ألمانيا تتجه إلى صواريخ “بارس-Bars” الأوكرانية، هل تبحث برلين عن ردع مستدام بعيد المدى؟

تتجه ألمانيا إلى اختبار صاروخ “بارسBars-” الجوال الأوكراني تمهيداً لاحتمال إدخاله إلى ترسانة الجيش الألماني، في خطوة تعكس توجهاً نحو تنويع مصادر التسليح وبناء قدرة على تنفيذ ضربات تقليدية بعيدة المدى، بأعداد أكبر وكلفة يُتوقع أن تكون أقل من الأنظمة الغربية المتقدمة.

Northrop Grumman - IVEWS

ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن برلين تستعد لشراء دفعة أولية من الصواريخ لإجراء اختبارات تقنية مطلع عام 2027، على أن يُبحث طلب مئات الصواريخ إذا جاءت النتائج إيجابية، ولكن لغاية تاريخ نشر هذا التقرير، لم يُعلن عن توقيع عقد الشراء النهائي.

يعمل “بارس” بمحرك نفاث، ويصل مداه المعلن إلى نحو 1000 كيلومتر، وتختلف البيانات المنشورة بشأن الحمولة القصوى؛ إذ أشارت تقارير إلى حمولة تصل إلى 60 كيلوغراماً، فيما نقلت “فايننشال تايمز” رقماً يصل إلى 105 كيلوغرامات، لذلك ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مواصفات معلنة تحتاج إلى تثبيت بحسب النسخة المعنية، لا باعتبارها أداءً موحداً لجميع الصواريخ.

وبحسب معلومات نشرها موقع “أوكرانسكا برافدا” في أيلول/سبتمبر، صُممت المنصة لتعديل التوازن بين الوقود والحمولة وفق المهمة، بما يسمح باستخدامها في ضربات بعيدة ومتوسطة المدى. كما بدأت شركة أوكرانية ألمانية مشتركة إنتاج المنظومة في ألمانيا، ووصلت الدفعة الأولى الممولة من الجانب الألماني إلى القوات الأوكرانية خلال تشرين الأول/أكتوبر.

أما لماذا تحتاج ألمانيا إلى هذه الصواريخ؟ تتمثل المشكلة الألمانية في الفجوة العملياتية الكامنة بين امتلاك سلاح بعيد المدى والقدرة على استخدامه بأعداد كافية عند اندلاع حرب واسعة النطاق ولوقتٍ طويل. فصاروخ “تاوروس” يمنح سلاح الجو الألماني قدرة على الضربات الدقيقة من مسافة بعيدة، لكن الاعتماد على عدد محدود من الأنظمة مرتفعة الكلفة لا يضمن وحده استدامة حملة طويلة.

وفي 4 أيلول/ سبتمبر 2026، أوضحت القوات المسلحة الألمانية، عبر موقعها الرسمي، أن خططها للضربات الدقيقة بعيدة المدى تستهدف تهديد مراكز القيادة والمطارات والعقد اللوجستية ومصانع السلاح في عمق أراضي الخصم. كما أكدت أن تنويع الصواريخ ومنصات إطلاقها يعزز الردع، ويصعّب على الخصم بناء دفاعات مخصصة لمواجهة سلاح واحد.

تتزايد أهمية هذه القدرة في مواجهة روسيا، التي تمتلك عمقاً جغرافياً واسعاً وبنية عسكرية وصناعية موزعة على مسافات كبيرة، وتحتاج ألمانيا، في إطار دفاعها عن أراضي حلف شمال الأطلسي، إلى خيارات تستطيع تهديد مصادر الهجوم المعادية، بالتوازي مع حماية قواعدها ومطاراتها وخطوط إمدادها، وتكمن أهمية “بارس” المحتملة في معادلة الكلفة والعدد والمدى. فإذا أثبتت الاختبارات موثوقيته، وأمكن إنتاجه بكميات كبيرة، فقد يوفر لألمانيا ذخيرة مناسبة للضربات المتكررة، مع الاحتفاظ بالصواريخ الأعلى كلفة للمهام التي تتطلب قدرات متقدمة.

من الناحية العملياتية، يمكن لإطلاق أعداد كبيرة من الذخائر المتنوعة أن يضع الدفاع الجوي المعادي أمام تحديات في التتبع والاشتباك وتوزيع الصواريخ الاعتراضية. غير أن النتيجة تعتمد على دقة “بارس”، وقدرته على مقاومة التشويش، وفاعلية توجيهه، ومقطع ظهوره الراداري، وموثوقية محركه، وهي تفاصيل لا تكفي المعلومات المنشورة حالياً للحكم عليها بصورة مستقلة، كذلك، فإن مدى 1000 كيلومتر لا يضمن وحده الوصول إلى الهدف؛ فالقدرة الفعلية تتأثر بمسار الطيران والحمولة وظروف المهمة، فضلاً عن قدرات الدفاع الجوي المعادي؛ وتبقى مسألة دمج الصاروخ في منظومة القيادة والسيطرة الألمانية، وتأمين مخزون المحركات وقطع الغيار، وتطوير إجراءات الاستهداف والتقييم، عوامل أساسية في تحديد قيمته العسكرية.

لا تحتاج ألمانيا إلى صاروخ إضافي على ترسانتها فحسب؛ بل هي تحتاج إلى قدرة مستدامة على إطلاق النيران بعيدة المدى، فالقوة الصاروخية تُقاس بنوعية السلاح، لكنها تُقاس أيضاً بعدد الصواريخ المتاحة، ومعدل تعويض المستهلك منها، والقدرة على مواصلة الضربات تحت ضغط الحرب، ويمثل التعاون مع أوكرانيا فرصة للاستفادة من خبرة ميدانية تراكمت خلال الحرب، وربطها بقاعدة صناعية أوروبية قادرة على توسيع الإنتاج، لكن نعود ونكرر أن الاختبار الحقيقي سيكون في موثوقية المنظومة وكلفتها الفعلية ومعدل إنتاجها، لا في المدى المعلن وحده، إذا نجحت برلين في الجمع بين صواريخ متطورة مرتفعة الكلفة وذخائر أقل كلفة قابلة للإنتاج الواسع، فستعزز قدرتها على الردع التقليدي وتمنح نفسها خيارات أكثر مرونة في أي مواجهة طويلة، وهذا هو جوهر الرهان الألماني على “بارس”.