منذ دخولها ساحات القتال، تحولت «شاهد-136» إلى واحدة من أشهر المسيّرات الهجومية في العالم، ليس بسبب تفوقها التقني، بل بسبب معادلة أكثر تعقيداً: سلاح منخفض الكلفة يمكن إنتاجه وإطلاقه بأعداد ضخمة، في مقابل دفاعات جوية تستخدم أحياناً صواريخ تبلغ كلفتها ملايين الدولارات.
وشاهد-136 ليست مسيّرة استطلاع أو طائرة تعود إلى قاعدتها بعد تنفيذ مهمتها، بل سلاح هجومي أحادي الاتجاه يُطلق نحو إحداثيات محددة وينفجر عند الوصول إلى الهدف. وتقدّر دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي كلفة المسيّرة بنحو 35 ألف دولار، بينما تتجاوز كلفة صاروخ باتريوت PAC-3 ثلاثة ملايين دولار.
هذه الفجوة في الكلفة جعلت «شاهد» سلاح استنزاف بامتياز، خصوصاً عندما تُستخدم ضمن موجات كبيرة ترهق الرادارات ووسائل الاعتراض وتدفع المدافع إلى استهلاك ذخائر أغلى بكثير من الهدف الذي يحاول إسقاطه.
وكانت ضربة منشأتي أرامكو في أبقيق وخريص عام 2019 من أبرز الإنذارات المبكرة. فالهجوم، الذي استخدمت فيه مسيّرات وصواريخ كروز، تسبب بتوقف مؤقت لنحو نصف إنتاج السعودية من النفط الخام، وأظهر أن منظومات صُممت أساساً لمواجهة الطائرات والصواريخ التقليدية تواجه تحدياً مختلفاً أمام أهداف صغيرة ومنخفضة وبأعداد كبيرة.
وفي نوفمبر 2022، ظهر دليل مادي واضح على استخدام شاهد-136 في المنطقة، بعدما أصابت مسيّرة ناقلة النفط التجارية «Pacific Zircon» قبالة سواحل عُمان. وبعد فحص الحطام، أعلنت القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية أن المسيّرة من طراز شاهد-136 إيرانية الصنع.
لكن أوكرانيا كانت الساحة التي كشفت حجم هذا التهديد. فمنذ إسقاط أول شاهد-136 قرب كوبيانسك في سبتمبر 2022، تحولت المسيّرات إلى عنصر يومي في الهجمات الروسية على المدن والبنية التحتية، قبل أن تنتقل روسيا إلى إنتاجها محلياً تحت اسم «جيران-2».
وتظهر الأرقام حجم التصعيد. فوفق معهد العلوم والأمن الدولي، بلغ متوسط الإطلاق الشهري خلال عام 2025 نحو 3,700 إلى 3,900 مسيّرة، قبل أن يصل العدد إلى نحو 7,600 في مايو 2026. وفي أغسطس، سجلت قاعدة بيانات المعهد 5,166 مسيّرة، أُعلن إسقاط أو تحييد 4,288 منها، مع الإشارة إلى أن جزءاً من بيانات الاعتراض الأوكرانية أصبح تقديرياً.
ولم يتوقف التطور عند زيادة الأعداد. ففي 2026 برزت نسخ نفاثة أسرع من شاهد، أبرزها «شاهد-238» أو «جيران-3»، وسجلت هذه النسخ معدلات اعتراض أدنى من المسيّرات ذات المحركات المكبسية، ما يعكس سرعة تطور التهديد في مقابل وسائل التصدي له.
ومع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، انتقلت المعركة إلى الخليج على نطاق غير مسبوق. وأعلنت الإمارات في 4 مارس رصد 941 مسيّرة إيرانية واعتراض 876 منها، مقابل سقوط 65 داخل أراضيها. وبحلول 10 مايو، قالت وزارة الدفاع الإماراتية إن دفاعاتها تعاملت مع 2,265 مسيّرة، إلى جانب مئات الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.
وفي السعودية، أعلنت وزارة الدفاع اعتراض موجات من المسيّرات التي استهدفت حقل الشيبة ومناطق في المنطقة الشرقية. أما تقرير المفتش العام الأميركي لعملية «الغضب الملحمي»، فأشار إلى اعتراض أكثر من 6,000 مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه وأكثر من 1,500 صاروخ باليستي خلال الفترة التي يغطيها.
هذه التجارب دفعت إلى نتيجة واحدة تقريباً: لا يمكن مواجهة «شاهد» بصاروخ واحد ومنظومة واحدة. الدفاع الأكثر فعالية هو الدفاع متعدد الطبقات، الذي يجمع الرادارات والمقاتلات والحرب الإلكترونية والمدافع والمسيّرات الاعتراضية، مع تخصيص الصواريخ الباهظة للتهديدات الأكثر خطورة.
وفي أوكرانيا، برزت المسيّرات الاعتراضية كخيار منخفض الكلفة. وبحسب مسؤولين أوكرانيين نقلت عنهم «رويترز» في أبريل 2026، أصبحت هذه المسيّرات مسؤولة عن نحو 40% من عمليات إسقاط شاهد والمسيّرات بعيدة المدى المشابهة، بعدما كانت النسبة تقارب 25% خلال الشتاء، وبكلفة تتراوح بين نحو 1,500 دولار وبضعة آلاف من الدولارات للوحدة.
لكن ارتفاع نسب الاعتراض لا يعني انتهاء الخطر. فالمسيّرات التي تتمكن من اختراق الدفاعات قد تصيب منشآت حيوية، كما أن إطلاق آلاف المسيّرات يفرض ضغطاً مستمراً على مخزونات الصواريخ الاعتراضية.
وهنا تظهر المشكلة الأكبر: معادلة الكلفة. عندما تُستخدم ذخيرة دفاعية بملايين الدولارات لإسقاط مسيّرة تكلف عشرات آلاف الدولارات، يستطيع المهاجم تكرار الهجوم مرات عدة بأقل كلفة، بينما يتحمل المدافع عبء إعادة بناء مخزونه.
لذلك تغيّرت الأولويات تدريجياً في عدد من الدول، باتجاه الاستثمار في الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيّرات الاعتراضية والإنتاج المحلي، إلى جانب الأنظمة الصاروخية التقليدية. وفي الخليج، عززت تجربة 2026 التعاون مع أوكرانيا في مجال مكافحة المسيّرات، فيما اتجهت الولايات المتحدة أيضاً إلى تعزيز قدرات الدفاع الجوي قصيرة ومتوسطة المدى لحماية قواعدها والمنشآت الحيوية.
أما بالنسبة إلى الجيوش العربية، فالدرس لم يعد نظرياً. فتهديد المسيّرات الرخيصة أصبح واقعاً ميدانياً، والمشكلة لم تعد في إسقاط مسيّرة واحدة، بل في القدرة على التعامل مع آلاف الأهداف المتحركة بأقل كلفة ممكنة، ومن دون استنزاف المخزون الدفاعي.
في النهاية، أثبتت «شاهد-136» أن قيمة السلاح لا تُقاس دائماً بتطوره التقني. أحياناً يكون السلاح الأخطر هو الذي يمكن إنتاجه بالآلاف، وإطلاقه على دفعات، وإجبار الخصم على إنفاق أضعاف كلفته لإسقاطه.

