تغيب الصين عن قائمة أكبر ثلاثة موردين للسلاح إلى السعودية، لكن حضورها في الترسانة السعودية يتجاوز لغة الأرقام. فقد تصدّرت الولايات المتحدة بنسبة 77% بحسب بيانات معهد سيبري (SIPRI) لفترة 2021-2025، تلتها إسبانيا بـ9.5% ثم فرنسا بـ4.6%. وينبّه المعهد إلى أن مؤشر حجم التحويلات (TIV) أداة مقارنة لحجم المنصات المنقولة وقدراتها، وليس قيمة مالية بالدولار.
ومع ذلك، تنفرد بكين، بحسب المعلن، بأنها المورّد الوحيد الذي باع الرياض صواريخ باليستية أرض-أرض (DF-3 ثم DF-21)، وتورّد لها طائرات Wing Loong المسيّرة منذ عام 2014. وتحدثت تقارير إعلامية في مارس/آذار 2026 عن اتفاق لإنتاج Wing Loong-3 في جدة، لم يصدر بشأنه تأكيد رسمي حتى الآن.
الصواريخ الباليستية: من DF-3 إلى DF-21
بدأت المفاوضات السرية بين الرياض وبكين عام 1985، وسط قلق سعودي من الصواريخ الباليستية العراقية والإيرانية. وبحسب تقارير غربية، وصلت الدفعة الأولى من صواريخ DF-3 (CSS-2) عام 1987، وهو صاروخ ثنائي المرحلة بالوقود السائل يتجاوز مداه 3000 كم. وتتفاوت التقديرات الغربية لعدد الصواريخ المسلّمة بين 36 و60 صاروخًا، وبقيمة تراوح بين 500 مليون ومليار ونصف المليار دولار.
وانكشفت الصفقة علنًا في مارس/آذار 1988 بعد رصد الاستخبارات الأمريكية قواعد إطلاق بنتها الصين في السعودية. وسلّمت بكين في أبريل/نيسان 1988 دفعة ثانية محسّنة الدقة بعد ضعف أداء الدفعة الأولى. وعرضت الرياض هذه الصواريخ علنًا لأول مرة في 29 أبريل/نيسان 2014 خلال عرض عسكري في قاعدة حفر الباطن، في رسالة ردع موجهة إلى إيران.
واشترت السعودية عام 2007 صاروخ DF-21 (CSS-5) متوسط المدى (نحو 1700 كم)، وهو أعلى دقة من DF-3، إذ تقدّر بعض المصادر خطأه الدائري المحتمل بنحو 30 مترًا. وتفيد تقارير Newsweek وThe National Interest بأن واشنطن وافقت ضمنيًا على الصفقة، بعد أن تحقق فنيون من وكالة الاستخبارات المركزية من أن النسخة المصدَّرة مهيأة لحمولة تقليدية فقط. ولم تُسجَّل صفقة باليستية سعودية-صينية جديدة منذ ذلك الحين، ما يجعل هذا الملف تاريخيًا أكثر منه اعتمادًا متجددًا.
الطائرات المسيّرة: من الشراء إلى الانتشار الميداني
أفادت تقارير بأن السعودية وقّعت في 19 أبريل/نيسان 2014 عقدها الأول لشراء طائرات Wing Loong من شركة تشنغدو للصناعات الجوية التابعة لمجموعة AVIC. وجاء ذلك في وقت قيّدت فيه ضوابط نظام مراقبة تقنية الصواريخ (MTCR) تصدير المسيّرات الهجومية الأمريكية، مثل MQ-9 Reaper، إلى معظم حلفاء واشنطن الخليجيين. وفتح هذا الفراغ الباب أمام بكين، وهو لا يعني بالضرورة تفوقًا تقنيًا صينيًا.
وتحدثت تقارير غربية منذ نحو عام 2017 عن طلبيات من الجيل الثاني Wing Loong II المسلّح، دون أرقام رسمية مؤكدة. وأفادت تقارير متخصصة بأن المسيّرات الصينية العاملة في القوات السعودية تجاوزت 5000 ساعة طيران تراكمية بحلول عام 2021. وأفادت تقارير كذلك بأن القوات الجوية الملكية السعودية اقتنت في فبراير/شباط 2024، خلال معرض الدفاع العالمي في الرياض، طائرة Wing Loong-10B.

مصنع جدة: من الشراء إلى التصنيع المشترك
أفادت تقارير إعلامية في 7 مارس/آذار 2026، منها موقع Seetao الصيني ومنصة Defence Security Asia، بتوقيع اتفاقية قيمتها 5 مليارات دولار بين CATIC، الذراع التجارية لـAVIC، والهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI). وبحسب هذه التقارير، تقضي الاتفاقية بإقامة خط تجميع لطائرة Wing Loong-3 في جدة بطاقة تقارب 48 طائرة سنويًا. وتنسب التقارير نفسها إلى الطائرة تحمّلًا يصل إلى 40 ساعة ومدى يبلغ نحو 10 آلاف كم. وتشمل الحزمة المعلنة نقل التقنية وتدريب الكوادر المحلية ودمج أنظمة إلكترونيات الطيران وبنية تحتية للصيانة.
ولم يصدر حتى الآن تأكيد حكومي مستقل من الرياض أو بكين، ولذلك تبقى الصفقة في خانة “المعلنة إعلاميًا”. وإن تأكدت، فستكون أول خط تصنيع محلي سعودي لمنصة هجومية غير مأهولة متقدمة بهذا الحجم، بما ينسجم مع هدف رؤية 2030 برفع التوطين العسكري إلى 50%. وأعلنت GAMI أن النسبة بلغت 24.89% بنهاية 2024 مقابل 4% عام 2018.
لماذا الصين تحديدًا؟
غاب البديل الغربي في فئة الصواريخ الباليستية أصلًا، ولا يزال غائبًا بحكم قيود الحد من انتشار الصواريخ. وكانت بكين من الموردين القلائل المستعدين لبيع منصات هجومية غير مأهولة متقدمة دون قيود سياسية مماثلة. وتعرض الصين نقل التقنية والتصنيع المشترك بما يتسق مع أولوية التوطين لدى GAMI، وتقدّم جداول تسليم أسرع وتكلفة أقل نسبيًا، مع فجوات في الموثوقية طويلة المدى لم تُختبر على نطاق واسع في الخدمة السعودية.
اعتماد انتقائي لا شامل
تغيب الصين عن المقاتلات والدفاع الجوي المتقدم والسفن الحربية الرئيسية في السعودية، ويتركز حضورها في فئتين: الصواريخ الباليستية تاريخيًا والمسيّرات حاليًا. ولا يعني التصنيع المحلي الاستقلال عن الصين، بل ينقل نقطة الاعتماد من استيراد طائرة جاهزة إلى الاعتماد على التقنية وقطع الغيار والتحديثات البرمجية لعقود.
ما الذي قد يتغير؟
تستحق ثلاثة مسارات المتابعة: التأكيد أو النفي الرسمي لصفقة جدة، وما إذا كانت بكين ستعرض على الرياض منصات أكثر تقدمًا، وأثر أي تقارب سعودي-أمريكي متجدد حول صفقات المسيّرات والصواريخ المتقدمة على شهية الرياض للتعاون الصناعي مع الصين.


