وليد سامي
يبقى طلب مصر مقاتلات F-16 Block 70 جديدة من خط الإنتاج، خلال معرض العلمين 2026، المسار الأقرب للتنفيذ. لا يعود ذلك إلى كونه الأفضل عسكريًا، بل إلى كونه الأقل كلفة سياسية داخل قيود التفوق النوعي الإسرائيلي (QME).
تحظى المقاتلة بألفة كاملة لدى الطيار والفني والعقيدة القتالية. ولا يكمن العائق في المنصة نفسها، بل في وتيرة التسليم، وحزمة التسليح، والبرمجيات، وحق النقض على الذخيرة.
تلتزم واشنطن قانونًا بالحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل. لذلك ستُسلَّم أي F-16 مصرية داخل سقف محسوب، حتى لو كانت من طراز Block 70 بالرادار APG-83 AESA ومنظومة Viper Shield. وهذا ليس عيب تصنيع، بل شرط سياسي مدمج في عقد المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS).
لماذا لا يُتوقع اعتراض إسرائيلي صاخب؟
لأن البديل الأسوأ لتل أبيب ليس F-16 مقيّدة، بل منصة صينية خارج سلسلة الإمداد الأمريكية، تُسلَّم أسرع، وتخضع لرقابة برمجية أضعف، وتأتي بذخيرة لا تمر بمراجعة الكونغرس. وبهذا المعنى تبدو الطائرة الأمريكية أداة لإدارة المخاطر، لا صفقة توازن. وتفسّر المصادر المفتوحة الصمت الإسرائيلي بهذا المنطق تحديدًا.
السيناريو الواقعي
يرجّح السيناريو الواقعي تمويلًا ثقيلًا أو شريحة من المعونة، وجدول تسليم يمتد سنوات، وعددًا محدودًا من الطائرات، ونسخة مضبوطة سياسيًا. وتشغّل مصر أصلًا أحد أكبر أساطيل F-16 في العالم، بنحو 220 إلى 240 هيكلًا، منها قرابة 129 هيكلًا قديمًا لا يمكن ترقيته إلى معيار Viper. وعليه، فالجديد استبدال للعمر الافتراضي، لا قفزة في الردع.
وقد كسرت رافال وMiG-29M/M2 الاحتكار الأمريكي جزئيًا، فوفّرتا مصدرًا ثانيًا للهياكل والذخيرة والتدريب. لكن ذلك تنويع للمورّدين، لا اكتفاء. أما المرحلة التالية فلا تقوم على إضافة طائرة رابعة من العائلة نفسها، بل على كسر الاعتماد على مصدر واحد في سلسلة القتل (Kill Chain).
ما يقابل مصر ليس عدد الطائرات
تدير إسرائيل منظومة تفوق جوي متكاملة. تتولى F-35I الاستشعار والاختراق منخفض البصمة، وتؤمّن F-15I/IA البقاء والحمولة والضرب العميق، وتشكّل F-16I العمود العددي. ويسند ذلك إنذار مبكر (AEW&C)، وحرب إلكترونية، وتشويش، وذخائر بعيدة المدى (stand-off)، وربط شبكي. وتضع المصادر العلنية عدد المقاتلات بين 270 و350 بحسب التصنيف. ويصل تقدير 2026 إلى نحو 336 هيكلًا قتاليًا، منها نحو 48 طائرة F-35I في الخدمة، مع هدف معلن أعلى.
تمثّل F-15I راعام الشاحنة القتالية من حيث المدى والحمولة وزمن البقاء. ويُعد تكوين 8 صواريخ جو-جو شائعًا في المهام، وليس سقفًا نظريًا. أما الأرقام التي تبلغ 12 صاروخًا وأكثر فأقرب إلى F-15EX/F-15IA، ولا تعكس بالضرورة التشكيل العملياتي الحالي لكل طائرة Ra’am. وفي أغسطس/آب 2024 أبلغت وكالة DSCA الكونغرس بموافقة محتملة على بيع ما يصل إلى 50 طائرة F-15IA وتحديث 25 طائرة F-15I، بقيمة تقارب 18.82 مليار دولار. وبدأ التعاقد الفعلي بـ25 طائرة مع خيار لـ25 أخرى، على أن يبدأ التسليم عام 2031. فالفجوة تُشترى اليوم، لكنها لا تصل قبل العقد المقبل.
حساب تقريبي
يؤدي حساب تقريبي، قوامه 270 إلى 350 مقاتلة بأربعة صواريخ BVR لكل منها في دورة تسليح واسعة، إلى أكثر من ألف صاروخ جو-جو نظريًا. وهذا ليس سيناريو إقلاع متزامن، ولا يعني أن كل صاروخ سيصيب هدفه. فالقيد الحقيقي هو الجاهزية والوقود والتشويش والدفاع الجوي وتوليد الطلعات (sortie generation). ومع ذلك تبقى الكثافة قائمة.
ما الذي يجب أن تفعله مصر؟
تُعد مطابقة العدد خيارًا فاشلًا. فالمعيار هو رفع كلفة التفوق، أي حرمان الخصم من حرية العمل، لا إسقاط أسطوله. والمطلوب منظومة تحييد تضم دفاعًا جويًا طبقيًا متكاملًا (IADS)، ومقاتلات تحمل صواريخ BVR بعيدة المدى، وحربًا إلكترونية، وإنذارًا مبكرًا، ووسائل طعوم وخداع وتمويه، ومنصات غير مأهولة تشتّت نيران الخصم.
لا تحلّ الطائرة القتالية المسيّرة محل المقاتلة، بل تضاعف الكثافة عبر الاستشعار والتشويش والطُعم وحمل صاروخ جو-جو رخيص نسبيًا. وتجبر عشرات المنصات أو مئاتها الخصم على توزيع مستشعراته وذخيرته. وتتغير المعادلة بالتشتيت، لا بالمبارزة.
أما المنصات الصينية فتستحق تقييمًا باردًا لا قرارًا عاطفيًا. ويقوم المعيار على سرعة التسليم، وقيود التسليح، والمدى، وقابلية الربط مع منظومات الإنذار والدفاع الجوي. وتبقى العقوبات وقانون CAATSA خطرًا وارد الحدوث. غير أن الاعتماد على مصدر واحد أشد خطرًا، لأنه يحوّل قطع الغيار والبرمجيات إلى أداة ضغط عند أول أزمة.
الخلاصة العملياتية
تبقى F-16 Block 70 خيارًا مقبولًا إذا جاء التسليح والتسليم بعيدًا عن النسخة الرمزية. لكن لا ينبغي أن تتحول إلى مركز التفكير، ولا أن تأتي على حساب الطائرات المسيّرة والتصنيع المحلي. فمركز الردع هو صاروخ بعيد المدى، وحرب إلكترونية، وإنذار مبكر، وطائرة قتالية مسيّرة، ودفاع جوي طبقي. ولا يُكسر التفوق بطائرة واحدة، بل بمنظومة ترفع ثمن الطلعة.

