تدفع فرنسا بقوات ومعدات عسكرية إلى السعودية بهدف حماية منشآت النفط في ينبع على البحر الأحمر، فيما تخوض المملكة مواجهة مع الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن. ويأتي القرار وسط قلق متصاعد على ما تبقى من إمدادات النفط القادمة من المنطقة، وهي إمدادات تعتمد عليها فرنسا وسائر أوروبا اعتمادًا كبيرًا.
ماكرون: حماية الموقع لا خوض النزاع
أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، في مقابلة تلفزيونية مباشرة مساء الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026 بتوقيت باريس، أنه سيرسل إلى السعودية عددًا غير محدد من الجنود والمعدات لحماية مركز ينبع للطاقة. وأوضح أن الخطوة تندرج ضمن اتفاق أُنجز مع الرياض، ويشمل جنودًا وأنظمة رادار ومنظومات دفاعية، مؤكدًا أنها “ليست للانخراط في أي نزاع” بل لحماية الموقع فقط.
ولم يحدد ماكرون نوع المعدات ولا عدد الجنود ولا موعد وصولهم، كما لم يتطرق إلى مصير القوات الفرنسية في حال وقوع إصابات أو خسائر في العتاد. وبحسب موقع “ذا وور زون” (The War Zone)، يرجّح ذكر الرادارات، مع كون التهديد للبنية النفطية السعودية جويًا في معظمه عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، أن تكون القوات المرسلة من وحدات الدفاع الجوي. وأفاد الموقع بأنه طلب تفاصيل إضافية من السفارة الفرنسية.
هجمات متصاعدة على شريان النفط السعودي
جاء القرار إثر هجمات متكررة بالصواريخ والمسيّرات نفذها الحوثيون، إضافة إلى ضربات يُشتبه في أن ميليشيات مدعومة من إيران في العراق شنّتها على البنية التحتية النفطية السعودية. وتكتسب ينبع أهمية خاصة، إذ حوّلت السعودية ملايين البراميل يوميًا عبر خطوط الأنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بهدف الحد من نقص الطاقة الناجم عن الأعمال العدائية حول الخليج العربي.
وقبيل إعلان ماكرون، زعم الحوثيون تنفيذ موجتين جديدتين من الهجمات على أهداف سعودية، بينها منشأة أرامكو السعودية (Saudi Aramco) في ينبع، مستخدمين صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة. وادّعوا كذلك استهداف الرياض، غير أن السعودية لم تؤكد ذلك فورًا، ولم يصدر الدفاع المدني السعودي إنذارًا طارئًا في العاصمة يوم الخميس. وقالوا في وقت سابق من اليوم نفسه إنهم أصابوا مراكز قيادة وسيطرة وغرف عمليات ومستودعات أسلحة ومنصات إطلاق صواريخ ومواقع عسكرية تابعة لتشكيلات التحالف بقيادة السعودية في جازان (Jizan)، المدينة المطلة على البحر الأحمر.
في المقابل، أعلن التحالف بقيادة السعودية إسقاط 6 صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون، بحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” (The New York Times)، في ما بدا أنه من أكبر الهجمات العابرة للحدود للجماعة منذ تجدد الصراع مع المملكة. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي (Maj. Gen. Turki al-Maliki)، إن الصواريخ استهدفت مدينتي الطائف (Taif) وينبع، متوعدًا بالتعامل بحزم مع تصعيد الحوثيين، ودون أن يحدد مواقع الاعتراض. وأكد “ذا وور زون” أنه لا يستطيع التحقق بصورة مستقلة من أي من هذه الادعاءات.
من الحصار إلى خط الأنابيب
تمثل هجمات الخميس أحدث حلقة في تصعيد متواصل بين الحوثيين والسعودية. ففي وقت سابق من العام، فرض الحوثيون حصارًا على مضيق باب المندب (Bab al-Mandab)، وبدأوا استهداف سفن سعودية في الجزء الجنوبي من البحر الأحمر، إلى جانب محطات طاقة حيوية على سواحله ومصافٍ سعودية. كما ضربت جهات مرتبطة بإيران خط أنابيب شرق-غرب (East-West Pipeline) الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر لتجاوز مضيق هرمز (Strait of Hormuz)، حيث قلّصت إيران حركة الملاحة بشدة بعد إطلاق عملية “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury). وأفادت تقارير بأن الخط استُؤنف تشغيله بعد إغلاقه إثر هجوم بطائرة مسيّرة بعيدة المدى.
السيناريو الأسوأ: هرمز مغلق والبحر الأحمر مهدد
يرى “ذا وور زون” أن ماكرون يواجه حقيقة قاسية: فإذا دُمّرت البنية النفطية السعودية ونقاط النقل قرب البحر الأحمر، أو أُغلق خط الأنابيب المغذي لها أشهرًا، سيُقفل آخر شريان نفط رئيسي من المنطقة، ولا سيما نحو أوروبا، ما يفاقم أزمة الطاقة. وكانت إيران قد قلّصت تدفق النفط عبر مضيق هرمز بشدة منذ هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في 28 فبراير/شباط الماضي، ثم زاد الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية من تعقيد الحركة. غير أن عمليات العبور ارتفعت أخيرًا بفضل مرافقات عسكرية أميركية، تقول القيادة المركزية الأميركية (U.S. Central Command) إنها أتاحت مرور أكثر من مليار برميل من الخام عبر المضيق، مع بقاء الحركة أدنى بكثير من مستوياتها قبل الحرب.
وبلغ سعر خام برنت (Brent) نحو 107 دولارات للبرميل مساء الخميس بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي، بحسب موقع “أويل برايس” (OilPrice.com)، بعدما كان دون 100 دولار قبل يومين. وسعى ماكرون إلى طمأنة الفرنسيين بشأن الإمدادات، إذ قال، بحسب “فرانس 24” (France 24)، إنه أجرى نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا شمل لقاء قادة السعودية والعراق ونيجيريا، وهي دول مورّدة للمحروقات، لضمان استمرار حصول فرنسا على الكميات نفسها، وإن مخزونات الغاز والنفط جرى تعويضها للأشهر المقبلة.
لندن سبقت باريس
يأتي قرار ماكرون بعد إعلان سلاح الجو الملكي البريطاني (Royal Air Force) يوم الثلاثاء نشر إحدى طائرات التزود بالوقود من طراز “فوياجر” (Voyager) للمساعدة في دفاع السعودية من هجمات الحوثيين، وهو قرار ارتبط بدوره بمخاوف تدفق النفط. وقالت وزارة الدفاع البريطانية إن تصاعد التوتر في الخليج قد يترك تبعات سلبية على بريطانيا، من ارتفاع الأسعار واضطراب إمدادات الطاقة إلى زيادة كلفة الأعمال، وإن من مصلحة بريطانيا الوطنية اقتصاديًا وأمنيًا ألا ينجح الحوثيون في تحقيق أهدافهم. وأكدت أن للسعودية وللحكومة اليمنية حق الدفاع عن النفس. وبحسب “بي بي سي” (BBC)، ستعمل الطائرة من قاعدة جوية بريطانية في قبرص وتبدأ عمليات التزود بالوقود جوًا خلال الأيام المقبلة.
واشنطن وحلفاء الرياض: تريّث حتى الآن
يتناقض الموقفان الفرنسي والبريطاني مع قرار الولايات المتحدة ودول أخرى عدم الانخراط في المواجهة السعودية الحوثية. فقد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب (Donald Trump) الأسبوع الماضي طلبًا مباشرًا من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (Mohammed bin Salman) بمهاجمة الحوثيين، وفق ما ذكرته “نيويورك تايمز”. أما باكستان وتركيا، الموقعتان مع السعودية على اتفاقية مكة للدفاع المشترك (Mecca Joint Defense Agreement)، فلم تقدما دعمًا عسكريًا مباشرًا بعد. وتعتبر الاتفاقية أي هجوم على طرف هجومًا على الجميع، دون أن تحدد الإجراءات المطلوبة.
اليمن: حرب تشتعل من جديد
تدهور الوضع الأمني في اليمن تدهورًا كبيرًا منذ إطلاق “الغضب الملحمي”، بعدما انضم الحوثيون إلى الصراع الأميركي الإيراني إلى جانب داعمهم الرئيسي. ويهاجم الحوثيون السعودية مباشرة بدعوى أن المملكة تفرض حصارًا عليهم. كما عادت الحرب الأهلية شبه الخامدة بينهم وبين القوات الحكومية المعترف بها دوليًا والمدعومة سعوديًا، وحقق الحوثيون مكاسب ميدانية كبيرة، منها السيطرة على ميناء المخا (Mokha) وجزيرتين رئيسيتين في البحر الأحمر، ما عزز قبضتهم على باب المندب.
اندلعت الحرب الأهلية اليمنية عام 2014 واتسعت بعد عام مع دخول تحالف بقيادة السعودية إلى جانب الحكومة التي أطاح بها الحوثيون، ثم خفتت المواجهات إلى حد بعيد بعد هدنة هشة عام 2022. وامتنعت الرياض عن التدخل في صراع البحر الأحمر الأخير، الذي شهد مواجهات بين سفن حربية أميركية وأخرى تابعة للتحالف من جهة والحوثيين من جهة أخرى، وانتهى بحملة جوية بقيادة أميركية على اليمن أدت فيها بريطانيا دورًا بارزًا.
وفي طهران، حذّر مستشار كبير للمرشد الإيراني، بحسب “سي بي إس نيوز” (CBS News)، من أن القوات الإيرانية وحلفاءها الحوثيين قد يردون على أي هجمات أميركية جديدة بفتح “جبهة جديدة” عبر استهداف إمدادات الطاقة في البحر الأحمر. وجاء التحذير بعد تهديد جديد وجّهه ترامب إلى إيران يوم الأربعاء، تساءل فيه بين إبرام اتفاق معها أو سحقها سريعًا، مرجّحًا أن يتوصل إلى اتفاق سلام بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية. ويشير الموقع إلى أن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يضر بالاقتصاد الأميركي، وأن إدارة ترامب للحرب لا تحظى بشعبية لدى الناخبين.




