خاص. Defense Arabia
لم تعد المنافسة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين تقتصر على حاملات الطائرات أو الصواريخ بعيدة المدى أو التفوق التكنولوجي في المجالات التقليدية، بل تمتد بصورة متزايدة إلى المجال النووي، حيث تسعى كل من واشنطن وبكين إلى ضمان قدرة ردع قادرة على الصمود أمام تطور قدرات الطرف الآخر.
وعلى الرغم من الفارق الكبير في حجم الترسانة النووية بين البلدين، فإن المشهد يتغير تدريجيًا. فالولايات المتحدة تمتلك ترسانة نووية أكبر وأكثر رسوخًا، وتستند إلى ثالوث نووي متكامل يضم صواريخ باليستية عابرة للقارات، وغواصات نووية حاملة للصواريخ الباليستية، وقاذفات استراتيجية. في المقابل، تعمل الصين على توسيع ترسانتها بسرعة وتطوير مكوناتها البرية والبحرية والجوية، نحو تطوير قدرات نووية برية وبحرية وجوية أكثر تكاملًا، بما يقربها من نموذج الثالوث النووي. وقدّرت SIPRI أن الولايات المتحدة كانت تمتلك نحو 5177 رأسًا نوويًا إجمالًا في يناير/كانون الثاني 2025، مقابل نحو 600 رأس للصين. وفي تقديرات يناير/كانون الثاني 2026، ارتفع تقدير المخزون النووي الصيني إلى نحو 620 رأسًا، بينما بلغ التقدير الأمريكي نحو 5042 رأسًا.
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل يقود التفوق الأميركي الحالي في حجم الترسانة والخبرة العملياتية إلى استمرار فجوة الردع، أم أن سرعة التوسع الصيني وإعادة بناء مكونات القوة النووية قد تعيد رسم التوازن الاستراتيجي بين القوتين خلال السنوات المقبلة؟
الثالوث النووي الأميركي.. قوة قائمة على التنوع والبقاء
تعتمد الولايات المتحدة على ثالوث نووي استراتيجي يتكون من ثلاثة مكونات رئيسية: الصواريخ الباليستية العابرة للقارات (ICBM) المتمركزة برًا، والغواصات النووية الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBN)، والقاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل الأسلحة النووية. وترى وزارة الدفاع الأميركية أن هذه المكونات توفر قدرات متكاملة، إذ يتمتع كل منها بخصائص مختلفة من حيث سرعة الاستجابة والبقاء والمرونة، كما يتيح الجمع بينها التحوط ضد نقاط الضعف أو المشكلات التي قد تؤثر في أي مكوّن منفرد.
ويشكل المكوّن البري قاعدة مهمة لهذا الثالوث، إذ تمتلك الولايات المتحدة حاليًا قوة من 400 صاروخ Minuteman III عابر للقارات، موزعة على ثلاث قواعد صاروخية، في انتظار إحلالها تدريجيًا بصواريخ LGM-35A Sentinel ضمن برنامج تحديث المكوّن البري للثالوث النووي. ويستمر Minuteman III في الخدمة خلال المرحلة الانتقالية لتجنب حدوث فجوة في قدرة الردع.

وفي المقابل، يوفر المكوّن البحري ميزة رئيسية تتمثل في قابلية البقاء؛ إذ تستطيع غواصات الصواريخ الباليستية النووية SSBN الانتشار في المحيطات والعمل بصورة يصعب معها اكتشافها واستهدافها، ما يحافظ على قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربة ثانية حتى في حال تعرضت قواتها النووية لهجوم أول. وتعد واشنطن هذه القدرة عنصرًا أساسيًا في موثوقية الردع النووي.

أما المكوّن الجوي، فيمنح الولايات المتحدة مرونة إضافية في الردع، ويوفر خيارات تشغيلية متعددة للاستجابة للتهديدات الاستراتيجية. وتعمل واشنطن في الوقت نفسه على تحديث هذا المكوّن من خلال برامج تشمل B-21 Raider وتحديث أسطول B-52، إلى جانب تطوير أسلحة بعيدة المدى مثل Long Range Standoff Weapon (LRSO)، بالتوازي مع تحديث منظومات القيادة والسيطرة والاتصالات النووية NC3. وتشكل هذه البرامج جزءًا من جهود أوسع للحفاظ على فعالية الجناح الجوي للثالوث النووي وتعزيز قدرته على العمل في بيئات التهديد المستقبلية.

وبذلك، لا يقوم التفوق الأميركي على عدد الرؤوس النووية فحسب، بل على تنوع وسائل إيصالها وقدرتها على البقاء والانتشار والرد من البر والبحر والجو.
الصين.. توسيع القوة النووية وبناء قدرات ثلاثية الأبعاد
على الجانب الآخر، تشهد القوة النووية الصينية توسعًا وتحديثًا متسارعين. فبعد عقود اتسمت فيها الترسانة الصينية بحجم أصغر بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، دخلت بكين مرحلة توسع واسعة تشمل زيادة مخزونها من الرؤوس النووية، وتوسيع وتحديث قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، إلى جانب تطوير المكوّن البحري النووي وتوسيع القدرات الجوية ذات الصلة بالمهام النووية. وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوسع تسعى الصين من خلاله إلى تعزيز قدرة قواتها النووية وتطوير عناصر قوة برية وبحرية وجوية أكثر تكاملًا.
وتقدر SIPRI أن الصين تمتلك نحو 620 رأسًا نوويًا في يناير/كانون الثاني 2026، مقارنةً بما لا يقل عن 600 رأس في يناير/كانون الثاني 2025. وتشير المنظمة إلى أن الصين توسع ترسانتها بوتيرة أسرع من أي دولة نووية أخرى، بالتوازي مع توسع كبير في بنيتها الصاروخية؛ إذ كانت قد حمّلت مئات الصواريخ في ثلاثة حقول كبيرة لصوامع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، مع استمرار العمل على صوامع إضافية في مناطق أخرى.
وفي المجال البحري، تواصل الصين تطوير مكوّنها النووي البحري من خلال غواصات الصواريخ الباليستية النووية Type 094 (Jin-class SSBN)، التي تشغّل صاروخ JL-3 البحري الباليستي العابر للقارات. ويمثل إدخال JL-3 إلى الخدمة تطورًا مهمًا في قدرة الصين على تنفيذ الردع النووي من البحر، في إطار جهود بكين لتعزيز قدرة مكوّنها البحري على البقاء وتوسيع خياراتها للردع الاستراتيجي.

أما المكوّن الجوي، فتعمل بكين على تطوير قدرات قاذفاتها بعيدة المدى وتعزيز قدرتها على تنفيذ مهام نووية، بما في ذلك دمج صاروخ باليستي يُطلق من الجو مع قاذفة H-6N، في خطوة تدعم مسارها نحو بناء قوة نووية أكثر تكاملًا. وقد عرضت الصين في سبتمبر/أيلول 2025، للمرة الأولى، منظومات نووية برية وبحرية وجوية ضمن عرض عسكري واحد، في مؤشر على تطور المكوّن الجوي ضمن بنيتها النووية.

وفي شهادة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي في مارس/آذار 2025، أقرّ قائد القيادة الاستراتيجية الأميركية آنذاك، الجنرال أنتوني كوتون، بأن الصين باتت تمتلك ثالوثًا نوويًا، وذلك في سياق مناقشة التوسع السريع لقدراتها البرية والجوية والبحرية؛ فيما وصف السيناتور توم كوتون هذا المسار بأنه توجه نحو «ثالوث نووي كامل الوظائف».
سباق التسلح.. Minuteman III في مواجهة DF-41
يظهر جانب من المنافسة الأميركية-الصينية بوضوح عند مقارنة صاروخين باليستيين عابرين للقارات: الأميركي Minuteman III والصيني DF-41.
يمثل Minuteman III أحد أقدم عناصر الثالوث النووي الأميركي التي لا تزال في الخدمة، إذ دخل الخدمة عام 1970، لكنه خضع على مدى عقود لبرامج إطالة عمر وتحديث شملت محركات الصواريخ وأنظمة التوجيه ومكونات أخرى، للحفاظ على جاهزيته وموثوقيته إلى حين استبداله تدريجيًا بمنظومة Sentinel. ومن نقاط قوته استمرار تشغيله ضمن بنية تحتية واسعة وموزعة على ثلاث قواعد صاروخية، إلى جانب ارتباطه بشبكة قيادة واتصالات آمنة وموثوقة وبمنظومة ردع نووي تعمل منذ عقود. أما التحدي الرئيسي فيتمثل في تقادم الصاروخ والبنية التحتية المرتبطة به، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ برنامج شامل لإعادة بناء وتحديث المكوّن البري للثالوث، يشمل الصواريخ والصوامع ومراكز الإطلاق وأنظمة الاتصالات والبنية التحتية الداعمة.
في المقابل، يمثل DF-41 أحد أبرز صواريخ الصواريخ الباليستية العابرة للقارات في الترسانة النووية الصينية، ويمثل جيلًا أحدث من قدرات الصين في هذا المجال. ويعمل الصاروخ بالوقود الصلب، ويمكن نشره على منصات متحركة، كما تشير وزارة الدفاع الأميركية إلى أن الصين تدرس خيارات إضافية لنشره، بما في ذلك الإطلاق من الصوامع. ويأتي تطوير DF-41 ضمن توسع أوسع لقوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الصينية، بالتزامن مع بناء مئات الصوامع وتوسيع البنية التحتية لقوات الصواريخ.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، أجرت الصين اختبارًا لصاروخ باليستي عابر للقارات DF-31B غير مسلح برأس نووي، أُطلق من شمال جزيرة هاينان وقطع نحو 11 ألف كيلومتر فوق المحيط الهادئ قبل أن يسقط في منطقة قريبة من بولينيزيا الفرنسية. واعتبرت وزارة الدفاع الأميركية أن الاختبار وفر للصين فرصة للتحقق من أداء الصاروخ على مسار كامل المدى والتدرب على إجراءات مرتبطة بعمليات الردع النووي.
لكن قوة DF-41 لا تعني أن الصين أزاحت الولايات المتحدة عن موقعها في ميزان القوى النووية؛ إذ لا تزال واشنطن تمتلك ترسانة أكبر بكثير، إلى جانب عقود من الخبرة في تشغيل الثالوث النووي وبنية متطورة للقيادة والسيطرة والاتصالات النووية. وفي المقابل، تتمثل إحدى أبرز نقاط التحول في القوة النووية الصينية في سرعة التوسع والتحديث، في وقت تنفذ فيه الولايات المتحدة برنامجًا واسعًا لتحديث مكونات الثالوث النووي وأنظمته الداعمة، بما يفرض تحديات مالية وصناعية كبيرة.
وهنا تصبح المقارنة أكثر تعقيدًا من مجرد سؤال حول «أي الصاروخين أقوى؟». ففعالية الردع النووي لا تتحدد بخصائص صاروخ منفرد، وإنما بقدرة الدولة على دمجه ضمن منظومة أوسع تشمل الإنذار المبكر، والقيادة والسيطرة والاتصالات، والاستطلاع، وحماية القوات والمنشآت، والأهم القدرة على البقاء وشن ضربة ثانية في حال تعرضت الدولة لهجوم نووي أول.
الردع البحري.. JL-3 في مواجهة Trident II D5
إذا كان DF-41 يعكس توسع الصين في مكوّن الصواريخ البرية، فإن JL-3 يمثل خطوة مهمة في تطوير مكوّنها البحري. وهو صاروخ باليستي يُطلق من الغواصات SLBM، وتجهز غواصات الصواريخ الباليستية الصينية من فئة Type 094 لحمله إلى جانب JL-2. ويمثل JL-3 تطورًا مهمًا مقارنة بالجيل السابق، خصوصًا من حيث المدى؛ إذ تقدر وزارة الدفاع الأميركية مداه بنحو 5,400 ميل بحري، مقابل نحو 3,900 ميل بحري لـJL-2، وهو ما يمنح الغواصات الصينية قدرة أكبر على تهديد أجزاء من الأراضي الأميركية من مناطق أقرب إلى المياه الساحلية الصينية. ويعزز ذلك خيارات الانتشار والردع البحري الصيني.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على Trident II D5، وهو صاروخ باليستي استراتيجي يُطلق من الغواصات، دخل الخدمة عام 1990 ويشكل منذ عقود عنصرًا رئيسيًا في المكوّن البحري للثالوث النووي الأميركي. ويحمل الصاروخ رؤوسًا نووية متعددة قابلة للتوجيه بصورة مستقلة MIRV، ويُشغّل حاليًا على غواصات Ohio-class SSBN، مع استمرار برنامج D5LE لتحديث المكونات وإطالة العمر التشغيلي للمنظومة. وبالتوازي، تطور البحرية الأميركية D5LE2 ليكون الجيل التالي من منظومة الصاروخ، مع استهداف إدخاله إلى الأسطول في أواخر العقد الثالث من القرن الحالي.
وتكشف المقارنة بين JL-3 وTrident II D5 عن فارق مهم في النضج التشغيلي. فالصين تعمل على تطوير قوة بحرية نووية أكثر قدرة ضمن توسع أوسع في ترسانتها النووية، بينما تستند الولايات المتحدة إلى منظومة بحرية استراتيجية ذات سجل تشغيلي يمتد لعقود، وتواصل تحديثها عبر D5LE ثم D5LE2. ولذلك، فإن تطور JL-3 يمثل تقدمًا مهمًا في الردع البحري الصيني، لكنه لا يعني أن الصين وصلت إلى مستوى النضج التشغيلي والخبرة المتراكمة نفسه الذي تتمتع به المنظومة البحرية النووية الأميركية.
إلى أين يقود هذا السباق؟
لا يبدو أن المنافسة النووية الأميركية-الصينية ستقتصر، في المدى المنظور، على زيادة عدد الرؤوس النووية. فالمسار الحالي يشير إلى سباق أوسع يجمع بين العدد، والدقة، والقدرة على البقاء، وسرعة الاستجابة، وتنوع وسائل الإيصال، والإنذار المبكر، والقدرات الفضائية وتحت سطح البحر.
وتكمن المفارقة في أن الردع النووي يفترض، نظريًا، أن يمنع الحرب عبر جعل تكلفة استخدام السلاح النووي هائلة، لكن استمرار تحديث الترسانات وتوسيعها قد يزيد في الوقت نفسه من تعقيد الحسابات الاستراتيجية، ولا سيما مع دخول تقنيات جديدة إلى بيئة الردع، مثل الذكاء الاصطناعي والأنظمة الفضائية والأسلحة فرط الصوتية، وما تفرضه هذه التطورات من تحديات جديدة على الإنذار المبكر واتخاذ القرار وإدارة الأزمات.
وتشير تقديرات SIPRI إلى أن الدول النووية التسع واصلت برامج تحديث وتعزيز ترساناتها خلال 2025، في وقت تتزايد فيه مخاطر سوء التقدير والتصعيد، بينما تتعرض أطر الحد من التسلح لضغوط متزايدة. كما يشير المعهد إلى أن التنافس النووي الجديد أصبح أكثر تعقيدًا، وأن المجالات التكنولوجية مثل الفضاء والقدرات السيبرانية والمجال البحري ستؤدي دورًا متزايدًا في تحديد طبيعة هذا السباق.
لذلك، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: من يمتلك الرؤوس النووية الأكثر؟ بل: كيف ستعيد الولايات المتحدة والصين تعريف الردع النووي في عصر تتداخل فيه الصواريخ النووية مع الفضاء والذكاء الاصطناعي والإنذار المبكر والقدرات تحت سطح البحر؟
وقد يكون هذا هو الاتجاه الأهم في السباق المقبل: انتقال المنافسة من مجرد امتلاك السلاح النووي إلى امتلاك منظومة ردع أكثر قدرة على البقاء والاستجابة والربط بين المجالات المختلفة، بما يجعل مستقبل التوازن النووي الأميركي-الصيني مرتبطًا ليس فقط بحجم الترسانة، بل بسرعة التطور التكنولوجي وقدرة كل طرف على إدارة مخاطر التصعيد.

