قمة أنقرة تُتوّج «غلوبال آي» بديلاً لطائرات «أواكس» المتقادمة في صفقة تُقدَّر بنحو 4.5 مليارات دولار… بينما كانت الإمارات قد شغّلت المنظومة ذاتها منذ عام 2020
سامي اورفلي
أعلن حلف شمال الأطلسي، الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2026، في افتتاح قمته المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة، اختيار طائرة الإنذار المبكر والتحكم الجوي «غلوبال آي» من إنتاج شركة «ساب» السويدية بديلاً لأسطوله المتقادم من طائرات «أواكس» طراز «بوينغ إي-3إيه سنتري». وأوضح الأمين العام للحلف، مارك روته، أن مجموعة من الدول الأعضاء قررت المضيّ في شراء مشترك يشمل ما يصل إلى 10 طائرات، على أن تدخل «ساب» في مفاوضات رسمية مع وكالة الدعم والمشتريات التابعة للحلف لإبرام العقد النهائي، وفق ما نقلته وكالة «رويترز».
قُدِّرت قيمة الصفقة بنحو 4.5 مليارات دولار وفق تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «ساب» ميكائيل يوهانسون، الذي أشار إلى أن سعر الطائرة الواحدة يتراوح بين نحو 400 و450 مليون دولار، وأن التسليمات قد تبدأ عام 2030 حال توقيع العقد قريباً. غير أن القراءة الأعمق لهذا القرار لا تكمن في أرقامه، بل في مفارقة لافتة: فبينما يحتفي الحلف اليوم بما يصفه بأنه قفزة في قدرات المراقبة الجوية، كانت دولة الإمارات العربية المتحدة قد تسلّمت أولى طائراتها من الطراز ذاته في أبريل/نيسان 2020؛ أي قبل نحو خمس سنوات كاملة من هذا الإعلان.
من صحراء الظفرة إلى قواعد الحلف: قصة سبق إماراتي
تعود جذور الحضور الإماراتي في هذا المجال إلى عام 2015، حين وقّعت أبوظبي عقداً لاقتناء المنظومة التي تُطلق عليها محلياً اسم «نظام المراقبة متعدد الأدوار» (SRSS)، ثم عزّزت الطلب لاحقاً حتى بلغ إجمالي أسطولها 5 طائرات. وبحسب بيانات شركة «ساب»، جرى تسليم الطائرة الأولى في أبريل/نيسان 2020، تلتها تسليمات متتالية أُنجزت آخرها في سبتمبر/أيلول 2024، لتكتمل الصفقة قبل موعدها المقرر في نهاية 2025. وبذلك أصبحت الإمارات أول مُشغّل تصديري للطراز في العالم، لا مجرد زبون متأخر يلحق بركب الآخرين.
تُقدَّر القيمة الإجمالية للصفقة الإماراتية بنحو 23 مليار كرونة سويدية وفق تقديرات متداولة في المصادر المتخصصة، وهو رقم يعكس حجم الرهان المبكر الذي وضعته أبوظبي على منصة لم تكن قد أثبتت جدارتها التشغيلية بعد وقت التعاقد. غير أن ذلك الرهان بدا اليوم استشرافياً بامتياز؛ إذ إن المنظومة التي اختارتها الإمارات في منتصف العقد الماضي هي نفسها التي يتجه إليها الحلف الأطلسي وكندا وفرنسا والسويد تباعاً في موجة طلبات متسارعة.
لماذا انهار خيار «ويدج تيل» الأميركي؟
يتطلب فهم وصول «غلوبال آي» إلى هذه المكانة داخل الحلف العودة إلى مسار متعرّج. فقد كان الأطلسي قد اختار في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 طائرة «بوينغ إي-7إيه ويدج تيل» بديلاً لأسطول «أواكس»، مع توقّع دخول 6 طائرات الخدمة وتشغيل الأولى بحلول 2031. لكن هذا المسار بدأ يتصدّع في يونيو/حزيران 2025، حين كشفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن نيّتها إلغاء برنامج «إي-7» من موازنة القوات الجوية الأميركية للسنة المالية 2026، لصالح قدرات استطلاع فضائية.
تبع ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قرار الدول الشريكة المتبقية التخلّي عن شراء الطائرات الست، بحجّة أن البرنامج فقد مبرّريه «الاستراتيجي والمالي»، على حدّ تعبير وزارة الدفاع الهولندية. وهكذا انفتح الباب أمام «ساب»، التي وجدت قيادتها في الفراغ الناتج فرصةً لطرح بديلها الأوروبي-الكندي. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، أوضح يوهانسون في مؤتمر برلين للأمن نهاية 2025 أن القيادة العليا للقوات المتحالفة في أوروبا (SHAPE) خلصت إلى أن «غلوبال آي» قادرة على سدّ الفجوة إذا استُخدمت على النحو الصحيح.
عزت «ساب» قرار الحلف إلى 3 أعمدة رئيسة، وفق تصريحات رئيسها التنفيذي على هامش القمة، هي: القدرة على تحمّل الكلفة، والإمكانات التقنية، وسرعة التسليم. ولا يخفى أن البُعد السياسي حاضر بقوة أيضاً؛ فالقرار جاء في توقيت شديد الحساسية، وسط ضغوط أميركية متكرّرة على الأوروبيين لشراء المزيد من المعدّات الأميركية، ما جعل اختيار حلٍّ غير أميركي رسالةً ذات دلالة تتجاوز البُعد التقني الصرف.

ما الذي تقدّمه «غلوبال آي» فعلياً؟
تقوم المنظومة على دمج رادار «إريآي إي آر» (Erieye ER) ذي المدى الممتد مع مجموعة من المستشعرات النشطة والسلبية، محمولةً على هيكل طائرة رجال الأعمال «بومباردييه غلوبال 6500» الكندية الصنع. ويمثّل هذا الرادار قلب المنظومة؛ إذ إنه من نوع المصفوفة المسحية الإلكترونية النشطة (AESA) المبنية على تقنية نيتريد الغاليوم، ما يمنحه، وفق ما تعلنه الشركة المصنّعة، زيادةً في مدى الكشف تبلغ نحو 70% مقارنةً بالإصدارات السابقة من عائلة «إريآي».
تشير بيانات «ساب» إلى أن مدى الرادار يصل إلى نحو 450 كيلومتراً على ارتفاع 30 ألف قدم، ويرتفع إلى 550 كيلومتراً على ارتفاع 35 ألف قدم؛ وهي أرقام يجدر التعامل معها بوصفها ادعاءات المُصنّع لا معطيات قتالية مستقلة. وإلى جانب الرادار الرئيس، تحمل الطائرة رادار «سيسبراي 7500إي» للمراقبة البحرية من شركة «ليوناردو» الإيطالية، ومستشعراً كهروبصرياً/حرارياً، إضافةً إلى منظومات الحرب الإلكترونية والاتصالات، ما يتيح لها المراقبة المتزامنة في المجالات الجوي والبحري والبري من منصة واحدة.
تبلغ مدة تحمّل الطائرة أكثر من 11 ساعة طيران وفق المصنّع، مع قدرتها على الإقلاع من مدارج قصيرة نسبياً، وهي خصائص تُكسبها مرونة تشغيلية عالية. وقد وصفها روته بأنها منظومة مُثبتة القدرة على رصد التهديدات المعقّدة، بما فيها أسراب المُسيّرات والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز؛ وهو توصيف يعكس حاجة الحلف الملحّة إلى قدرات مراقبة تتناسب مع طبيعة التهديدات الراهنة على جناحه الشرقي.
موجة طلبات عالمية… ومركز ثقل جديد لصناعة الإنذار المبكر
لم يعد الإعلان الأطلسي حدثاً معزولاً، بل حلقةً في سلسلة متسارعة من الطلبات. فقد وقّعت فرنسا في ديسمبر/كانون الأول 2025 عقداً لشراء طائرتين مع خيار لطائرتين إضافيتين، بقيمة تُقدَّر بنحو 1.3 مليار دولار، لتحلّ محلّ أسطولها المتقادم من طراز «إي-3إف». أما السويد، الدولة المُشغّلة محلياً، فقد تعاقدت على 3 طائرات. وأعلنت كندا في مايو/أيار 2026 دخولها مفاوضات رسمية لاقتناء ما يصل إلى 6 طائرات، في خطوة تندرج ضمن سعيها المعلن لتقليص اعتمادها على المورّدين الأميركيين.
أشارت «ساب» كذلك إلى اهتمام أبدته كلٌّ من ألمانيا وبولندا، فيما تتردّد أسماء دول أخرى في السوق مثل الدنمارك وفنلندا واليونان ضمن قائمة الزبائن المحتملين. وبحسب المصادر المتخصصة، فإن تحويل جزء من هؤلاء المشغّلين المحتملين إلى عقود فعلية قد يجعل «غلوبال آي» المنظومة الأوسع انتشاراً من جيلها في فئة الإنذار المبكر. وتكتسب هذه الديناميكية دلالةً استراتيجية؛ إذ تعيد رسم خريطة صناعة طائرات الإنذار المبكر التي هيمنت عليها المنتجات الأميركية عقوداً طويلة.
يبرز في هذا السياق موقع الإمارات بوصفها الطرف الذي دشّن هذا المسار التصديري قبل الجميع. فالسبق الزمني لأبوظبي لا يُقاس بسنواته الخمس فحسب، بل بما يعنيه من نضج مبكر في قراءة التحوّلات؛ إذ راهنت على منصة أوروبية-كندية في وقت كانت فيه الأنظار لا تزال مشدودةً إلى الخيارات الأميركية التقليدية. وهو رهان يبدو اليوم، بعد قرار الحلف، أقرب إلى الاستشراف منه إلى المغامرة.
حين يسبق الخليج الحلف
يطرح قرار الأطلسي سؤالاً يتجاوز حدود صفقة سلاح: كيف تمكّنت دولة خليجية من استباق أعرق حلف عسكري في العالم بخمس سنوات إلى المنصة ذاتها؟ الإجابة لا تكمن في الحظّ، بل في منهجية استشرافية تقرأ التحوّلات التقنية قبل أن تتبلور. فبينما استغرق الحلف سنواتٍ من التردّد بين «ويدج تيل» و«غلوبال آي»، كانت طائرات أبوظبي تحلّق فعلياً فوق الخليج.
يبقى أمام صنّاع القرار في المنطقة درسٌ جوهري: إن التفوّق الدفاعي لم يعد حكراً على من يملك أضخم الموازنات، بل على من يُجيد توقيت القرار وقراءة اتجاهات السوق العالمية للتسليح. والسؤال المفتوح الآن: هل تتحوّل هذه اللحظة إلى حافزٍ لدول المنطقة كي تنتقل من موقع المُستورد المتلقّي إلى موقع الشريك الاستشرافي الذي يصنع الاتجاه بدل أن يلحق به؟






