“ليوبارد 2” بعد تجربة أوكرانيا: تطوير الحماية في عصر المسيّرات

العقيد الركن المتقاعد ظافر مراد/ خاص- دفاع العرب.

Northrop Grumman - Raid Hunter

كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن تحول عميق في البيئة العملياتية التي صُممت دبابات القتال الرئيسية للعمل ضمنها؛ وفي هذه البيئة، واجهت الدبابة الألمانية “Leopard 2″، رغم ما تتمتع به من قوة نارية وحماية ووسائل رصد متقدمة، تحدياً متزايداً تمثَّل في الانتشار الكثيف للمسيّرات الاستطلاعية والانتحارية، والذخائر الجوالة، والأسلحة المضادة للدروع، لذلك، تتجه عملية تطويرها بعد تجربة الحرب في أوكرانيا إلى تعزيز فرص البقاء في ساحة مكشوفة للمراقبة والاستهداف المستمرين.

في 20 شباط/نوفمبر 2025، أعلنت القوات المسلحة الألمانية مواصفات النسخة الجديدة من هذه الدبابة تحت تسمية “Leopard 2A8″، والتي تتضمن تدريعاً محسناً ونظام الحماية النشطة “Trophy” الإسرائيلي، إلى جانب تحسينات في منظومة الرصد وواجهة التحكم؛ ووفقاً للبيان الرسمي للجيش الألماني، طلبت برلين 123 دبابة جديدة، مع التخطيط لبدء تسليمها للقوات اعتباراً من عام 2027 واستكمال التسليم بحلول 2030، ويُعد إدخال نظام الحماية النشطة على نطاق واسع أحد أبرز عناصر التطوير، إذ يستهدف اعتراض المقذوفات المضادة للدروع قبل اصطدامها بالهيكل.

 كشفت المواجهات التي خاضتها الدبابة في الحرب في أوكرانيا اتساع فجوة الحماية أمام التهديدات الجوية منخفضة الكلفة، وتمثلت المشكلة في أن التدريع التقليدي، مهما ارتفع مستواه، لا يضمن الحماية من جميع اتجاهات الهجوم، فالمسيّرات الصغيرة تستطيع الاقتراب من الدبابة، فيما تستطيع ذخائر أخرى استهداف أجزاء أقل حماية أو مهاجمة المركبة من الأعلى، وتؤكد هذه الظاهرة أن زيادة سماكة التدريع وحدها ليست حلاً كافياً؛ إذ ينبغي الجمع بين الحماية السلبية، والاستشعار، والتشويش، والاعتراض النشط.

وفي 24 شباط/فبراير 2026، نشرت وكالة رويترز تقريراً ميدانياً عن التحولات التي شهدتها الحرب الأوكرانية، نقلت فيه عن قائد دبابة أوكراني أن كثافة مسيّرات الرؤية المباشرة “FPV” جعلت تحريك الدبابات في المناطق المكشوفة شديد الخطورة، ودفع بعض الأطقم إلى استخدامها من مواقع مخفية لإسناد القوات بالنيران، ويعكس ذلك مشكلة عملياتية تتجاوز قدرة الدبابة على تحمّل الضربة: فاحتمال اكتشافها وتعقبها قبل تنفيذ مهمتها قد يقيد حركتها وفاعليتها، ويقدم نظام “Trophy” طبقة إضافية من الدفاع عبر رادارات ومستشعرات ووحدات اعتراض، لكنه لا يمثل مظلة مضمونة ضد جميع أنواع المسيّرات، ففاعليته ترتبط بطبيعة التهديد، وقدرة المستشعرات على اكتشافه، وحدود الاشتباك، ومخزون وسائل الاعتراض، وإمكانية التعامل مع هجمات متزامنة.

وفي 18 آب/أغسطس 2026، تناولت مجلة “Ars Technica” ظهور نظام الحماية النشطة الروسي “Arena-M” في القتال بأوكرانيا، مشيرة إلى أن بعض الدبابات المجهزة به تعرضت لهجمات متتابعة من المسيّرات رغم تمكن النظام من اعتراض بعض الهجمات، وتوضح هذه الواقعة أن الحماية النشطة تدخل سباقاً تقنياً متجدداً، وأن نجاحها في مواجهة تهديد منفرد لا يثبت قدرتها على التعامل مع هجوم كثيف ومتعدد الاتجاهات.

أثًّرت طبيعة التحولات في البيئة العملياتية في الحروب الحديثة، لا سيما بوجود المسيرات متعددة الانواع والأحجام، على إمكانية التحرك والمناورة والبقاء في بيئة مراقبة جوياً بشكلٍ مستمر، فالدبابة تحتاج إلى الحركة لتغيير مواقعها، وتجنب النيران، واستثمار قوة مدفعها، غير أن انتشار المسيّرات الاستطلاعية يرفع احتمال كشف تحركاتها، فيما تتيح المسيّرات الهجومية استغلال المعلومات بسرعة، ويزداد التحدي عندما تتكامل الاستطلاعات الجوية مع المدفعية والأسلحة المضادة للدروع.

وفي دراسة نُشرت في 6 آب/أغسطس 2025، حلل المعهد الملكي للخدمات المتحدة “RUSI” أثر المسيّرات الهجومية أحادية الاتجاه في الحرب الأوكرانية، موضحاً كيف يمكن لأعداد كبيرة نسبياً من الأنظمة منخفضة الكلفة فرض أعباء عسكرية واقتصادية كبيرة على الخصم، ويُستنتج من ذلك أن حماية الدبابة تتطلب معالجة سلسلة الاستهداف كاملة، من اكتشافها إلى تحديد موقعها وتوجيه السلاح نحوها، وليس الاكتفاء بتحسين مقاومتها عند الإصابة.

تؤدي الحلول المتعلقة بإضافة الدروع وأجهزة الحماية إلى زيادة الوزن والتعقيد في المناورة وفي الصيانة، وتؤثر في الحركة واستهلاك الوقود والنقل والإخلاء الميداني، وفي المقابل، فإن تخفيف الدبابة من دون إعادة تصميم متكاملة قد يضعف الحماية، ولذلك، يتطلب التطوير موازنة دقيقة بين الوزن، والقدرة على المناورة، والحماية، وقابلية الإصلاح تحت ظروف القتال.

تشير مواد شركة “KNDS” الفنية الخاصة بالدبابة “Leopard 2A8” إلى اعتماد تجهيزات حماية إضافية يمكن تكييفها وفق طبيعة المهمة، بما يشمل الحماية من الألغام والعبوات والتهديدات المضادة للدروع. وتبرز هذه المقاربة أهمية بناء حماية قابلة للتكيّف، بدلاً من الاعتماد على مستوى تدريع واحد لجميع البيئات العملياتية.

يتركز اتجاه تطوير “Leopard 2A8” في أربعة مجالات مترابطة:

1- الحماية النشطة: توسيع دمج أنظمة مثل “Trophy”، مع تطوير وسائل كشف التهديدات الجوية الصغيرة والتعامل معها، من دون افتراض أن نظاماً واحداً قادر على اعتراض جميع أنواع المسيّرات.

2-  الوعي الظرفي: تحسين الرؤية المحيطية، ودمج بيانات المستشعرات، ومساعدة الطاقم على اكتشاف التهديدات بصورة أسرع، مع الحفاظ على قدرته على العمل في ظروف التشويش وفقدان بعض الاتصالات.

3- الحماية المتعددة الطبقات: الجمع بين التدريع، والتمويه، وتقليل البصمة، ووسائل الحرب الإلكترونية، والدفاع القريب، والإسناد من وحدات مخصصة لمكافحة المسيّرات.

4- الجاهزية والاستدامة: رفع موثوقية منظومة الحركة، وتوفير قطع الغيار، وتسريع الإصلاح، وتطوير تجهيزات قابلة للاستبدال والتحديث مع تغير التهديدات.

وفي 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت رويترز فوز شركة “Renk” بتمديد عقد بقيمة 130 مليون يورو لتوريد نواقل الحركة لدبابات “Leopard 2” ومركبات مرتبطة بها، بموجب اتفاق مع “KNDS Deutschland” ويشير العقد إلى استمرار الاستثمار في قاعدة الإمداد الصناعية للدبابة، بالتوازي مع الجدل بشأن دور المدرعات في بيئة يزداد فيها خطر المسيّرات والصواريخ والمدفعية.

لم تؤكد التجربة الأوكرانية انتهاء دور دبابات القتال الرئيسية؛ بل هي تكشف حدود استخدامها عندما تعمل منفردة أو تتحرك في بيئة يسيطر عليها الاستطلاع المستمر، وفي دراسة نشرها “RUSI” في العام 2025 بعنوان: “Emergent Approaches to Combined Arms Maneuver in Ukraine”، أشار المعهد إلى تراجع استخدام المدرعات على نطاق واسع بسبب تعقيد البيئة القتالية، مع استمرار أهميتها في إسناد المشاة، وتوفير النيران المحمية، والمساهمة في تطهير المواقع المعادية.

لم يعد الثنائي مشاة-مدرعات كافياً للعمل في بيئات القتال البري الحديثة، فتعدد التهديدات وإختلاف أنواعها، وانخراط المسيرات في الإستطلاع والهجمات الإنتحارية، يفرض دخول عناصر جديدة على منظومات القتال المشترك بين عدة مكونات وأفرع، من هنا، ينبغي النظر إلى “Leopard 2A8” باعتبارها جزءاً من منظومة قتالية أوسع، تضم المشاة، والدفاع الجوي القريب، والمسيّرات الصديقة، والحرب الإلكترونية، والاستطلاع، والمدفعية، والقيادة والسيطرة، وستكون قدرة هذه العناصر على تبادل المعلومات وحماية بعضها بعضاً عاملاً حاسماً في تحديد فاعلية الدبابة.

أما التحدي الأكبر، فيتمثل في اقتصاد الاستنزاف: دبابة مرتفعة الكلفة قد تتعرض لهجوم من مسيّرات أقل كلفة بكثير، وقد يضطر المدافع إلى استهلاك ذخائر اعتراض ثمينة لحماية كل مركبة، لذلك، يطرح سؤال إستراتيجي يطال إتجاهات بناء جيوش المستقبل وتحضيرها للقتال البري: هل يُستعاض عن الوحدات الميكانيكية الثقيلة بوحدات مشاة وقوات خاصة