العقيد الركن م. ظافر مراد
بعد نهاية الإسبوع الثاني من الحرب التي تخوضها أميركا وإسرائيل على إيران وحلفائها على عدة جبهات، كثرت التحليلات وتضاربت الآراء على الشاشات وعكست جو من الغموض وعدم اليقين الذي يحيط بمسارات الحرب ونتائجها، والحقيقة وعلى عكس ما يشاع، فإن مسار العمليات العسكرية يسير بشكله الطبيعي والواضح، وضمن التوقيتات والمهل المتوقعة، ونحن الآن أصبحنا في نهاية مرحلة “إمتلاك المبادرة-Seize the Initiative” وعلى مشارف مرحلة “الهيمنة- Dominate”، وفي هذه الأثناء ما يحصل هو عملية التفكيك النهائي للقدرات العملياتية الإيرانية، وعلى وجه الخصوص عند الحرس الثوري الإيراني، وذلك بالقضاء على القدرات الصاروخية والجوية والبحرية والدفاع الجوي ومنظومات القيادة والسيطرة، بمعنى أن ما سيتبقى من قدرات، لن يحقق أي نتائج أو مكتسبات إستراتيجية ولا حتى عملياتية تستحق الذكر في الصراع، وبعد الإنتهاء من هذه المرحلة تبدأ مرحلة الهيمنة والتي من المرجح أن تترافق مع نزول “قوات على الارض- Boots on the Ground” وهذا ما يثير جدلاً واسعاً في الاوساط السياسية الاميركية، لا سيما عند الديموقراطيين الذين يعارضون الحرب، ولكن في المنطق العملياتي، ووفقاً لأهداف الحرب والغاية النهائية المرجوة، والتي تتجاوز القدرات النووية والباليستية الإيرانية، لا يمكن إستكمال مرحلة الهيمنة دون عمل حاسم على الارض، أقله السيطرة المباشرة أو غير المباشرة على المواقع الإستراتيجية والمنشآت الهامة والحيوية، وتهيئة الظروف لإخضاع النظام القائم أو لإستبداله، وهناك عدة مناطق مرشحة للتدخل البري الأميركي، مثل بعض الجزر الإستراتيجية وبعض المناطق الحدودية في الشرق وفي الغرب.
أيقنت القيادة الإيرانية أنها وصلت لمرحلة حرجة من حيث القدرات الهجومية والدفاعية، وأنها لا تستطيع إستكمال المواجهة بشكلها التقليدي، لذلك فهي تطرح خيار التفاوض ووقف القتال، وبنفس الوقت تحاول إطالة أمد هذه المرحلة ومنع الأعداء من الوصول إلى الهيمنة على مسارح الحرب، وهي وبالتزامن عن الحديث عن المفاوضات، تهدد بنمط وإسلوب جديد في المواجهة يتجاوز البعد العسكري وتهديد سلاسل إمداد الطاقة، ليطال أبعاداً أخرى إقتصادية وبيئية وعمليات إنتقامية خارج مناطق الصراع ومسارح العمليات، ولا يبدو أن الطرف الأميركي-الإسرائيلي يريد الخوض حالياً بأية مفاوضات، في ظل عدم إستكمال متطلبات إخضاع الخصم الكامل للشروط الأميركية والإسرائيلية.
بالنسبة لمسرح لبنان، فمن الواضح أن طهران تحافظ على القيادة والسيطرة العملياتية هناك، على الرغم من لا مركزية المواجهات على المستوى التكتي، فهي تحتفظ بالقرار في هذه الجبهة وتربطه بأي حل أو تفاوض على مستوى المواجهة الشاملة، مع ذلك، قدمت الحكومة اللبنانية مبادرة لوقف الحرب والبدء بمفاوضات مباشرة، ومن الواضح ان هذه المبادرة لا افق لديها ولا فرص للنجاح في هذه الظروف وفي هذه المرحلة من القتال، فالجيش الإسرائيلي أتخذ القرار وأعد العدة لمعركة طويلة سينفذها على مراحل، بهدف القضاء على بنية حزب الله العسكرية، وهو يقوم حالياً بتثبيت وتقييد حركة الحزب في العمق اللبناني من خلال توجيه ضربات جوية وأستهداف اشخاص ومراكز، أما على الجبهة فهو يخوض معارك صعبة ويتقدم ببطء بهدف توسيع الحزام الامني، وقد حشد عدة فرق موزعة على القطاعات الشرقي والأوسط والغربي، ومن المتوقع إرتفاع حدة المواجهة وتوسُّعها على هذه الجبهة في ظل احاديث عن خطة إسرائيلية لإجتياح واسع النطاق في العمق اللبناني.

مقابل الضغط العسكري الكبير عليها، نجحت إيران (أقله لغاية الآن)، في المحافظة على سيطرتها على الجبهة الداخلية، ومنعت أي خرق أو خلل أمني من شأنه أن يهدد وحدة الصف ويفتح ثغرات تزعزع هيكلية النظام القائم، وهي نجحت أيضاً في عملية توسيع مسرح الحرب ونطاق المواجهات، ونقلتها من البعد العسكري لتطال البعد الإقتصادي، وبالتحديد البعد الطاقوي، إضافة إلى أنها أضفت تهديداً جيوستراتيجياً ليس فقط على مستوى المنطقة، بل ايضاً على مستوى العالم، فعلى مستوى المنطقة هي توزع المخاطر والتهديدات على جيرانها في الخليج، بطريقة مدروسة تستجدي ضغطاً لإيقاف الحرب، وعلى مستوى العالم فنحن نلاحظ أنه شيئاً فشيئاً يتم زج قوى وقدرات غربية جديدة في الصراع، وبنفس الوقت يتحاشى آخرون التورط في المواجهة، معبرين عن الحاجة لإنهاء الحرب والعودة للخيار الديبلوماسي، وها هو ترامب يدعو حلفاؤه للمشاركة في عملية تأمين مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه يهدد المستفيدين من عبور إمدادات الطاقة عبر المضيق ومن ضمنهم الصين، طالباً المشاركة في هذه المهمة التي يريدها واجب دولي لا بد منه.

هناك سيناريوهات ثلاث مرجحة في الايام والاسابيع القادمة، وهذه السيناريوهات تتسابق وتتسارع في الزمان والمكان، فالحرب بلا شك ستطول لشهور وليس فقط لاسابيع، ومداها الزمني لا يشير إلى خلل في تحقيق الاهداف بقدر ما يشر إلى إعتبارات وعوامل مستجدة فرضت إطالة أمدها، فعلى مستوى لبنان، من المرجح الدخول في مواجهات في العمق ضمن إجتياح بري قد يصل إلى البقاع، وعلى مستوى البعد الطاقوي، قد تُفتح جبهة اليمن ومضيق باب المندب بالتزامن مع تزايد التهديدات في مضيق هرمز، وإستهداف لناقلات النفط ومنشآت الغاز في المنطقة، ما يعني إرتفاع عالمي في اسعار الطاقة سيدفع بقوى كبرى للتدخل، أما على مستوى المعركة الأساسية مع إيران، فمستوى التصعيد سيرتفع وسيزداد عنفاً وشدة، وسنشهد أحداثاً حاسمة ولكن مُكلفة، ستحدد مفاصل المرحلة المقبلة، مرحلة الهيمنة وفرض الإرادة.






