منذ عام 1989، حين دخلت أولى مقاتلات “ميغ-29” (MiG-29) الخدمة في سلاح الجو البولندي، ظل هذا الطراز السوفيتي حجر الأساس في القدرة الجوية القتالية لوارسو. توسّع الأسطول لاحقًا عبر صفقات متعددة، من بينها عشر مقاتلات وصلت من جمهورية التشيك عام 1996، واثنتان وعشرون مقاتلة سابقة لسلاح الجو الألماني نُقلت عام 2003، ليصل إجمالي ما شغّلته بولندا إلى أربعٍ وأربعين مقاتلة من طرازي “ميغ-29 إيه” و”ميغ-29 يو بي”. غير أن هذا الفصل التاريخي يقترب اليوم من نهايته، إذ لم يتبقَّ في الخدمة سوى نحو اثنتي عشرة مقاتلة أحادية المقعد وعدد محدود من طائرات التدريب ثنائية المقعد، بعدما تراجع حجم الأسطول تدريجيًا بفعل التقاعد والحوادث، وبعد تسليم نحو اثنتي عشرة طائرة إلى كييف منذ عام 2023
والسؤال الذي يشغل صانعي القرار في وارسو اليوم ليس متى تتقاعد هذه المقاتلات، بل بماذا يمكن مقايضتها؟. فبدلًا من صفقة سلاح تقليدية أو معاملة مالية مباشرة، تدرس وزارة الدفاع الوطني البولندية مقترحًا أوكرانيًا يقوم على مبادلة ما تبقى من “ميغ-29” بتقنيات درون وخبرات تشغيلية مُختبرة في ميدان القتال. وكشفت نائبة وزير الدفاع الوطني البولندي ماغدالينا سوبكوفياك-تشارنيتسكا (Magdalena Sobkowiak-Czarnecka)، في مقابلة مع إذاعة “راديو زيت” بتاريخ 31 يوليو/ تموز 2026 نقلتها وكالة الأنباء البولندية (PAP)، أن كييف قدّمت بالفعل عرضًا محددًا يوضح فئات القدرات المسيّرة المطروحة. ويخضع هذا العرض حاليًا للمراجعة، على أن يحسم نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع فواديسواف كوسينياك-كاميش (Władysław Kosiniak-Kamysz) قراره خلال الأسابيع المقبلة، دون أن تكشف وارسو أو كييف بعد عن تفاصيل الأنظمة المطروحة للتفاوض. واللافت أن كوسينياك-كاميش استخدم في تصريحات سابقة له عبارة “تقنيات درون” بدلًا من مجرد “مسيّرات”، وهو ما يُرجّح أن تمتد المفاوضات إلى نقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي والخبرة التشغيلية، وليس فقط إلى تسليم منصات جاهزة.
وتبدو منطقية هذا التبادل نابعة من مسارين متقاطعين يسلكهما البلدان. فبولندا تمضي في استبدال أسطولها سوفيتي الطراز بمقاتلات “إف-35 إيه لايتننغ 2” (F-35A Lightning II) وطائرات “إف إيه-50” (FA-50) الخفيفة، ما يجعل “ميغ-29” فائضة عن الحاجة تشغيليًا. أما أوكرانيا، فتُشغّل أسطولًا مختلطًا من الطائرات السوفيتية والغربية معًا، بما يسمح باستيعاب مقاتلات إضافية من هذا الطراز فورًا ودون أي متطلبات تدريب أو لوجستيات جديدة. وبذلك يخدم هذا الترتيب احتياجات الطرفين في آنٍ واحد، في وقت تتواصل فيه التوترات الأمنية على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
فما الذي تقدمه “ميغ-29” فعليًا لأوكرانيا رغم قِدَمها؟ تبقى هذه المقاتلة، رغم تصميمها من الجيل الرابع، منصة قتالية فعّالة؛ فهي مزوّدة بمحركين توربينيين مروحيين من طراز “كليموف آر دي-33” (Klimov RD-33) بدفع احتراق إضافي يبلغ نحو 81.4 كيلونيوتن لكل محرك، تمكّنها من بلوغ سرعة قصوى تصل إلى 2.25 ماخ مع قدرة مناورة وتسلّق عاليتين. ويستطيع رادارها النبضي “إن019 روبين” (N019 Rubin) رصد أهداف بحجم المقاتلات على مسافات تقارب 100 كيلومتر في الظروف المواتية، وهي مسلّحة بصواريخ “آر-73” (R-73) قصيرة المدى الموجَّهة بالأشعة تحت الحمراء وصواريخ “آر-27” (R-27) متوسطة المدى جو-جو. وأضافت برامج التحديث البولندية أنظمة تحديد الهوية “صديق أم عدو” (IFF) المتوافقة مع الناتو، إلى جانب أنظمة ملاحة وأجهزة راديو واتصالات غربية آمنة ومحدَّثة، بهدف تعزيز قابلية التشغيل المشترك مع القوات الحليفة.
والأهم من المواصفات التقنية أن هذه المقاتلات جاهزة للاستخدام الفوري من دون أي تدريب تحويلي؛ فالطيارون وطواقم الصيانة والدعم اللوجستي الأوكرانيون يملكون دراية مسبقة كاملة بالطراز. وتواصل “ميغ-29” اليوم أداء مهام الاعتراض والدفاع الجوي والضربات الدقيقة داخل الأسطول الأوكراني، بعدما أثبت المهندسون المحليون قدرتهم على تكييفها لاستخدام ذخائر غربية مختارة دقيقة التوجيه. وعمليًا، ستساهم أي طائرات إضافية في تعويض الخسائر القتالية والحفاظ على وتيرة الطلعات الجوية، بما يكمّل الدور الذي تؤديه مقاتلات “إف-16″ و”ميراج 2000” العاملة أصلًا في الخدمة.
في المقابل، ما الذي تعنيه “تقنيات الدرون” التي يتحدث عنها المسؤولون البولنديون؟ الإجابة أوسع بكثير من مجرد تسليم منصات جاهزة. فقد باتت أوكرانيا مطوّرًا ومُصنّعًا رئيسيًا للأنظمة العسكرية غير المأهولة، تُنتج بأعداد كبيرة مسيّرات استطلاع، ومسيّرات هجومية من طراز “FPV”، وذخائر متسكّعة، ومسيّرات ضاربة بعيدة المدى. لكن القيمة الحقيقية، بحسب ما تشير إليه المؤشرات المتاحة، تكمن في الخبرة الصناعية المتراكمة خلف هذه المنصات: أنظمة ملاحة قادرة على العمل في بيئات كهرومغناطيسية شديدة التشويش، واتصالات رقمية آمنة، ووظائف اكتساب أهداف ذاتية، وبِنى حمولة معيارية، وأساليب إنتاج تتكيف باستمرار مع متطلبات الميدان. وهذه الخبرة، لا المسيّرات ذاتها، قد تشكّل جوهر ما تسعى بولندا للحصول عليه.
فمن منظور وارسو، لن يكون الهدف استبدال القدرات المحلية القائمة أصلًا حول أنظمة مثل الذخيرة المتسكعة “وورميت” (Warmate) ومسيّرة الاستطلاع “فلاي آي” (FlyEye) التي تُنتجها مجموعة “دبليو بي غروب” (WB Group)، بل استكمالها. فالوصول إلى بِنى البرمجيات الأوكرانية، وإجراءات الحرب الإلكترونية المضادة، وأساليب الإنتاج، ومفاهيم التوظيف التكتيكي، من شأنه أن يُسرّع تطوير البرامج البولندية المستقبلية مع خفض المخاطر التقنية، مستفيدًا من خبرة اكتُسبت مباشرة في مواجهة خصم متطور تقنيًا. وباختصار، ستكون وارسو قد بادلت مقاتلات تقترب من نهاية خدمتها بوصول مباشر إلى واحدة من أكثر منظومات الدرون العسكرية اختبارًا في العالم حاليًا.
ويتجاوز هذا الترتيب المقترح، في نهاية المطاف، حدود العلاقة الثنائية بين بولندا وأوكرانيا؛ إذ يعكس نمطًا آخذًا في التوسع داخل التعاون الدفاعي الأوروبي، حيث يتجه الشركاء بشكل متزايد نحو استكمال المساعدات المالية وعمليات نقل المعدات التقليدية باتفاقيات قائمة على تبادل التكنولوجيا والتعاون الصناعي والخبرة الميدانية. وإذا ما تحقق هذا الاتفاق، فسيعزز القدرة القتالية الجوية الأوكرانية القائمة، بينما يمنح بولندا وصولًا إلى تقنيات وخبرات تشغيلية قد تُشكّل ملامح تحديث قواتها مستقبلًا، في مؤشر أوسع على الدور المتنامي للابتكار المُختبر ميدانيًا في رسم البنية الأمنية طويلة الأمد على الجناح الشرقي لحلف الناتو.






