ما بعد الـGPS: كيف تتوجه الجيوش حين تسقط الأقمار الصناعية؟

العقيد الركن م. ظافر مراد

أظهرت سلسلة من البرامج والاختبارات العسكرية خلال عامي 2025 و2026 اهتمامًا متزايدًا بمسألة الملاحة والتوجيه في ظروف التشويش والحرب الإلكترونية، حيث تفقد أدوات تحديد الموقع فاعليتها أمام سيل من الهجمات والتأثيرات المعادية. ومن هنا تعمل الولايات المتحدة وبريطانيا على بناء طبقات للملاحة والتوقيت والاستشعار، أو ما يُعرف بـ”PNT-Positioning, Navigation and Timing”، قادرة على مواصلة عملها حين يتحول الفضاء نفسه إلى بيئة معادية، وحين تفقد المنصات العسكرية اتصالها بمصادر الملاحة الفضائية. والجدير بالذكر أن هذه التقنيات لم تعد حبيسة المختبرات، فقد اختُبر بعضها على طائرات ومركبات برية وسفينة بحرية، ويجري اختبار بعضها الآخر على منصات غير مأهولة ذات استخدام هجومي.

في 2 آذار/مارس 2026، كشفت وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأميركية “DARPA-Defense Advanced Research Projects Agency” عن تقدم برنامج “ROCkN – Robust Optical Clock Network”، الذي يهدف إلى توفير توقيت دقيق على المستوى العسكري حتى في البيئات التي حُرم فيها النظام من  GPS، وتقول DARPA إن البرنامج نجح في اختبار تقنيات الساعات البصرية على طائرات ثابتة الجناح ومركبات برية وعلى متن سفينة بحرية، ويجري التحضير لاستخدامها في الملاحة والحرب الإلكترونية والاستطلاع، والأكثر دلالة أن الوكالة تقول صراحة إن هذه التقنية يمكن أن تحافظ على دقة التوقيت لفترات تمتد إلى أشهر من دون الاعتماد على دعم وإشارات  GPS.

لا يعتبر الـ GPS مجرد وسيلة لمعرفة الموقع، فبنيته الزمنية تدخل في عمل الصواريخ، الطائرات، السفن، المدفعية، شبكات الاتصالات وأجهزة الاستشعار؛ لذلك فإن تعطيله لا يعني فقط إضاعة الاتجاه، بل يعني أيضًا ضرب البنية الزمنية التي تربط عددًا كبيرًا من الأنظمة العسكرية ببعضها.

في 6 آب/أغسطس 2026، انتقلت DARPA نحو خطوة إضافية بإطلاق برنامج “It’s About Time”، المخصص لإنشاء خط تصنيع لساعات بصرية كمّية عسكرية يمكن إنتاجها على نطاق أكبر. وحصلت شركة IonQ، على العقد لإنشاء خط الإنتاج، مع توقع افتتاح منشأة التصنيع في 2027. وتقول DARPA إن الهدف هو دمج هذه الساعات في منصات عسكرية لتحقيق قدرات “ما بعد الـ GPS ” في بيئات متنازع عليها

.

تعمل  DARPA أيضًا ومنذ سنوات على تطوير أنظمة ملاحة تعتمد على الفيزياء الكمّية بدل الإشارات الخارجية. وفي برنامج Adaptable Navigation Systems، تبحث الوكالة في دمج وحدات قياس قصورية متقدمة مع مصادر بديلة للموقع وخوارزميات قادرة على إعادة تشكيل منظومة الملاحة أثناء المهمة وفق المستشعرات المتاحة. ويتضمن البرنامج تطوير أنظمة قصور ذات ذرات باردة قادرة على توفير ملاحة دقيقة لفترات طويلة من دون الاعتماد على تحديثات خارجية.

وفي آب/أغسطس 2026، أطلقت DARPA برنامج PINPOINT، وهو أكثر مباشرة في دلالته العملياتية. فالبرنامج يستهدف تطوير وحدات ملاحة قصورية صغيرة جدًا تستطيع توفير دقة قريبة من GPS  خلال مهام تمتد لساعات في بيئة محرومة من GPS، مع تصميم يستهدف في النهاية الذخائر الموجهة والمنصات غير المأهولة وغيرها من الأنظمة القتالية، وتصف DARPA المشكلة بأنها “الاعتماد المنهجي” على GPS، وتقول إن الهدف النهائي هو تمكين المنصات من تحديد موقعها وملاحتها من دون الاعتماد على إشارات خارجية، وهنا تبدأ الصورة بالتغير، حيث لم تعد الولايات المتحدة تبحث عن جهاز واحد يحل محل  GPS؛ بل عن هندسة ملاحة موزعة تستطيع الانتقال بين مصادر مختلفة، والاستمرار في العمل حتى إذا سقط أحدها.

.

في 6 أيار/مايو 2026، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عقدًا بقيمة 6 ملايين جنيه إسترليني مع شراكة تقودها QinetiQ  لتطوير برنامج  Urgent Compass  الهدف هو تطوير نظام eLoran يمكن نشره في البيئات التي تتعرض فيها أنظمة الملاحة الفضائية للتشويش أو التلاعب. وتوضح الوزارة أن النظام الأرضي منخفض التردد يمكن أن يوفر بديلًا موثوقًا عن الملاحة الفضائية في البيئات المتنازع عليها، وفي 8 أيلول/سبتمبر 2026، أكدت الحكومة البريطانية في إجابة برلمانية أن Alternative Navigation Project  يبحث بصورة مباشرة عن بدائل لـGPS، وأن مرحلة التقييم الأولية تشمل مجموعة من التقنيات التي يمكن أن تدخل في الاستخدام المستقبلي للقوات المسلحة البريطانية.

في 9 أيلول/سبتمبر 2026 ظهرت القطعة الأكثر إثارة في هذه السلسلة، حيث أعلنت شركة SandboxAQ الأميركية نجاح اختبار تكنولوجيا الملاحة المغناطيسية الكمّية AQNav على طائرة Northrop Grumman غير مأهولة من نوع Lumberjack، وهي منصة من الفئة الثالثة صممت كطائرة قابلة للاستهلاك ومخصصة لمهام هجومية أحادية الاتجاه، ووفق إعلان الشركة، كان الاختبار أول حالة معلنة لدمج الملاحة المغناطيسية مع الملاحة البصرية على منصة جوية من هذا النوع، التقنية تعتمد على قياس المجال المغناطيسي للأرض لتحديد الموقع، من دون الحاجة إلى إشارات أقمار صناعية خارجية، ويمكنها العمل بالتوازي مع أنظمة الملاحة القصورية والبصرية والأقمار الصناعية، وهنا تكمن أهمية الحدث، فالملاحة المغناطيسية المدعومة بتقنيات الإستشعار الكمي بدأت تنتقل من المختبر إلى منصات جوية غير مأهولة، وهذا يعتبر تطورًا هامًا جدًا على صعيد الإستخدام الفعلي في بيئة العمليات.   

درست القوات الجوية الأميركية منذ سنوات إمكانية استخدام المجال المغناطيسي لقشرة الأرض كمصدر للملاحة غير المعتمدة على GPS، وقد أوضح مختبر أبحاث القوات الجوية أن خرائط المجال المغناطيسي للقشرة يمكن مقارنتها بالقياسات التي تجمعها الطائرة لتحديد موقعها واتجاهها، وأن هذا المجال يوفر ميزة مهمة لا يمكن للخصم تزويرها أو التشويش عليها.

ما كان بحثًا تقنيًا سابقًا، أصبح اليوم جزءًا من سلسلة اختبارات ومنصات وبرامج إنتاج، والمعركة المقبلة في الملاحة العسكرية لن تكون بين نظامGPS  ونظام مماثل بديل، فالمعادلة تتجه إلى شيء أكثر تعقيدًا وكفاءة، وهو نظام “PNT-Positioning, Navigation and Timing” متعدد الطبقات والمصادر، عصي على التشويش والإبطال، إذا تعرضت الأقمار الصناعية للتشويش، تنتقل المنصة إلى الملاحة القصورية، وإذا استمر الخطأ، تستعين بالمجال المغناطيسي أو الرؤية أو مصادر أرضية، وإذا تعرض أحد المستشعرات للخداع، تستطيع الخوارزميات مقارنة مصادر متعددة وإعادة تشكيل الحل الملاحي، هذه ليست زيادة تقنية صغيرة في دقة الملاحة، بل هي ثورة تكنولوجية ستفرض تغييرًا هائلًا ليس فقط على الأنظمة والتكنولوجيا العسكرية، بل أيضًا على كثير من القطاعات المدنية، عندها لن يكون السلاح الأخطر هو الصاروخ الأسرع أو المسيّرة الأطول مدى، بل السلاح الذي يواصل معرفة مكانه عندما يفقد الجميع الإشارة.