اعتراضي متطور. ولمملكة أنهكتها سنوات من امتصاص هجمات المسيّرات عبر حدودها الجنوبية، يبدو هذا المنطق الاقتصادي وحده كافياً لتبرير بناء مخزون وطني عميق.

السلاح جاهز، فهل المنصّات كذلك؟

تشمل قائمة المعدّات المرافقة، بحسب ما أوردته وزارة الخارجية، قاذفات LAU-131، ورؤوساً حربية شديدة الانفجار من طراز Mk-152، ومحركات صاروخية MK66، وصمّامات تقاربية، ورؤوس تدريب من طراز WTU-1/B، إضافة إلى معدّات إطلاق واختبار.

العقدة الأعمق هنا في مسألة التكامل مع المنصّات. الصفقة السابقة الأصغر، التي أقرّتها واشنطن في آذار/مارس 2025 بقيمة 100 مليون دولار مقابل ألفي وحدة، ارتبطت بمروحيات مثل “أباتشي” AH-64، وهي منصّات دوّارة الجناح لها تصاريح إطلاق راسخة منذ سنوات. أما الصفقة الجديدة، الأكبر بعشرة أضعاف، فتتجه نحو مقاتلات ثابتة الجناح مثل F-15SA و”يوروفايتر تايفون”، وتصاريح الإطلاق من المروحيات لا تنتقل تلقائياً إلى المقاتلات النفّاثة، بل تستوجب دورة تأهيل وتكامل مستقلّة بذاتها.

يضاف إلى ذلك أن دمج APKWS على “تايفون” ما زال في مراحله الاختبارية. أعلنت “بي إيه إي سيستمز” في نيسان/أبريل 2026 عن اختبار إطلاق النسخة المضادة للمسيّرات من مقاتلة “تايفون” ضد هدف أرضي فقط، على أن يعقب ذلك اختبار جو-جو لاحقاً، ما يعني أن مسار التأهيل التشغيلي الكامل قد يستغرق وقتاً قبل أن تتحول مجموعات التوجيه المطلوبة إلى ذخيرة جاهزة فعلياً للمعركة. وتذكر بعض المصادر التحليلية، وينبغي التعامل مع هذا الرقم بحذر كونه غير مؤكّد من مصدر آخر، أن أسطولَي F-15SA و”تايفون” لم يُكمِلا بعد تأهيل هذا السلاح رسمياً.

معركة على خطوط الإنتاج

ترتبط الصفقة أيضاً بسلاسل الإمداد العالمية. حصلت “بي إيه إي سيستمز” على عقد بقيمة تصل إلى 1.7 مليار دولار من البحرية الأمريكية في كانون الأول/ديسمبر 2025، إضافة إلى إطار تعاقدي أوسع مع البنتاغون. ويكاد الطلب السعودي البالغ 1.96 مليار دولار يعادل وحده قيمة العقد الأمريكي المفتوح بأكمله.

يثير هذا التزاحم سؤالاً مهماً: كيف سيؤثر الطلب السعودي الضخم في وتيرة تسليم APKWS إلى مستخدمين آخرين، وفي مقدمتهم أوكرانيا التي تعتمد على هذه المجموعات في منظومات دفاعها الجوي وعلى مقاتلات F-16؟ إذا وُزّع الطلب السعودي على ثلاث إلى أربع سنوات، فقد يستنزف جزءاً كبيراً من الطاقة الإنتاجية المتاحة، وإن بقي ضمن حدود الممكن نظرياً. وهنا تتقاطع السياسة الصناعية الدفاعية مع أولويات توزيع الإنتاج بين الحلفاء.

DVIDS - Images - APKWS II launching in WTI [Image 9 of 15]

ما لا تحله الصواريخ الرخيصة

يعالج APKWS الطرف الأدنى من سلّم التصعيد فقط، أي المسيّرات الرخيصة والصواريخ الجوّالة منخفضة الأداء. لكنه لا يقدم شيئاً أمام التهديد الأخطر عند قمة السلّم، وهو الصواريخ الباليستية. تراكمت على مكتب الرياض خلال 2026 سلسلة إخطارات FMS كبرى، من حزمة صواريخ PAC-3 MSE إلى دعم أسطول F-15SA. ومع ذلك، تبقى اقتصاديات الاعتراض الباليستي معضلة قائمة بذاتها، لا تحلها مجموعات توجيه عيار 70 ملم مهما بلغ عددها.

Akela Freedom - APKWS II for Hydra 70

خاتمة

تقدم صفقة APKWS، في قراءتها المباشرة، إجابة منطقية وفعّالة من حيث الكلفة على سؤال أرّق الرياض طويلاً: كيف تُسقط أسراب المسيّرات دون استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن؟ لكن قيمة الصفقة لا تُقاس بعدد الوحدات وحده. هل يبرَّر سعر الوحدة المرتفع نسبياً؟ متى تكتمل دورة تأهيل المنصّات الثابتة الجناح لتتحول هذه المجموعات من إخطار على ورق إلى قدرة قتالية فعلية؟ وكيف ستُدار المفاضلة بين الطلب السعودي والتزامات الإنتاج تجاه أوكرانيا وواشنطن؟

السلاح الرخيص لا يعني القدرة الجاهزة. المسافة بين توقيع الإخطار وتحويله إلى طلقة فعّالة في سماء الجنوب السعودي تُقاس بالتأهيل والتكامل والإنتاج. وصانع القرار الخليجي معني أقل بسؤال “كم اشترينا؟” وأكثر بسؤال متى، وعلى أي منصّة، سيُطلق هذا السلاح فعلياً.