اختارت قطر شركة “كي إن دي إس فرنسا” (KNDS France) وشركة “جون كوكريل ديفينس” (John Cockerill Defense) البلجيكية لبرنامج محتمل يشمل مئات المركبات القتالية للمشاة من طراز “في بي سي آي إم كيه 2” (VBCI Mk2). وتمثل الخطوة مرحلة جديدة في مسار تحديث القوات البرية القطرية، وتفتح فرصة صناعية كبيرة أمام قطاعي الدفاع الفرنسي والبلجيكي.
وقّعت الشركتان في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 خطاب نوايا لتوريد المركبات مجهزة بأبراج بلجيكية الصنع، وذلك خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الدوحة، بحسب ما نقلته صحيفة “لا تريبيون” (La Tribune) الفرنسية عن الصحفي ميشيل كابيرول. وأوردت الصحيفة أن البرنامج قد يشمل 489 مركبة على دفعتين، الأولى من 389 مركبة والثانية من 100، مع الإشارة إلى أن هذه الأرقام لم تُؤكد رسمياً. وأكد بيان فرنسي قطري مشترك صدر عقب الزيارة اختيار الشركتين واستمرار المفاوضات.
برنامج يعود إلى عام 2017
يعيد هذا الإعلان إحياء مشروع انطلق قبل نحو تسع سنوات. فقد وقّعت قطر في ديسمبر/كانون الأول 2017 مذكرة تفاهم لاقتناء 490 مركبة فرنسية من طراز “في بي سي آي”، في برنامج قُدّرت قيمته حينها بنحو 1.5 مليار يورو. غير أن سنوات من المفاوضات والمباحثات الصناعية لم تُثمر طلباً نهائياً.
وسعت القوات البرية الأميرية القطرية حينها إلى استبدال جزء من أسطولها المدرع القديم، ومنه المركبات المجنزرة “إيه إم إكس 10 بي” (AMX-10P) ومركبات الاستطلاع “إيه إم إكس 10 آر سي” (AMX-10RC) وناقلات الجنود “في إيه بي” (VAB). وهدف البرنامج إلى إدخال جيل جديد من المنصات ذات الدفع الثماني تؤدي أدواراً متعددة، منها قتال المشاة ونقل الأفراد والاستطلاع والقيادة وإسناد الهاون والإخلاء الطبي، مع توحيد جزء من أسطول المركبات حول بنية مشتركة.
وشملت المنافسة الأولى عدة مصنّعين دوليين، بينهم “نكستر” (Nexter) التي أصبحت اليوم “كي إن دي إس فرنسا” و”باتريا” (Patria) الفنلندية، قبل أن يقع الاختيار على “في بي سي آي” في ديسمبر/كانون الأول 2017. ومع غياب العقد النهائي، درست الدوحة بدائل أخرى، منها “بوكسر” (Boxer) من الكونسورتيوم الألماني “أرتيك” (ARTEC) ومركبة “سوبر إيه في” (SuperAV) من شركة “إيفيكو” (Iveco Defence Vehicles) الإيطالية. وضمت المرحلة الأخيرة من المنافسة “كي إن دي إس فرنسا” وشركة “إس تي إنجينيرينغ” (ST Engineering) السنغافورية، التي تضمّن عرضها برجاً من تطوير “جون كوكريل”. وكانت الشركة السنغافورية قد عرضت في قطر عائلة مركباتها “تيريكس إس 5” (Terrex s5)، ولم تُكشف تفاصيل تشكيلة عرضها النهائي.
مواصفات المركبة والتشكيلة المقترحة
تمثل “في بي سي آي إم كيه 2” تطويراً للمنصة التي صُنعت للجيش الفرنسي، وتعتمد بنية تلائم متطلبات الحرب الميكانيكية الحديثة. ويبلغ وزنها القتالي في التشكيلة المرجعية نحو 32 طناً وطولها 8.15 متر، وتتسع لثمانية جنود مشاة إضافة إلى ثلاثة أفراد من الطاقم. وتتيح لها منظومة الدفع الثماني قطع مسافات طويلة على الطرق مع الحفاظ على قدرة التنقل في الميدان. ويقبل هيكلها المصنوع من سبائك الألمنيوم تركيب حماية باليستية معيارية، وتوفر بعض التشكيلات حماية من الذخائر الخارقة للدروع عيار 30 ملم والألغام والعبوات الناسفة.
وتجمع التشكيلة المقترحة لقطر بين هيكل “كي إن دي إس فرنسا” وبرج من تطوير “جون كوكريل”، التي تقدم عائلة الأبراج المعيارية “كوكريل 3000” (Cockerill 3000). وتستوعب هذه الأبراج مدافع آلية من عيار 30 إلى 50 ملم بحسب الطراز، ومعها منظومات تحكم بالنيران مثبّتة وأجهزة رصد كهروبصرية نهارية وليلية، وصواريخ موجهة مضادة للدروع في بعض التشكيلات. وبذلك تستطيع المركبة التعامل مع المدرعات الخفيفة والمواقع المحصنة ووحدات المشاة على مسافات مختلفة. ولم يُعلن بعد عن طراز البرج أو التسليح المخصص للمركبات القطرية.
ومن الناحية العملية، يتيح أسطول بهذا الحجم لقطر استبدال عدة فئات من المركبات القديمة تدريجياً بمنصات أفضل حركة وحماية وقدرة قتالية. ويمكن أن تعمل “في بي سي آي” إلى جانب دبابات “ليوبارد 2 إيه 7 بلس” (Leopard 2A7+) العاملة في الخدمة، فتنقل فرق المشاة تحت الحماية وتقدم إسناداً مباشراً بالنيران في العمليات الهجومية والدفاعية. كما تلبي قدرتها على التنقل لمسافات طويلة احتياجات بلد صحراوي يمتلك شبكة طرق واسعة، إذ تسمح للوحدات الميكانيكية بالانتشار سريعاً نحو المناطق الحساسة.
أين تقع “بوكسر” الألمانية في الأسطول القطري؟
يأتي الاستحواذ المحتمل على مئات المركبات الفرنسية بينما بدأت قطر بالفعل إدخال المركبة الألمانية “بوكسر” ذات الدفع الثماني، التي يطورها كونسورتيوم “أرتيك” المكوّن من “كي إن دي إس ألمانيا” (KNDS Deutschland) و”راينميتال” (Rheinmetall). وأُعلن عن أولى عمليات تسليم “بوكسر آر سي تي 30” (Boxer RCT30) في ديسمبر/كانون الأول 2025. وفي يناير/كانون الثاني 2026، كشفت “أرتيك” خلال مؤتمر المركبات المدرعة الدولي عن برنامج قطري يضم 22 مركبة “بوكسر” بنسختين، دون تحديد العدد الإجمالي الذي قد يُطلب لاحقاً.
ومن أبرز التشكيلات القطرية الموثقة “بوكسر آر سي تي 30” التي عُرضت في معرض “ديمدكس 2024” (DIMDEX 2024) بتجهيزات لمكافحة الطائرات المسيّرة. وتحمل برجاً يُتحكم به عن بعد ومسلحاً بمدفع “إم كيه 30-2/إيه بي إم” (MK30-2/ABM) عيار 30 ملم من “راينميتال” يطلق ذخيرة قابلة للبرمجة، إلى جانب حساسات سلبية للترددات الراديوية ومنظومات كهروبصرية لرصد الأهداف الجوية الصغيرة والتعامل معها. كما ارتبط البرنامج بتشكيلات إسناد ناري، وخصوصاً نسخة المدفعية “آر سي إتش 155” (RCH 155).
ويمكن لهذه المنظومات أن تؤدي مهام مكملة لأسطول “في بي سي آي” الأكبر، المخصص أساساً لعمليات المشاة الميكانيكية. لكن الدوحة لم تؤكد رسمياً هذا التقسيم في الأدوار، كما أن “بوكسر” نفسها قادرة على تنفيذ مهام قتال المشاة. ويتسق تشغيل المنصتين معاً مع نهج المشتريات القطري الذي يجمع أصلاً بين دبابات “ليوبارد 2 إيه 7 بلس” ومدافع “بي زد إتش 2000” (PzH 2000) ذاتية الحركة ومركبات مدرعة من موردين غربيين وأتراك.
فرصة تصديرية لـ”كي إن دي إس فرنسا” و”جون كوكريل”
يمنح عقد بمئات المركبات “كي إن دي إس فرنسا” مرجعاً تصديرياً إضافياً لمنصة حققت مبيعات دولية محدودة نسبياً. وتشارك الشركة حالياً في برامج التحديث الفرنسية والأوروبية، وخصوصاً مركبات “غريفون” (Griffon) و”جاغوار” (Jaguar) و”سيرفال” (Serval) ضمن برنامج “سكوربيون” (SCORPION). وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وضعت المديرية العامة للتسلح الفرنسية طلباً إضافياً نيابة عن بلجيكا لشراء 92 مركبة “غريفون” و123 مركبة “سيرفال”، ضمن توسيع الشراكة العسكرية الفرنسية البلجيكية “كامو” (CaMo).
وتسعى المجموعة كذلك إلى فرص لـ”في بي سي آي إم كيه 2″ في أسواق أخرى. ففي مارس/آذار 2025 وقّعت اتفاق شراكة مع الشركة الصناعية اليونانية “ميتلين” (METLEN) لدراسة إنتاج محلي محتمل لنسخة “في بي سي آي فيلوكتيتس” (VBCI PHILOCTETES) المقترحة على القوات البرية اليونانية. ومن ثم فإن الفوز بالطلب القطري سيوسّع حضور عائلة “في بي سي آي” في سوق المركبات المدرعة ذات الدفع الثماني، ويوفر فرصاً صناعية طويلة الأمد في الإنتاج والتحديث ودعم الخدمة.
وللعقد المحتمل أيضاً أبعاد صناعية على “جون كوكريل ديفينس” التي يقع مقرها في سيرانغ ببلجيكا. وتختص الشركة بأنظمة التسليح وأبراج المركبات المدرعة، وقد وسّعت أنشطتها في الدفاع البري عبر الاستحواذ على الشركة الفرنسية “أركويس” (Arquus) عام 2024. وفي يناير/كانون الثاني 2026 فازت “أركويس” و”دايملر تراك” (Daimler Truck) بعقد لتوريد 7 آلاف شاحنة لوجستية عسكرية للجيش الفرنسي، على أن تمتد عمليات التسليم أكثر من عقد.
وتواصل “جون كوكريل” في الوقت نفسه توسيع أعمالها في الأبراج بأسواق عدة، فهي شريكة في برنامج الدبابة الخفيفة “زوراوار” (Zorawar) الهندي، ووقّعت في فبراير/شباط 2026 اتفاق تعاون صناعي في السعودية لتوطين إنتاج أبراج عيار 105 ملم. وفي هذا السياق، سيمنحها طلب لمئات منظومات التسليح الخاصة بمركبات “في بي سي آي” القطرية فرصة تصديرية إضافية، مع متطلبات للدمج والصيانة وقطع الغيار والتدريب طوال عمر الخدمة.
ولمشاركة “جون كوكريل” في البرنامج القطري بعد صناعي لافت، إذ ارتبطت بالعرضين المتنافسين في المرحلة الأخيرة، بينما كانت “كي إن دي إس فرنسا” تسعى لإحياء حملة تسويقية مستمرة منذ نحو عشر سنوات. وهذا يضعها في موقع مريح داخل برنامج التحديث القطري أياً كانت بنية المركبة التي يقع عليها الاختيار في النهاية، رغم أن أحجام الإنتاج والترتيبات الصناعية ما زالت قيد التفاوض.
خطاب نوايا لا يضمن عقداً نهائياً
رغم حجم البرنامج المقترح، لا يمثل اتفاق 21 أكتوبر/تشرين الأول طلباً نهائياً. ووفق كابيرول، يؤسس خطاب النوايا لثلاثة أشهر من المفاوضات الحصرية بين “كي إن دي إس فرنسا” و”جون كوكريل” والسلطات القطرية. وما زالت جوانب عدة دون حسم، منها العدد النهائي للمركبات وتشكيلتها وترتيبات الإنتاج وجدول التسليم والشروط المالية.
وأشار كابيرول في مقاله المنشور في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى شكوك حول فرص التوصل إلى اتفاق، إذ نقل عن مصادر مطلعة على المفاوضات أن إتمام الصفقة يُعد مستبعداً رغم توقيع خطاب النوايا. وسلّط الضوء كذلك على دور الدعم الدبلوماسي الفرنسي في إحياء البرنامج، وعلى مخاوف قطرية من تطور المشهد السياسي في فرنسا قبيل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ويدعو تاريخ البرنامج بدوره إلى الحذر، فمذكرة التفاهم الموقعة في ديسمبر/كانون الأول 2017، التي شملت قرابة 490 مركبة، لم تتحول إلى عقد ملزم.
وبعيداً عن هذه الشكوك التعاقدية، تبقى الحاجة العملية لدى الدوحة واضحة: الحصول على مركبات حديثة تحل محل أجيال متعاقبة من المنصات المدرعة، وتنقل المشاة تحت الحماية، وتعمل إلى جانب دبابات “ليوبارد 2 إيه 7 بلس” في بيئة تظل فيها الحركة البرية وسرعة الاستجابة عنصرين حاسمين. ولدولة قواتها البرية صغيرة نسبياً، قد يبسّط أسطول موحد من مئات المركبات تدريب الأطقم والدعم اللوجستي. والسؤال المحوري إذن لا يتعلق بالجدوى العسكرية لـ”في بي سي آي”، بل بما إذا كانت قطر ستحسم برنامجاً ظل قيد التفاوض قرابة عقد.
المصدر: Army Recognition


