العقيد الركن م. ظافر مراد
دخلت روسيا في مرحلة جديدة في تطوير المسيّرات الهجومية بعيدة المدى، عبر الانتقال من Geran-2 البطيئة إلى طرازات نفاثة مثل Geran-4 وGeran-5 ، والهدف العملياتي واضح يتمثل بإنتاج منصة تجمع جزءًا من خصائص صاروخ الكروز، السرعة والمدى والحمولة والقدرة على مقاومة التشويش، لكن بكلفة تسمح بإنتاجها واستخدامها بأعداد كبيرة.
حصل التحول الأبرز في النموذجين الحديثين بمحرك الدفع النفاث، فالمسيّرات الجديدة تصل سرعتها، وفق بيانات أوكرانية نقلتها مصادر دفاعية، إلى نحو 450–600 كم/ساعة، مقابل نحو 180–200 كم/ساعة للطرازات السابقة؛ وترتفع أهمية السرعة عندما تقترن بالتحليق على ارتفاعات أعلى؛ إذ تخفض زمن الإنذار وتحد من فعالية بعض وسائل الاعتراض القصيرة المدى، أما Geran-5 فتُقدَّر حمولتها بنحو 90 كغ، مع مدى يقترب من 1,000 كم، ما يضعها في فئة وسطى بين المسيّرة الانتحارية التقليدية وصاروخ الكروز.

لم يقتصر التطوير في سلسلة Giran على المحرك، فقد رُصدت في النماذج الجديدة أنظمة ملاحة واتصالات أكثر مقاومة للحرب الإلكترونية، بما في ذلك هوائيات CRPA لمقاومة التشويش على الملاحة بالأقمار الصناعية، كما جرى تطوير الاتصالات والبرمجيات ومسارات الطيران بصورة متكررة، بما يسمح للمنصة بالتكيف مع إجراءات الدفاع الجوي الأوكراني.
بالنسبة لميزة الإنتاج الصناعي الكمي، نقل معهد دراسة الحرب عن الاستخبارات العسكرية الأوكرانية أن إنتاج Geran-4 وGeran-5 بلغ نحو 3,000 مسيّرة شهريًا في روسيا؛ هذه الكمية تغيّر طبيعة التهديد وحجمه، يكفي أن تكون رخيصة، بعيدة المدى، قابلة للإنتاج بكثافة، وقادرة على تحقيق اختراق شبكة الدفاع الأوكراني بنسبة عالية، ما يخلق معضلة عملياتية عند الجيش الأوكراني، ومشكلة إقتصادية عند الحكومة الأوكرانية التي تطالب بمزيد من الدعم الغربي لأنظمة الدفاع الجوي الأوكراني.
أشارت Reuters في سبتمبر 2026 إلى تراجع معدلات اعتراض المسيّرات النفاثة مقارنة بالمسيّرات السابقة الأبطأ، والأسوأ أن إسقاط هدف لا تتجاوز كلفته بضعة آلاف من الدولارات بصاروخ اعتراضي أغلى بكثير، يخلق معادلة استنزاف غير موءاتية للمدافع، لذلك تتجه أوكرانيا إلى تطوير مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة بدل الاعتماد الدائم على الصواريخ الباهظة، وهنا تحولت المعركة إلى سباق صناعي واقتصادي ومحاولة تكيُّف مع كل ما هو مستجد من تغييرات في القدرات العملياتية والتكتية عند الطرفين.

إن نموذجي Geran-4 وGeran-5 لا يمثلان فقط مجرد تحسين للمسيّرات الروسية، بل محاولة لإنشاء قدرات هجومية جديدة بين المسيّرات التقليدية وصواريخ الكروز، وإذا استمرت روسيا في رفع السرعة والحمولة ومقاومة التشويش مع الحفاظ على الإنتاج الكثيف، فقد يصبح التحدي كبيراً والمخاطر مرتفعة، ليس فقط على الأوكرانيين، بل على الأوروبيين أيضاً.




