لمى فاروق
لم تعد المسيّرات الهجومية مجرد أهداف جوية منخفضة الكلفة يمكن التعامل معها بوسائل الدفاع التقليدية، بل بدأت تتطور في اتجاه يفرض تحديات جديدة على منظومات الدفاع الجوي. فظهور المسيّرات المزودة بمحركات نفاثة، وما يرافقه من ارتفاع في السرعة وقدرة على التحليق على ارتفاعات أكبر، يضيّق هامش الوقت المتاح أمام المدافع لاكتشاف الهدف وتعقبه واتخاذ قرار الاعتراض المناسب.
وتكشف التطورات الأخيرة في الحرب الروسية الأوكرانية عن جانب آخر من هذه المعادلة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة المنظومة الدفاعية على إسقاط المسيّرة، بل بقدرتها على مواجهة أعداد كبيرة من الأهداف بوسيلة اعتراض تتناسب مع طبيعة الهدف وكلفته، من دون استنزاف مخزون الذخائر الاعتراضية مرتفعة الثمن.
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: ماذا يحدث عندما تصبح المسيّرات الهجومية أسرع وأقدر على بلوغ أهدافها، بينما يتعين على منظومات الدفاع الجوي اكتشافها وتعقبها واعتراضها خلال زمن أقصر، وبكلفة لا تفوق قيمة الهدف نفسه؟ وهل يدفع هذا التطور نحو إعادة التفكير في مفهوم الدفاع الجوي، من منظومة تقوم أساسًا على الصواريخ الاعتراضية إلى منظومة متعددة الطبقات تجمع بين الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيّرات الاعتراضية والليزر والصواريخ؟

من “شاهد” التقليدية إلى المسيّرات النفاثة
شكّلت المسيّرات الهجومية منخفضة الكلفة، وفي مقدمتها عائلة “شاهد” التي تستخدمها روسيا على نطاق واسع في حربها ضد أوكرانيا، تحديًا مستمرًا لمنظومات الدفاع الجوي. ومع تطور استخدامها، لم يعد التركيز منصبًّا على زيادة أعدادها فحسب، بل امتد إلى تحسين خصائصها وقدراتها الجوية.
وفي الحالة الروسية، ظهرت مسيّرات هجومية جديدة مزودة بمحركات نفاثة، من بينها Geran-4 وGeran-5، في تطور يعكس توجهًا نحو رفع أداء هذه المنصات مقارنة بالمسيّرات التقليدية العاملة بالدفع المروحي. ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للدفاع الجوي، إذ يمكن للسرعة الأعلى والتحليق على ارتفاعات أكبر أن يقلّصا الوقت المتاح لاكتشاف الهدف واعتراضه بواسطة بعض الأنظمة قصيرة المدى.
ولا يعني ذلك أن معظم هذه المسيّرات باتت مساوية للصواريخ الجوالة، فالفئتان تختلفان في السرعة والمناورة وأنظمة التوجيه والحمولة وطبيعة الاستخدام. غير أن الانتقال إلى الدفع النفاث يرفع مستوى الأداء المطلوب من منظومات الدفاع التي تتصدى لها.

التحدي يتجاوز السرعة
لا تحدد سرعة المسيّرة وحدها مستوى التهديد الذي تمثله. فالارتفاع ومسار الطيران وقدرة المنصة على تنفيذ هجوم بعيد المدى، إضافة إلى عدد الأهداف المشاركة في الهجوم، كلها عوامل تؤثر في قدرة الدفاع الجوي على التعامل معها.
ويبرز الارتفاع كعنصر مهم، لأن بعض وسائل مكافحة المسيّرات، وخصوصًا الأنظمة المحمولة على الكتف، تعمل ضمن حدود معينة من المدى والارتفاع. وعندما يتحرك الهدف خارج هذه الحدود، يزداد الاعتماد على طبقات دفاعية أخرى.
لكن التحدي الأكبر يظهر حين تُستخدم المسيّرات في هجمات كثيفة. ففي هذه الحالة، لا يواجه الدفاع هدفًا منفردًا يمكن تخصيص وسيلة اعتراض له، بل مجموعة أهداف تتطلب في آن واحد الكشف والتصنيف والتتبع وتوزيع وسائل الاشتباك.
وهذا يحوّل مكافحة المسيّرات من مهمة اعتراض أهداف منفردة إلى مسألة إدارة للموارد الدفاعية. فكل هدف يحتاج إلى وسيلة مناسبة، وكل قرار باستخدام سلاح معين يؤثر في الوسائل المتاحة للتعامل مع الأهداف التالية.
معضلة نافذة الاشتباك
تبدأ عملية الاعتراض قبل إطلاق أي صاروخ. فعلى منظومة الدفاع أن تكتشف الهدف أولًا، ثم تحدد طبيعته ومساره، وتتعقب حركته، وتقيّم مستوى التهديد، وتختار الوسيلة المناسبة للتعامل معه. ومع ارتفاع سرعة الهدف، يتعين على هذه السلسلة أن تعمل خلال فترة زمنية أقصر.
وتتأثر نافذة الاشتباك بعوامل عدة، منها مسافة اكتشاف الهدف وارتفاعه، وقدرات المستشعرات، وموقع وحدة الدفاع، ومدى السلاح المستخدم. ولذلك فإن تحسين عنصر واحد لا يحل المشكلة بالكامل إذا بقيت بقية حلقات السلسلة محدودة.
وهنا تبرز أهمية أنظمة القيادة والسيطرة القادرة على دمج البيانات الواردة من الرادارات والمستشعرات المختلفة، وتحديد الأولويات، وتوجيه وسيلة الاعتراض المناسبة إلى الهدف. فكلما أصبحت التهديدات أسرع وأكثر تنوعًا، ازدادت أهمية سرعة معالجة المعلومات بقدر أهمية أداء السلاح نفسه.
وبذلك تتحول المنافسة بين الهجوم والدفاع من سباق مباشر في السرعة إلى سباق في زمن الاستشعار واتخاذ القرار والتنفيذ.

صاروخ باهظ الثمن في مواجهة مسيّرة زهيدة
إلى جانب عامل الزمن، تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية، هي كلفة الاعتراض. فقد صُممت المسيّرات الهجومية، في جزء كبير من استخدامها العملياتي، لتوفير قدرة هجومية أقل كلفة من الطائرات والصواريخ التقليدية، بينما قد تعتمد بعض وسائل مواجهتها على ذخائر اعتراضية مرتفعة الثمن.
وهنا تظهر معادلة غير متوازنة: إذا اضطر الدفاع إلى استخدام وسيلة باهظة الثمن ضد كل مسيّرة منخفضة الكلفة، فإن نجاحه في إسقاط الأهداف لا يلغي خطر استنزاف مخزونه من الذخائر مع استمرار الهجمات.
وتزداد أهمية هذه المشكلة مع الهجمات كبيرة الحجم. ففي هذه الحالة، لا يقتصر السؤال على إمكانية اعتراض الهدف، بل يمتد إلى إمكانية الحفاظ على قدرة الاعتراض لفترة طويلة دون استهلاك الموارد بوتيرة تفوق قدرة تعويضها.
وهذا يفسر الاهتمام المتزايد بوسائل اعتراض أقل كلفة، مثل المدافع والمسيّرات الاعتراضية والحرب الإلكترونية، إلى جانب تطوير أسلحة الطاقة الموجهة، بحيث لا تضطر المنظومات إلى إطلاق صاروخ مرتفع الكلفة في كل مرة تواجه فيها هدفًا منخفض الكلفة.
نحو دفاع جوي متعدد الوسائل
يدفع هذا التطور إلى إعادة النظر في طريقة بناء منظومات مكافحة المسيّرات. فبدل الاعتماد على وسيلة واحدة، تتجه الفكرة نحو دمج طبقات عدة، لكل منها وظيفة مختلفة.
فالحرب الإلكترونية قادرة على التعامل مع بعض التهديدات عندما تكون ظروف التشويش مناسبة، وتوفر المدافع وسيلة مباشرة ضد أهداف ضمن نطاقها، وتقدم المسيّرات الاعتراضية خيارًا آخر لمواجهة أهداف معينة. أما الليزر فيطرح مفهومًا مختلفًا للاعتراض يقوم على الطاقة الموجهة، في حين تبقى الصواريخ ضرورية للتعامل مع الأهداف التي تتطلب مدى أو قدرة أكبر.
ولا يعني ذلك أن وسيلة واحدة ستختفي لصالح أخرى، بل إن الاتجاه الأبرز يقوم على توزيع المهام بين وسائل عدة، بحيث لا تُستخدم الذخائر الأعلى كلفة إلا عندما تستدعي طبيعة الهدف ذلك.
ومن هنا يصبح نظام القيادة والسيطرة عنصرًا محوريًا، إذ يتعين عليه دمج المعلومات من المستشعرات المختلفة، وتصنيف الأهداف، وتحديد أولوياتها، ثم اختيار وسيلة الاعتراض التي تحقق التوازن بين الفاعلية والكلفة والوقت.
ما بعد الاعتراض: معيار جديد لنجاح الدفاع الجوي
تكشف المسيّرات النفاثة عن التغيير الحاصل في قواعد الاشتباك في مواجهة التهديدات. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة الدفاع الجوي على إسقاط هدف جوي، بل بقدرته على إدارة سلسلة كاملة تبدأ بالكشف وتنتهي بالاعتراض، مع التعامل في الوقت نفسه مع اختلاف سرعات الأهداف وارتفاعاتها وأعدادها.
ويدفع ذلك نحو مفهوم أكثر تكاملًا للدفاع الجوي، لا يعتمد على الصواريخ وحدها، بل يجمع بين وسائل مختلفة تشمل الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيّرات الاعتراضية والليزر والصواريخ، بحيث تعمل كل طبقة وفق طبيعة الهدف.
لذلك، فإن التحدي الذي تفرضه المسيّرات النفاثة لا يكمن في جعل الاعتراض مستحيلًا، بل في رفع متطلبات الدفاع من حيث سرعة الاستجابة وكفاءة استخدام الموارد. ومع استمرار تطور هذه المنصات، قد يصبح معيار نجاح الدفاع الجوي هو قدرته على الحفاظ على فعاليته أمام هجمات متكررة ومتنوعة، وليس مجرد إسقاط عدد محدد من الأهداف.
وهنا يتجلى الواقع، المسيّرات النفاثة لا تغيّر قواعد الاشتباك بامتلاكها ميزة واحدة حاسمة، بل بإجبارها المدافع على تطوير أسلوبه في الاكتشاف واتخاذ القرار والاعتراض بما يواكب جيلًا جديدًا من التهديدات.




