ظافر مراد
تساهم قطاعات التصنيع العسكري والإختبارات التي تقوم بها بدرجة كبيرة من التطور العلمي، حيث أن هذا المجال يبحث عن حلول لكثير من المعضلات، ويطور إكتشافات وإبتكارات متعلقة بالتكنولوجيا العسكرية وخصائص الأسلحة، ومن ضمن ما أوصلت إليه جهود البحث العسكرية، ميزة “الشبحية-Stealth” والتي لم تقتصر الحاجة لها عند الطائرات الحربية فقط، بل أيضاً شملت القطع البحرية وبعض العربات القتالية البرية، وميزة “الشبحية” في جوهرها أكثر تعقيداً مما يعتقد الكثيرون، وهي في الحقيقة “ إدارة الطريقة التي تتفاعل بها الطائرة مع الطاقة الكهرومغناطيسية” بحيث تصل إلى الرادار كمية أقل من الطاقة المرتدة، وفي ظروف معينة من الزوايا والترددات والمسافات يصبح اكتشاف الهدف وتتبعُه أكثر صعوبة.

وهنا يجب التمييز بين ثلاث مراحل مختلفة غالباً ما تختلط في الخطاب الإعلامي، أولاً: الاكتشاف Detection ، يعني أن نظام الاستشعار يلتقط إشارة يمكن نسبها إلى جسم أو هدف محتمل. ثانياً: التتبع Tracking فهو تحويل هذه الإشارات إلى مسار مستقر للهدف، مع تقدير موقعه وسرعته واتجاهه وتحديث هذه البيانات باستمرار. ثالثاً: الاستهداف Targeting وهو المرحلة التي تصبح فيها بيانات الهدف كافية لاستخدامها في منظومة اشتباك أو توجيه سلاح أو تخصيص وسيلة تأثير ضده.
لذلك، عندما نقول إن طائرة شبحية يصعب اكتشافها، فهذا لا يعني أنها تصبح غير قابلة للرصد إطلاقاً؛ بل يعني أن تقليل الطاقة المرتدة قد يخفض احتمال اكتشافها أو يقلل جودة البيانات المتاحة، ما يجعل الانتقال من الاكتشاف إلى التتبع المستقر، ثم إلى حل استهداف موثوق، أكثر صعوبة.
لفهم ذلك، يجب البدء من مفهوم المقطع الراداري Radar Cross Section – RCS الذي يعرفه مختبر لينكولن التابع لمعهد MIT بأنه المساحة الافتراضية التي تعطي، عند إعادة إشعاع الطاقة بالتساوي، مقدار القدرة التي يستقبلها الرادار من الهدف، لذلك لا يمثل الـ RCS مساحة الطائرة الحقيقية؛ فقد تكون طائرة كبيرة ذات بصمة رادارية أقل بكثير مما يوحي به حجمها الهندسي.

يرسل الرادار موجة طاقة كهرومغناطيسية، وعندما تصل الموجة إلى جسم الطائرة يحدث تفاعل بين المجال الكهرومغناطيسي وسطح الهدف، جزء من الطاقة يمكن أن ينعكس نحو مصدر الإشعاع، وجزء يتشتت في اتجاهات أخرى، وجزء يمكن أن تمتصه المواد أو يتم إمتصاصه داخل الجسم، وهنا تبدأ الهندسة الحقيقية للشبحية، فالسطح المعدني الكبير والمائل بطريقة غير محسوبة عند الطائرات العادية، يعمل كعاكس يعيد الطاقة باتجاه الرادار، أما تصميم الطائرة الشبحية فيسعى إلى توجيه الانعكاسات بعيداً عن هوائي الرادار. وتوضح DARPA أن برنامج الطائرات الشبحية الأميركي المبكر اعتمد على الجمع بين هندسة الشكل وتقليل قمم الانعكاس الراداري واستخدام المواد الماصة للرادار، ولهذا تبدو بعض الطائرات الشبحية مختلفة جذرياً عن الطائرات التقليدية، زوايا الأسطح، اتجاه الحواف، الفواصل بين الألواح، مداخل المحركات وحتى ترتيب بعض التفاصيل الخارجية تخضع لمنطق كهرومغناطيسي، وليس للأيروديناميكا وحدها.
تنتج الحواف والزوايا انعكاسات قوية عندما تصطدم بها الموجة، لذلك يصبح “توجيه الحواف Edge Alignment “جزءاً أساسياً من التصميم منخفض البصمة، فبدلاً من ترك كل حافة تعكس الطاقة في اتجاه مختلف، يجري التحكم هندسياً في اتجاهاتها بحيث تقل احتمالات إرسال انعكاس قوي إلى الرادار، وهذه الفكرة ظهرت بوضوح في تاريخ تطوير الـF-117 وتوضح دراسة تاريخية منشورة عبر مختبر أبحاث القوات الجوية أن أعمال الفيزيائي السوفياتي “بيوتر أوفيمنتسيف” حول حسابات انعكاس الموجات عن الأسطح ساعدت لاحقاً في تطوير أدوات للتنبؤ بالبصمة الرادارية للتصاميم متعددة الأوجه، وهي من الأسس التي ارتبطت بتطوير الطائرة الشبحية الأميركية F-117

لكن الشكل وحدة لا يكفي، فحتى أفضل تصميم هندسي يأخذ بعين الإعتبار عدم عكس اي موجات رادارية، سيترك جزءاً من الطاقة المرتدة. هنا تدخل المواد الماصة للرادار Radar Absorbent Materials – RAM.، والفكرة ليست أن المادة تبتلع الموجات الرادارية، وإنما أن خصائصها الكهرومغناطيسية تساعد على تقليل الطاقة التي تعود إلى الرادار. وقد أكدت DARPA أن تطوير المواد الماصة كان أحد المسارات الأساسية في برنامج الشبحية، إلى جانب هندسة الشكل وتقليل البصمة الحرارية وإخفاء مداخل المحركات.
وفي الطائرات الحديثة أصبحت هذه المواد جزءاً من منظومة متكاملة. فالـF-35، مثلاً، تعتمد في خصائصها الشبحية على مزيج من خطوط السطح، والأجزاء المركبة، والمواد الماصة للرادار، وهنا تظهر حقيقة تقنية مهمة وهي أن التخفي ليس ميزة ثابتة للطائرة، بل حالة تعتمد على قدرات وظروف القياس، والرادار لا يعمل على نوع واحد من الموجات، فخصائص الكشف تختلف باختلاف التردد، وطول الموجة، وزاوية النظر، والاستقطاب، وطبيعة الهدف والبيئة المحيطة به، لذلك لا توجد طائرة يمكن وصفها علمياً بأنها “غير مرئية للرادار” في جميع الظروف.
ولهذا أيضاً تختلف البصمة الرادارية للطائرة باختلاف Aspect Angle الطائرة التي صُممت لتقليل الانعكاس من اتجاه معين قد تعطي استجابة مختلفة عندما ينظر إليها الرادار من زاوية أخرى، وتشير وكالة DARPA إلى أن تقنيات الشبحية تطورت تاريخياً من التركيز على تقليل RCS إلى منظومة أوسع تشمل أيضاً حماية مداخل المحركات، وتخفيض البصمة الحرارية، وتبريد وتشكيل العادم وتقليل البصمات البصرية.
تكمن المشكلة هندسية الأهم في أن الرادار يمكنه، من بعض الزوايا، أن يرى في داخل ممر دخول الهواء باتجاه مكونات المحرك، وهناك قطع معدنية كبيرة قد تنتج انعكاسات قوية، لذلك أصبحت مداخل المحركات وممرات الهواء من أهم عناصر تصميم الطائرة الشبحية، وتشير مواد NASA التقنية إلى أن هندسة المداخل، وعلاقة أبعادها بالتردد وطول الموجة، إضافة إلى استخدام المواد الماصة، التي تؤثر بصورة كبيرة في تقليل الانعكاسات الرادارية؛ والمشكلة نفسها تظهر في الجزء الخلفي عند العادم الذي يعتبر أيضاً مصدراً للبصمة الحرارية، بينما يجب التعامل مع هندسة الفوهة والهيكل المحيط بها بطريقة تخدم متطلبات الرصد المنخفض.

هنا يجب تصحيح واحدة من أكثر الصور الشائعة عن الطائرات الشبحية: Stealth لا تعني Radar Stealth فقط، فالقاذفة B-2، وفق القوات الجوية الأميركية، صممت لتقليل مجموعة من البصمات تشمل الرادارية والحرارية والكهرومغناطيسية والبصرية وحتى الصوتية، فيما تبقى تفاصيل كثيرة من تقنيات خفض البصمة مصنفة، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الحفاظ على الميزة الشبحية بحد ذاته يمثل تحدياً هندسياً، فالطلاء والمواد الماصة والأسطح الخارجية تحتاج إلى صيانة دقيقة؛ وتوضح القوات الجوية الأميركية أن إصلاح طبقات الـLO على F-35 يتطلب معالجة دقيقة حتى للتلفيات الصغيرة، لأن سلامة هذه الطبقات جزء من المحافظة على خصائص الطائرة.
ترجّح الاتجاهات البحثية أن يتطور مفهوم الشبحية مستقبلاً عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
- إدارة البصمة الكهرومغناطيسية: Electromagnetic Signature Management
ستتعامل المنصة مع بصمتها الكهرومغناطيسية باعتبارها منظومة قابلة للقياس والإدارة، من خلال التحكم في خصائص الانعكاس والانبعاث والاستجابة للموجات الرادارية؛ وتشمل الاتجاهات الواعدة تقنيات الانتشار الطيفي، والتحكم في الانعكاسات، وتشويه البصمة الرادارية بما يصعّب اكتشاف المنصة وتصنيفها وتتبعها. - الأسطح الذكية القابلة لإعادة التشكيل: Reconfigurable Smart Surfaces
تعتمد الفكرة على تطوير أسطح ومواد قادرة على تغيير خصائصها الكهرومغناطيسية، وربما هندستها السطحية، وفق موقع الطائرة وسرعتها واتجاه التهديد وطبيعة المهمة، بحيث تصبح البصمة ديناميكية بدلاً من أن تكون خاصية ثابتة للهيكل. - الذكاء الاصطناعي لإدارة البصمة الكهرومغناطيسية:
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدير منظومة الشبحية بصورة ظرفية عبر تحليل البيئة الكهرومغناطيسية، واكتشاف الإشارات، وتحديد اتجاه مصادرها وتصنيف خصائصها وتقدير مستوى التهديد؛ وبناءً على ذلك، تستطيع المنصة اختيار أنسب إجراءات الخداع الإلكتروني، وإدارة الانبعاثات، أو تقنيات التحكم النشط بالموجات لتقليل احتمالية اكتشافها وتتبعها واستهدافها.


