منذ الهجمات التي طالت منشآت حيوية داخل الإمارات مطلع عام 2022، تغيّرت قواعد التفكير في أبوظبي حول حماية الأجواء الوطنية. لم يعد الاعتراض وحده كافيًا لردع تهديدات إقليمية متصاعدة، بين مسيّرات انتحارية وصواريخ باليستية تملكها جهات غير حكومية، وتوترات متكررة بين إيران والخليج. من هنا نشأت فلسفة دفاعية جديدة: بناء قدرة جوية قادرة على حماية أمن الإمارات قبل وصول التهديد إلى سمائها.
الكشف الأخير الصادر عن مجموعة “إيدج” (EDGE Group) الإماراتية المملوكة للدولة يندرج ضمن هذا التوجه بالضبط. نشرت المجموعة صورًا لمقاتلة “ميراج 2000” (Mirage 2000) الفرنسية وهي تحمل ذخائر “ثندر” (Thunder) من طراز “بي-32” P-32 الموجهة بدقة، مع حاضنة استطلاع واستخبارات ومراقبة (ISR) في آنٍ واحد وفقًا لموقع Defence) Blog)، لتحصل بذلك على قدرة ضرب دقيق لأهداف تقبع في عمق أراضي الخصم.
منصّة قديمة بقدرات متجددة
دخلت “ميراج 2000” الخدمة مطلع ثمانينيات القرن الماضي، كمقاتلة فرنسية متعددة المهام. أما الإمارات فتُشغّل نسختها المطوّرة “ميراج 2000-9” (Mirage 2000-9)، وقد ذهبت أبعد من معظم مشغّلي هذه المقاتلة حول العالم: بدلًا من الاكتفاء بتعليق ذخائر “ثندر” خارجيًا كحل بديل أقل مرونة، دمجت أبوظبي هذه المجموعة من الذخائر مباشرة في إلكترونيات الطائرة.
من قنبلة عادية إلى ذخيرة ذكية
تصنع شركة “هالكون” (Halcon)، ذراع الصواريخ والأسلحة داخل مجموعة إيدج، أطقم “ثندر” لغرض واحد: تركيب نظام توجيه على قنبلة تقليدية غير موجهة، لتحويلها إلى ذخيرة دقيقة بكلفة أقل بكثير من إنتاج قنبلة ذكية من الصفر. الطقم يُركَّب على القنابل القياسية “إم كي-81″ (MK-81) و”إم كي 82” (MK-82)، وهي ذخائر منتشرة على نطاق واسع داخل ترسانات حلف الناتو والدول الحليفة.
في قلب هذا النظام تعمل تقنية “GAINS”: ملاحة بالقصور الذاتي مدعومة بإحداثيات الأقمار الصناعية، تقود القنبلة إلى هدفها المبرمَج مسبقًا دون الحاجة لتتبعه بالليزر أو بالكاميرا. ومن أراد دقة أعلى، يمكنه إضافة باحث ليزري شبه نشط يلتقط انعكاس شعاع الليزر المسلّط على الهدف، سواء أطلقه الطيار نفسه أو طائرة أخرى أو فريق على الأرض.
وهنا يكمن الفارق العملي: تقتصر دقة “GAINS” وحده على هامش خطأ دائري يبلغ 10 أمتار بحسب الشركة المصنّعة، لكن إضافة الباحث الليزري تهبط بهذا الهامش إلى 3 أمتار فقط، وهو فارق حاسم حين يكون الهدف قريبًا من منشأة مدنية، أو حين تحتاج الضربة لإصابة نقطة محددة داخل هدف واسع لا تكفي فيه دقة نسبية.

وزن يتضاعف، رأس حربي يتقلّص… معادلة “ثندر” بين القوة والمسافة
تأتي “ثندر” في نسختين. الأولى “P-31″، المبنية على قنبلة “MK-81″، بوزن إجمالي 140 كغ ورأس حربي 110 كغ، وتصيب أهدافًا على بعد 27 كيلومترًا. الثانية “P-32″، الأثقل والأقوى فتكًا، مبنية على “MK-82” بوزن إجمالي 240 كغ ورأس حربي 209 كغ، لكن مداها أقصر نسبيًا عند 24 كيلومترًا. كلتا النسختين قابلة للإطلاق من ارتفاع 40 ألف قدم (12,192 مترًا)، وهو ارتفاع يُبقي الطائرة خارج نطاق معظم منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى والأسلحة الخفيفة.
أما الجذور التقنية لـ”ثندر” فلا تبدأ في أبوظبي، بل في مختبرات الهندسة الدفاعية الجنوب أفريقية، حيث طوّرتها هالكون بالشراكة مع شركة “دينيل ديناميكس” (Denel Dynamic. هذا التعاون يعكس مسارًا يتكرر في صناعة الدفاع الخليجية: شراكة مع شركات عالمية مجرّبة لبناء قدرة تصنيع محلية، عوضًا عن الاكتفاء بشراء سلاح جاهز من الموردين.
ضربة واحدة بدل طلعتين
القيمة الحقيقية للصور التي نشرتها إيدج لا تكمن في الذخيرة وحدها، بل في دمجها مع حاضنة “ISR” على متن الطائرة نفسها. بهذا التكوين، تكتشف “ميراج 2000” هدفها وتتأكد منه، وربما تعيّنه بالليزر، ثم تضربه، كل ذلك خلال طلعة جوية واحدة. سابقًا، كان هذا يتطلب طائرة استطلاع منفصلة ترصد الهدف أولًا وتمرّر إحداثياته لطائرة هجومية تنطلق لاحقًا في مهمة ثانية، ما يستهلك وقتًا ثمينًا حين يكون الهدف متحركًا كعربة أو منظومة دفاع جوي أو مدفعية. اختصار هذه الحلقة هو بالضبط ما تحتاجه الإمارات في مواجهة تهديدات سريعة التغيّر.
استثمار تجاوز 1.8 مليار دولار خلال ثلاث سنوات
هذا الكشف ليس معزولًا عن مسار استثماري طويل. ففي فبراير/ شباط 2023، وقّعت هالكون عقدًا بقيمة 2.14 مليار درهم (نحو 583 مليون دولار) لتزويد القوات المسلحة الإماراتية بذخائر “ثندر P3 لايت” (Thunder P3 Light) المزوّدة بباحث ليزري، ضمن حزمة اتفاقيات أُعلنت خلال معرض “آيدكس” (IDEX) في أبوظبي شملت أيضًا عقدًا بقيمة 4.7 مليار درهم (نحو 1.3 مليار دولار) لمنظومة “ديزرت ستينغ” (Desert Sting) الهجومية.
وقد وصف سعيد المنصوري، نائب الرئيس الأول لوحدة المفاهيم المتقدمة في إيدج، برنامج “ثندر P3 لايت” بأنه يمنح القوات المسلحة قدرة ضرب جوي فعّالة ومنخفضة الكلفة، مؤكدًا أن اقتصاد التكلفة كان جزءًا من فلسفة تصميم السلاح منذ البداية، لا تنازلًا عن أدائه.
وعليه، يبقى الكشف عن هذا التكوين القتالي الجديد لمقاتلة “ميراج 2000” حدثًا تقنيًا بامتياز، لكنه لا ينفصل عن سياقه الإقليمي. فبين الأرقام الدقيقة للمدى والدقة، وبين لغة الشركات التي تتحدث عن “التكلفة” و”الفعالية”، يظل السؤال الأهم معلّقًا بلا إجابة رسمية: لماذا الآن تحديدًا؟ في ظل توترات إقليمية متصاعدة في الخليج، هل يحمل توقيت نشر هذه الصور رسالة ردع مقصودة إلى أطراف بعينها، أم أنه مجرد توقيت تسويقي عادي لا علاقة له بالسياق الأمني المحيط؟
وإلى أن تصدر أبوظبي أو إيدج أي توضيح رسمي بخصوص دوافع هذا التوقيت، سيبقى القارئ والمحلل على حد سواء أمام تفسيرين مفتوحين لا يمكن الجزم بأي منهما، وهو ما يضع هذا الكشف التقني في خانة أوسع من مجرد “ترقية عسكرية”، ليصبح جزءًا من لغة الرسائل الاستراتيجية غير المعلنة التي باتت تميّز المشهد الدفاعي الخليجي في هذه المرحلة.


