التعرّف إلى الوجوه بالذكاء الاصطناعي: منظومات المراقبة الجديدة وتحدي إخفاء الهوية

العقيد الركن م ظافر مراد

تتحول تقنيات التعرّف إلى الوجوه إلى أداة عملياتية متقدمة في الأمن الداخلي وحماية المنشآت ومراقبة الحدود والتحقيقات الجنائية، وتنبع أهميتها من قدرتها على تحويل تدفق الصور من الكاميرات إلى بيانات بيومترية قابلة للمقارنة مع قواعد معلومات الأشخاص، بما يتيح توليد تنبيهات أمنية بسرعة عالية، وتكمن القيمة الفعلية في دمج هذه التقنية مع أنظمة إدارة الفيديو وقواعد البيانات، وليس في خوارزمية التعرّف منفردة.

تقدم شركة  Corsight AI عبر منصتها “Fortify” ( تأسست عام 2019 ومقرها إسرائيل)، نظاماً لتحليل الصور والتعرّف إلى الوجوه في الحشود وظروف الرؤية الصعبة، ووفقاً للمواصفات المنشورة على الموقع الرسمي للشركة، تستطيع المنصة العمل في إضاءة منخفضة جداً، ومع زوايا تصوير حادة ووجوه محجوبة جزئياً وصور متأثرة بالحركة؛ وتعلن الشركة كذلك قدرتها على مطابقة الوجوه مع قاعدة تضم مليون سجل خلال أجزاء من  الثانية، واستقبال بيانات والتعامل مع مئات الكاميرات في وقت واحد.

وفي تطور أكثر أهمية للتقييم الأمني، أعلنت Corsight في 23 آذار 2026 أن مختبر الفيزياء الوطني البريطاني (NPL) أجرى تقييماً مستقلاً لنظامها “Fortify Live Facial Recognition”، بتكليف من جهات بريطانية معنية بالقياسات البيومترية والاستشارات العلمية للشرطة، وقالت الشركة إن نتائج التقييم أظهرت أداءً مرتفعاً في التعرف إلى الوجوه ضمن ظروف تشغيلية واقعية.

عملياتياً، يمكن توظيف نظام مماثل في مطار أو منشأة حيوية لمقارنة الوجوه بقائمة مراقبة محددة، وإرسال تنبيه إلى فريق الأمن عند ظهور تطابق محتمل، ويظل التنبيه مؤشراً يحتاج إلى التحقق، لأن التشابه البيومتري لا يثبت وحده هوية الشخص أو تورطه في نشاط غير قانوني.

تتبنى شركة Clearview AI (تأسست عام 2017 في الولايات المتحدة الأميركية) نموذجاً مختلفاً، يركز على البحث عن صور مشابهة في قاعدة صور جمعتها من مصادر متاحة على الإنترنت، ووفقاً لوكالة رويترز في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2025، كانت الشركة تقول إنها جمعت أكثر من 60 مليار صورة لاستخدامات إنفاذ القانون، وتسمح هذه المقاربة، بحسب نموذج عملها، ببدء التحقيق من صورة مجهولة والبحث عن صور مشابهة يمكن أن تقود إلى خيوط إضافية للتحقق من الهوية.

تكشف القضية عن جانب حساس في استخدام هذه الأنظمة، فقد تناول تقرير رويترز الشكوى الجنائية التي قدمتها منظمة NOYB المعنية بالخصوصية في النمسا، متهمة الشركة بمخالفة قواعد حماية البيانات الأوروبية، وهذه شكوى تتعلق بادعاءات قانونية، وليست حكماً قضائياً نهائياً؛ وتبقى المسألة الاستراتيجية هي ما إذا كان نشر صورة على الإنترنت يسمح بتحويلها إلى عنصر ضمن قاعدة بيانات بيومترية قابلة للبحث الأمني واسع النطاق.

في 19 كانون الأول/ديسمبر 2019، نشر المعهد الوطني الأميركي للمعايير والتكنولوجيا (NIST) تقريره “NISTIR 8280″، الذي قيّم الفوارق الديموغرافية في خوارزميات التعرّف إلى الوجوه، وشملت الدراسة قرابة 200 خوارزمية من نحو 100 مطوّر، باستخدام مجموعات تضم أكثر من 18 مليون صورة لأكثر من 8 ملايين شخص. ووجد الباحثون اختلافات في معدلات الخطأ بين الفئات الديموغرافية لدى غالبية الخوارزميات التي اختبروها، مع تفاوت النتائج بحسب الخوارزمية ومهمة المطابقة، وبالنسبة إلى المؤسسات الأمنية، يجب الفصل بين معدل قبول التطابقات الصحيحة ومعدل الإنذارات الكاذبة، واختبار الأداء في ظروف التشغيل الفعلية، بما يشمل جودة الصور والإضاءة والمسافة والحجب الجزئي وحجم قائمة المراقبة. كما يجب قياس أثر الخطأ في القرار الميداني؛ فالتنبيه الخاطئ في بوابة دخول لا يحمل بالضرورة عواقب الخطأ نفسه في تحقيق جنائي أو عند توقيف شخص.

يتمثل التحول الاستراتيجي في إمكانية ربط هوية الفرد بحركته ومكان وجوده وتوقيت مروره، عبر دمج كاميرات متعددة وقواعد بيانات مختلفة؛ وعندما تصبح المطابقة مستمرة في الأماكن العامة، ترتفع احتمالات بناء سجل للحركة اليومية، حتى للأشخاص الذين لا يخضعون لأي اشتباه؛ وقد عالج الاتحاد الأوروبي هذه المخاطر في اللائحة  (EU) 2024/1689، المنشورة في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي بتاريخ 12 تموز/يوليو 2024؛ إذ فرضت المادة الخامسة قيوداً على استخدام التعرّف البيومتري عن بُعد في الزمن الحقيقي لأغراض إنفاذ القانون في الأماكن العامة، مع استثناءات محددة وضمانات قانونية، كما يمنع النص اتخاذ قرار ذي أثر قانوني ضار بحق شخص اعتماداً حصرياً على مخرجات النظام.

في المقابل، يفرض تغيير السمات الظاهرية للوجه أو إخفاؤها تحدياً تقنياً على أنظمة المطابقة، لكن أثره يختلف بحسب الخوارزمية وجودة الصورة وظروف التصوير؛ فلا يمكن افتراض أن تغيير المظهر يؤدي حتماً إلى تفادي التعرّف؛ ومن منظور الدفاع والأمن، ينبغي أن يشمل تقييم الأنظمة اختبار مقاومتها للتغيرات الطبيعية والمقصودة في المظهر، مع وضع ضوابط قانونية تمنع استخدام نتائجها بمعزل عن الأدلة الأخرى.

عسكرياً، تكتسب منظومات التعرّف إلى الوجوه قيمة عملياتية عند دمجها مع الاستخبارات الميدانية وأنظمة المراقبة وإدارة قواعد البيانات، إذ تتيح دعم حماية القواعد والمنشآت العسكرية، وضبط الدخول إلى المناطق الحساسة، والتحقق من الهويات في نقاط العبور، وتعقّب الأشخاص المطلوبين ضمن مسارح العمليات؛ وتزداد أهميتها عند ربطها بمصادر استشعار متعددة، بما يسمح ببناء صورة استخبارية عن حركة الأشخاص وصلاتهم المحتملة. غير أن فعاليتها تبقى مرتبطة بدقة البيانات، ومعدلات الخطأ، وسرعة التحقق البشري؛ فالإنذار البيومتري الخاطئ قد يقود إلى استنتاج استخباري مضلل أو قرار عملياتي مكلف؛ وفي بيئة الصراع الحديثة، يصبح التفوق في التعرّف إلى الهوية عاملاً داعماً للاستخبارات ومكافحة التجسس وأمن القوات، شرط أن تُعامل مخرجات الخوارزميات بوصفها مؤشرات للتحقق، لا أدلة نهائية لاتخاذ القرار العسكري.

كلما توسعت منظومات التعرّف البيومتري، ازدادت ضرورة ضبط الوصول إلى البيانات، وتحديد مدة الاحتفاظ بها، ومراقبة معدلات الخطأ، وإخضاع القرارات الحساسة للتحقق البشري والقانوني، فالتحدي أمام صانع القرار هو تحقيق التفوق في الرصد من دون تحويل المجتمع إلى مساحة منعدمة الخصوصية وتخضع للمراقبة الدائمة.