كشف جهاز الاستخبارات الأمنية النيوزيلندي (NZSIS) في تقريره السنوي الصادر في 13 أغسطس/ آب 2026 تحت عنوان “تقييم بيئة التهديدات الأمنية 2026″، أن جمهورية الصين الشعبية تمثل “الشاغل الاستخباراتي الأجنبي الأول” لنيوزيلندا، واصفًا بكين بأنها “الدولة الوحيدة التي رُصد قيامها بعمليات تجسس على نطاق واسع” ضد المصالح النيوزيلندية.
وأكد المدير العام للجهاز، أندرو هامبتون، أن الهدف من التقرير هو تعريف المواطنين النيوزيلنديين بحقيقة التهديدات الأمنية التي تواجه بلادهم، مشيرًا إلى أن نتائج التقرير تتوافق مع تقييمات تحالف “العيون الخمس” الاستخباراتي الذي يضم أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
وحدد التقرير سبعة تقييمات رئيسية للتهديدات، من بينها أن عدم الاستقرار الجغرافي السياسي يخلق مخاطر أمنية غير مباشرة على نيوزيلندا، وأن دولًا أجنبية تستهدف القطاعين العام والخاص للحصول على الملكية الفكرية والتقنيات المبتكرة والمعلومات الحساسة، إضافة إلى أن مجتمعات الشتات باتت هدفًا لجهات أجنبية تسعى لقمع حرياتها الديمقراطية، وأن “التهديد من الداخل” داخل المؤسسات يتزايد سواء عبر أفعال متعمدة أو مُوجَّهة أو حتى غير واعية. كما رجّح التقرير احتمال وقوع هجوم إرهابي جديد في نيوزيلندا، على الأرجح من قِبل أفراد يعملون بمفردهم ولديهم إمكانية الوصول إلى أسلحة، في ظل تأثر التطرف العنيف بأيديولوجيات متعددة وأحداث محلية ودولية وعمليات تجنيد عبر الإنترنت.
وفصّل التقرير عددًا من أنشطة التجسس الصينية المحددة، أبرزها استهداف ضباط الاستخبارات العسكرية الصينية للمسؤولين الحكوميين النيوزيلنديين عبر التنكر بصفة استشاريين أو موظفي شركات توظيف، حيث ينصح هؤلاء الضباط “مرشحيهم” بالبقاء في وظائفهم الحكومية للحفاظ على تدفق المعلومات وفتح الباب أمام تجنيد زملائهم. وفي 4 يونيو/ حزيران 2026، انضم الجهاز إلى شركاء “العيون الخمس” في اتهام علني للاستخبارات العسكرية الصينية باستخدام منصة “لينكد إن” لتجنيد مواطنين نيوزيلنديين، وهو ما وصفه هامبتون صراحة بأنه “عمل تجسسي”.
ولفت التقرير إلى قضية “مرصد جبل بورپل” (Purple Mountain Observatory)، الذي يوصف بأن له “روابط وثيقة بالحكومة الصينية”، والذي عمل مع شركة محلية نيوزيلندية على الأرجح لم تكن تدرك قدرة المعدات التي أقامها على جمع معلومات استخباراتية ذات قيمة عسكرية، ولا من الجهة التي تتلقى تلك البيانات. وقال هامبتون إن هذا النشاط استوجب “إجراءً معطِّلًا” لمنع استخدام هذه البنية التحتية “ضد مصالحنا الوطنية”، مضيفًا أن التقرير يكشف عن محاولات صينية متكررة من هذا النوع.
ولم يكن هذا التصعيد مفاجئًا، إذ كان تقرير أغسطس/ آب 2025 قد وصف الصين بأنها الجهة الأكثر نشاطًا في التدخل الأجنبي، وأن أنشطة بكين “خادعة وقسرية وفاسدة بانتظام”. كما حذّر تقييم مشترك بين قوة الدفاع النيوزيلندية ووزارة الخارجية في ديسمبر/ كانون الأول 2025 من استمرار الدوريات البحرية الصينية وتجارب الصواريخ في المحيط الهادئ، مستشهدًا بنشر سفن تابعة للبحرية الصينية في بحر تاسمان في فبراير/ شباط 2025، وتجربة صاروخ باليستي عابر للقارات في سبتمبر/ أيلول 2024.
ويأتي توقيت صدور التقرير في أغسطس/ آب 2026 متزامنًا مع اقتراب الانتخابات العامة النيوزيلندية المقررة في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، حيث يسعى رئيس الوزراء كريستوفر لوكسون، المعروف بتعزيز العلاقات مع واشنطن واستيراد معدات عسكرية أمريكية، لولاية جديدة. وحذّرت مقدمة التقرير التي كتبها هامبتون من “محاولات تدخل أجنبي تستهدف شخصيات سياسية على المستويين الوطني والمحلي بشكل مستمر”، متوقعًا استمرار جهود بناء النفوذ خلال الحملة الانتخابية، مشيرًا إلى أن “التبرعات والهدايا والضيافة يمكن أن تُستخدم لبناء علاقة مع مرشح قد تُستغل لاحقًا، أحيانًا بعد سنوات”.
من جانبها، ردّت السفارة الصينية في ويلينغتون برفض قاطع للتقرير، واصفةً إياه بأنه “مشبع بعقلية الحرب الباردة”، وجزء من “موجة جديدة من الهجمات والتشويه والتشهير بالصين تديرها قوى دولية معينة”، بل ذهبت إلى القول إن “التقرير نفسه قد يكون نتيجة تدخل أجنبي”، محذّرة نيوزيلندا من “تقويض العلاقة الصينية النيوزيلندية المربحة للطرفين والتي تحققت بشق الأنفس، من أجل مصالح ذاتية ضيقة”، ومشيرة إلى أن “تطور العلاقات الصينية النيوزيلندية لا يتوقف على الصين وحدها”، في تلميح إلى أن نيوزيلندا ستتحمل “عواقب” هذا المسار.
وعلى الرغم من التوتر المتصاعد، تبقى الصين أكبر شريك تجاري لنيوزيلندا، إذ تستحوذ على نحو ربع إجمالي صادراتها، بينما يتجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 40 مليار دولار نيوزيلندي سنويًا، في ظل اتفاقية تجارة حرة ثنائية أُبرمت عام 2008 ورُفع مستواها عام 2022. ولذلك، شدد التقرير على أن نتائجه “لا ينبغي أن تمنع المؤسسات النيوزيلندية من التجارة أو التعاون مع الكيانات الصينية”، داعيًا إلى نهج “العين المفتوحة” في التعامل مع بكين. وختم هامبتون بالقول إن استراتيجية نيوزيلندا تقوم على الشفافية: “يستخدم الجهاز أسلوب الكشف والفضح لرفع كلفة هذه العمليات على الصين، وسواء أدى ذلك إلى ردع بكين أو دفعها لتغيير أساليبها، فإن ذلك سيحدد شكل المرحلة المقبلة.”

