العقيد الركن م ظافر مراد
تتعامل طهران مع عملية التفاوض باعتبارها جزءًا من المواجهة العسكرية والضغط الاقتصادي، فهي تحاول إدارة مرحلة تتراجع فيها حرية الحركة، من دون أن تسمح لخصومها بتحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي دائم، والسؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كانت إيران تريد التفاوض، بل ما الذي تريد الاحتفاظ به عندما تنتهي الحرب.

ذكرت وكالة “رويترز” في 9 أكتوبر 2026، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث عن مناقشات مثمرة مع إيران، وأعلن عدم شن هجوم عليها قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بالتزامن مع استمرار العقوبات الأميركية، ويكشف هذا التوقيت تداخلاً بين حسابات الأمن القومي الأميركي وضغوط الطاقة والاعتبارات الانتخابية الداخلية.
هناك العديد من الاسئلة المطروحة تدور في اذهان المحللين والمتابعين لهذا الصراع، وأبرزها:
أولاً: في ظل بعض التناقض في التصريحات الإيرانية حول الإستعداد للحرب، والنية بمتابعة التفاوض، هل ترسل إيران إشارات غزل إلى واشنطن؟
الوصف الأدق بأنها إشارات اختبار متبادل، لا تحول استراتيجي في العلاقة، فطهران تريد تخفيف الضغط الاقتصادي، ومنع تجدد الضربات، والحفاظ على ما تبقى من أوراقها التفاوضية. أما واشنطن فتريد اتفاقاً يحد من المخاطر النووية والأمنية، ويحمي الملاحة والمصالح الأميركية وحلفاءها، وفي تقرير نشرته “أكسيوس” في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تناولت المنصة تعثر المفاوضات بسبب انعدام الثقة واختلاف إيقاع التفاوض بين الطرفين: إدارة ترامب تبحث عن اتفاق سريع يمكن إستثماره سياسياً، بينما تسعى طهران إلى مسار تدريجي يحافظ على أوراق الضغط لديها.
المشكلة أن الطرفين قد يقبلان التفاوض لأسباب مختلفة تماماً، واشنطن تريد تسوية قابلة للإعلان، ووقتاً يسمح ببناء القدرات الهجومية والدفاعية عندها وعند حلفائها، فيما تريد طهران تسوية تمنع فرض شروط استراتيجية عليها تحت ضغط الحرب، لتحافظ على مقومات البقاء لنظامها الحالي لما بعد مرحلة ترامب.
ثانياً: الضغط على الخليج وإستهدافه ورقة تفاوض أم خطأ استراتيجي؟
يمثل مضيق هرمز أهم أدوات الضغط الإيرانية في المرحلة الراهنة، لأن تعطيل الملاحة يربط المواجهة العسكرية بأسعار الطاقة والتجارة العالمية. وذكرت “رويترز” في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن طهران ربطت إعادة فتح المضيق بتنفيذ سبعة شروط مستندة إلى مذكرة تفاهم سابقة، مؤكدة أن أولويات المرحلة تشمل أمن الملاحة والخطوات الأميركية المطلوبة، وبهذا المعنى، لا تخاطب إيران واشنطن وحدها؛ إنها تخاطب أسواق الطاقة والدول المستوردة للنفط وحكومات الخليج التي تتحمل كلفة الاضطراب، والتي تريدها إيران أن تُصاب بما تتعرض له هي.

لكن لهذه الورقة حدوداً خطرة، فالضغط على الخليج قد يدفع دوله إلى تعزيز التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، وتوسيع التنسيق الأمني فيما بينها، وتسريع تنويع طرق تصدير الطاقة، وهكذا يمكن أن تحقق طهران ضغطاً اقتصادياً فورياً، لكنها تساهم في الوقت نفسه في بناء بيئة إقليمية أكثر استعداداً لاحتوائه، وأكثر عداءُا لها في المستقبل.
ثالثاً: هل يمكن التعايش مع النظام الإيراني الحالي؟
نعم، من حيث المبدأ، إذا جرى التمييز بين طبيعة النظام السياسية وسلوكه الخارجي، فالتعايش الإقليمي لا يشترط تطابق الأنظمة، وإنما يحتاج إلى قواعد تمنع استخدام القوة لفرض الإرادة السياسية، وتحمي الملاحة والمنشآت المدنية، وتحد من مخاطر الانتشار النووي والتصعيد عبر الجماعات المسلحة، أما محاولة إقصاء إيران بالكامل من المعادلة الإقليمية، من دون معالجة مصادر الصراع، فقد تترك المنطقة أمام جولات جديدة من المواجهة. وفي المقابل، فإن قبول دور إقليمي إيراني من دون قيود على أدوات الضغط العسكرية لن يوفر استقراراً دائماً، ولدى الإدارة الأميركية حالياً تصور واضح حول سلوك النظام الحالي والمستقبلي، وقناعة بأن هذا السلوك لن يتغير، لذلك ستعتمد إستراتيجية الضغط الأقصى لإجباره على الرضوخ، أو لزعزعة مقومات إستمراريته.

رابعاً: أين تنتهي حدود التفاوض وتبدأ المواجهة؟
تظهر نقطة الاختبار عندما يطلب كل طرف من الآخر التخلي عن ورقته الأقوى قبل الحصول على مقابل واضح. تريد واشنطن حماية الملاحة وتقليص المخاطر النووية والأمنية، بينما تريد طهران تخفيف الحصار والعقوبات وضمان عدم استئناف الهجمات. لذلك تحتاج التسوية إلى التزامات متبادلة ومحددة، تشمل ترتيباً زمنياً للتنفيذ، وآلية مستقلة لمراقبة الالتزام، وضمانات للتعامل مع أي خرق، بما يراعي مخاوف إيران وجيرانها من دون تحويل الهدنة إلى استراحة عملياتية، وهذا مستبعد حالياً، فإيران تراهن على الوقت، وعلى تراجع شعبية ترامب، وعلى نفاذ صبر الإدارة الأميركية ودفعها لقبول اي تسوية مقبولة للخروج من المستنقع الإيراني، وكل تفاوض يؤدي إلى حلول مجتزأة ومرحلية سيكون عبارة عن وقفة عملياتية تُستغل لبناء القدرات القتالية وتحسين ظروف المواجهة، وهناك إرتباط وثيق بين حالة الستاتيكو الحالية وموعد الغنتخابات النصفية في الولايات المتحدة، فبعد هذا الموعد، ومهما كانت النتائج، سيرتفع مستوى التصعيد وربما سنذهب غلى جولة جديدة أكثر عنفاً وقوة، بالتزامن مع المعارك التي تدور في اليمن ومحاولة نزع ورقة باب المندب من يد الحوثيين.

خامساً: ماذا يستطيع الديمقراطيون أن يفعلوا في الضغط الداخلي على ترامب؟
لا يملك الديمقراطيون منفردين سلطة تحديد سياسة ترامب الخارجية، لكنهم يستطيعون زيادة الكلفة السياسية والرقابية للحرب، وذكرت “بلومبرغ غافرنمنت” في 24 يوليو/تموز 2026 أن الديمقراطيين استخدموا تصويتات للحد من الحرب، وسعوا إلى توظيف مشاريع التمويل والتشريعات الدفاعية للضغط باتجاه التفاوض، وتزداد أهمية هذا الدور مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، خصوصاً إذا ارتفعت أسعار الوقود أو ظهرت كلفة مالية وعسكرية إضافية. لكن تأثيرهم ليس مضموناً؛ فالضغط التشريعي قد يحد من خيارات الإدارة أو يفرض نقاشاً أوسع، من دون أن يجبر الرئيس تلقائياً على قبول الشروط الإيرانية.
تحاول إيران تحويل قدرتها على إرباك المنطقة إلى نفوذ تفاوضي، فيما تحاول واشنطن تحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى تنازلات إيرانية قابلة للإستثمار. وبين الهدفين، يبقى الخليج ساحة ضغط ومصلحة مشتركة في آن واحد.

