أ.د. غادة محمد عامر
زميل ومحاضر الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجي
أستاذ هندسة النظم الكهربائية – جامعة بنها
لم يعد السؤال اليوم هل سيغيّر الذكاء الاصطناعي العالم؟ بل من سيقود هذا التغيير، ومن سيدهسه القطار وهو واقف على الرصيف يتأمل كرسيه؟ نحن أمام تقنية لا تضيف أداة جديدة إلى صندوق أدوات القائد، بل تعيد تعريف القيادة ذاتها؛ فالقرار الذي كان يُتخذ في أسابيع صار يُتخذ في ثوانٍ. ولم تعد شرعية القائد تُستمد من المنصب أو الأقدمية، بل من قدرته على أن يتعلم أسرع مما يتغير العالم من حوله.
مؤسسات سقطت وأخرى نهضت وكان الفارق هو القائد
في عام 1975 اخترع المهندس “ستيف ساسون” أول كاميرا رقمية داخل مختبرات “كوداك”، لكن الإدارة رأت فيها تهديداً لتجارة الأفلام المربحة فوضعتها في الدرج، وفي 2012 أعلنت الشركة إفلاسها. لم تمت “كوداك” لأنها تجهل التكنولوجيا، فقد كانت هي من اخترعها، بل لأن قيادتها اختارت أن تحمي الماضي من المستقبل. وفي عام 2000 عرض مؤسسا “نتفليكس” بيع شركتهما على “بلوكبستر” بنحو 50 مليون دولار فقوبل العرض باستخفاف، ولم تمضِ عشر سنوات حتى أفلست “بلوكبستر” وتجاوزت قيمة “نتفليكس” مئات المليارات. والقصة نفسها تكررت مع “نوكيا” التي استهانت بالهاتف الذكي حتى بيعت وحدة هواتفها في 2013، وتُنسب إلى إدارتها عبارة مؤلمة: “لم نرتكب أي خطأ، لكننا خسرنا بطريقة ما”. والحقيقة أن عدم التغيير في زمن التحول هو الخطأ الأكبر.
وعلى الضفة الأخرى، حين تولى “ساتيا ناديلا” قيادة “مايكروسوفت” عام 2014 كانت تُوصف بأنها عملاق تجاوزه الزمن، فبدأ بتغيير الثقافة لا المنتجات، ونقلها من عقلية من “يعرف كل شيء” إلى عقلية من “يتعلم كل شيء”، وراهن مبكراً على الحوسبة السحابية ثم على الشراكة مع “OpenAI”، فعادت من أعلى شركات العالم قيمة. وبالروح نفسها أصغى “جينسن هوانج” في “إنفيديا” إلى باحثين شباب استخدموا بطاقات الألعاب في تدريب الشبكات العصبية، فحوّل شركة للرسوميات إلى العمود الفقري لاقتصاد الذكاء الاصطناعي.
دروس من الدول من أصغى ومن أعرض
وما يصدق على الشركات يصدق بصورة أشد على الدول، لأن ثمن الخطأ هنا يدفعه شعب بأكمله. ففي مطلع الثمانينيات حذّر المارشال السوفيتي “نيكولاي أوغاركوف”، رئيس هيئة الأركان، من “ثورة عسكرية تقنية” تقودها الحواسيب والأسلحة الذكية، فكان الرد إبعاده من منصبه عام 1984. وبعد سبع سنوات شاهد العالم في حرب الخليج ما تنبأ به، وتفكك الاتحاد السوفيتي عاجزاً عن مجاراة ثورة المعلومات. لقد كانت النصيحة موجودة، لكن الآذان كانت مغلقة. وفي المقابل قررت اليابان في عهد “ميجي” أن تتعلم من الغرب بلا عُقد، فبنت صناعتها الحديثة خلال جيل واحد. واليوم تقدم “سنغافورة”، الدولة التي لا تملك موارد طبيعية، نموذجاً حين جعلت الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية سياسة دولة، بينما حوّلت “إستونيا” هجوماً سيبرانياً شلّ مؤسساتها عام 2007 إلى فرصة، فصارت من أكثر دول العالم رقمنة وأماناً.
أربع صفات تقود القائد إلى الزوال
ومن هذه التجارب تتضح أربع صفات إذا اجتمعت في قائد فهو إلى زوال مهما بدا متمكناً. أولاها عبادة الكرسي؛ فالقائد الذي يستهلك طاقته في حماية منصبه يرى في كل كفاءة صاعدة خصماً، وفي كل تقنية جديدة تهديداً لسلطته، فيؤجل القرار حتى يفوت الأوان. والثانية العجز عن التعلم السريع، ففي زمن تتضاعف فيه قدرات الذكاء الاصطناعي خلال أشهر، يصبح القائد الذي يتعلم ببطء قائداً يتراجع. وقد عبّر “ألفن توفلر” عن ذلك حين كتب أن أميّي القرن الحادي والعشرين هم من لا يستطيعون التعلم، ثم محو ما تعلموه ،ثم إعادة التعلم.
والثالثة إهدار الطاقات والتمييز بين الناس؛ فالشباب والمرأة وأبناء الأقاليم والعقول المهاجرة والمختلفون في الرأي رصيد وطني، والقائد الذي يختار فريقه بمعيار الولاء لا الكفاءة يحارب بنصف جيشه في معركة تحتاج إلى كل عقل. أما الرابعة فهي شخصنة الأمور ورفض النصيحة والنقد، فحين يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة شخصية، يصمت المخلصون ويعلو صوت المنافقين. والمفارقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها لا تتحسن إلا بالتعلم من أخطائها؛ فكيف يقود هذا العصر من يعتبر كل نقد طعناً في شخصه؟
منطق الشخصنة، حين تضيع الأفكار والمواهب
والشخصنة أخطر هذه الصفات وأكثرها خفاءً؛ فالقائد الذي يدير الأمور بمنطق شخصي لا يسألهل الفكرة صحيحة؟ بل من صاحبها؟ وهل يوافقني أم يخالفني؟ وحين يصبح هذا هو المعيار، تُدفن أفكار عظيمة لأن أصحابها ليسوا على هوى القائد، وتُمرَّر أفكار ضعيفة لأن أصحابها يجيدون التقرب منه، فتتحول المؤسسة من ساحة للعقول إلى ساحة للولاءات. ويتعلم الموهوب أن الصمت أكثر أماناً من المبادرة، فتنتشر ثقافة الخوف، وتبدو المؤسسة منضبطة من الخارج بينما فقدت قدرتها على التجدد. والتاريخ يقدم أمثلة صارخة؛ ففي عام 1942 قدّمت المخترعة “هيدي لامار” مع “جورج أنثيل” للبحرية الأمريكية براءة اختراع لتقنية “القفز الترددي”، فلم تؤخذ بجدية، ويُروى أن السبب كان النظر إلى صاحبتها لا إلى مضمونها، ثم أصبحت بعد عقود من أسس تقنيات الاتصال اللاسلكي. وفي ثلاثينيات القرن الماضي طردت ألمانيا النازية آلاف العلماء بسبب انتماءاتهم وآرائهم، ومنهم “ألبرت أينشتاين”، فذهبت عقولهم إلى الحلفاء، وخسرت ألمانيا الحرب العلمية قبل أن تخسر الحرب العسكرية.
وعلى مستوى الدول تتحول الشخصنة إلى نزيف وطني؛ فكل كفاءة تُقصى لأنها انتقدت، وكل شاب يُهمّش لأنه لا يملك واسطة، هو طاقة تخسرها الدولة وقد يكسبها منافسوها. والدولة التي تهدر عقولها بهذا المنطق تشبه من يملك منجماً من الذهب ثم يردمه بيده لأن من اكتشفه لا يعجبه.
القائد المتخلف عن الركب هو تهديد للأمن القومي
ومن هنا لم يعد القائد المتخلف عن الركب مشكلة إدارية، بل صار ثغرة في جدار الأمن القومي. فمن لا يبني قدراته يستورد أنظمة لا يعرف ما بداخلها، ويسلّم بيانات شعبه وبنيته الحيوية لغيره، في حين أن السيادة اليوم تبدأ من السيادة على البيانات والخوارزميات. ويقود ذلك إلى الانكشاف السيبراني أمام هجمات أسرع من أي بيروقراطية، في وقت تغيرت فيه طبيعة الحرب ذاتها، إذ كشفت الحرب في أوكرانيا كيف يمكن لمسيّرة رخيصة أن تدمّر معدات بملايين الدولارات، فصار التفوق للأسرع تعلماً لا للأكثر عدداً. ويمتد الخطر إلى نزيف العقول التي تهاجر إلى حيث تُحترم، وإلى الحرب على الوعي، حيث يترك القائد الذي يغلق باب الحوار الفراغ لغيره ليملأه. والتأخر التكنولوجي اليوم لا يُقاس بالسنوات، بل بالأجيال.
الكرسي لا يحمي أحداً
إن الرسالة واضحة ولا تحتمل التأويل القادة الذين يهتمون بالكراسي أكثر من اهتمامهم بمستقبل المؤسسة التي يقودونها وبجميع منتسبيها والمستفيدين منها، والذين لا يملكون القدرة على التعلم بسرعة، والذين يهدرون الطاقات بالتمييز والإقصاء، والذين يشخصنون الأمور ويغلقون آذانهم عن النصيحة والنقد، هؤلاء جميعاً إلى زوال. لا لأن أحداً سيزيحهم، بل لأن الزمن نفسه سيتجاوزهم.لكن الكارثة الحقيقية أنهم لن يسقطون وحدهم، بل يسقطون ومعهم مؤسسات بأكملها، مؤسسات أُنفقت على بنائها عقود، وتحولت على أيديهم إلى هياكل خاوية تحتفظ بالمباني واللافتات وقد فقدت روحها وعقولها وقدرتها على الفعل. هكذا سقطت كوداك وبلوكبستر ونوكيا، لم تهزمها قلة الموارد، بل هزمتها قيادات أغلقت الأبواب في وجه المستقبل. وكل مؤسسة يقودها من يحرس كرسيه بدلاً من أن يبني مستقبلها، هي مؤسسة تكتب نهايتها بيدها، مهما بدت اليوم راسخة وقوية.




